قراءة في ثقافة الاختلاف
يعتبر الاختلاف وما يدور حوله من خصائص وماهيات نمطا من أنماط التفكير، وهو بذلك يشكل جزءا لا يتجزأ من المكونات الرئيسية لثقافة ما، بالإضافة إلى ما يشكله من حالة حيوية تقاس بها حيوية هذه الثقافة ذاتها ومدى قدرتها على خلق مساحات للتنوع وعلى سن الشرائع له وقوننته.
لمفهوم الاختلاف دور جوهري أثبته التاريخ في تحريك سواكن المجتمع وثوابت الأفكار والقيم، كما أكد على دوره في مواكبة التحولات الثقافية والاجتماعية والسياسية العالمية أو التبشير بها مما أنتج مزيداً من التطور والتقدم. هذا الدور يعمل وفي الصميم على تأطير الوعي والدفع به نحو إدراك التحولات الفكرية الحافزة على التغيير ومقاومتها لأشكال العطالة وأساليب اجترار الماضي.
وعلى ضوء ذلك فإن تناول مفهوم الاختلاف هنا كإشكالية هو بمثابة تناول لإشكالية ثقافة كاملة وبالتالي فنحن أمام تحد كبير يتمثل في خلق نموذج فكري للتحديث ومواكبة التغيرات في كافة الأطر والمفاهيم الثقافية وطرق التعامل معها لحظياً, ويمثل أيضا ضرورة من ضرورات التطلع إلى المساهمة الحضارية في هذا العالم والتي لن تتم إلا بخروج هذه الثقافة التي نملك من عزلتها وجمودها، وأن يتم ذلك في إطار الوعي بحقيقة المرحلة التي تمر بها ثقافة المنطقة، وهذا يتطلب التوقف ملياً عند أشكال التفاعل مع الثقافات العالمية ومتغيراتها الفاعلة وخصوصاً في المجالات الفكرية, ولا سيما الديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان، وأن تعدد التكتلات الموجودة في الساحة من مثقفين وأحزاب وما ينضوي ضمنهم من تيارات دينية وماركسية وقومية لهذه الأشكال والمتغيرات والضرورات.
إنّ هذه الدروب في المساهمة قد طرقت, لكن الخلاص بقي مستعصياً والداء متأصلاً بسبب الثوابت الثقافية التي تنطلق أفكارنا ورؤانا من خلالها، مما جعلنا نتوه عن السبب المباشر المؤدي إلى واقع الأزمة الحالية والتي يمكن اختزالها بـ:غياب المفاهيم الإنسانية التعددية (ديمقراطية- علمانية- حقوق الإنسان- الفرد-المواطنة...الخ) وعلى رأسها مفهوم الاختلاف، كونه يرتبط ارتباطاً عضوياً بتلك المفاهيم والتي من شأنها جعل الاختلاف سواء كمفهوم أو كثقافة أو كضرورة يفرز كحالة قائمة بذاتها.
لذا, فإن الجهد المطلوب للخروج من هذا التيه حسب اعتقادي هو ذاك الجهد الذي تقوم به الذات على ذاتها والخروج عن خط السهولة في المواجهة في سبيل التعامل مع الأسباب لا النتائج، فجميع الهزائم التي يعوم فوقها واقعنا الثقافي جاءت نتيجة بقائنا نيام على النار التي حدثت في ديارنا حتى لحظة انفجار البركان في وجوهنا ثم أُقر التعامل مع هذه الهزائم على ضوء النتائج وليس على ضوء الأسباب, فنتج عن هذه الآلية آليات أُخرى لا تقل سوءاً عنها كالسلفية المحكومة بالماضوية أو الحداثية التي جاءت كنموذج تقليدي أعمى للغرب, وقد واتضح أن هذا النهج بوسائله والياته التقليدية لم يتعدّى إشكالية وضع العربة أمام الحصان، بل وجاء كتعبير واضح عن حالة الهروب والبحث عن ملجأ بدلاً من الوقوف على نواة ذاك النهج الموروث والسائد ومحاكاته عقلانياً.
وتأتي ثقافة الاختلاف بما تحمله من وسائل واليات في سبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حالة الانهيار والإفلاس الثقافي الموجودة، وإلى تفادي ما سيدفع كثمن باهظ ضريبة ثقافتنا السائدة, وصولاً إلى التحول بتعاملنا مع الإشكاليات المطروحة بمواقف أكثر جدية بدلاً من دفن الرؤوس في الرمال والتعامي عن واقع الحال والتاريخ, وان ما ذكر هو ما سيساند ويدعم موضوعياً وفي مختلف الظروف والمتغيرات العالمية على إيجاد طرق وأفق أُخرى لحل الإشكالية التي نحن بصددها.
يأتي التركيز على ثقافة الاختلاف في جانبها الذاتي انطلاقاً من اعتبارها أساس ديمومة الفعل وجوهر نجاحه وإنتاجيته, فإن لم يختلف الذاتي عما يموج في دائرة الثقافة الخارجية (الموضوعي) فإن فعل التفاعل هنا معدوم أصلاً وهذا ما من شأنه إبطال فعل الاختلاف وتفريغه من محتواه الحداثي، وهنا سينقلب ذلك المفهوم إلى وبال على المفهوم ذاته مما يؤدي إلى إبقاء الركود سائداً والسكون رائداً.
ثمة مفاهيم لا يمكن تجاهلها عند الشروع في إطلاق أي عملية تهدف إلى تأصيل وتجذير مفهوم أو ثقافة الاختلاف وما ينطوي عليها من مهمة إدخال طفرات حداثية إلى السلسلة الوراثية السكونية التي تتميز بها ثقافتنا السائدة, وهي تلك المفاهيم الحاضرة لفظاً الغائبة وعياً عن أطر هذه الثقافة, والتي بإمكانها أن تخلخل ركائزها البنيوية المتخلفة إن لم نقل الانتقال بها إلى مستوى ثقافة المجتمعات المتمدنة في هذا العالم, فغياب الوعي بالمفاهيم يؤدي إلى غياب الوعي بضرورتها، على ألا تؤخذ هذه المفاهيم على أنها وصفات سحرية وحلول نهائية للخروج من حالات التأزم والتأخر الذي نعيشه.
فالديمقراطية ضمن هذا الإطار لم تمارس في مجتمعنا، أي أنها لم تشكل مع مرور الأيام تراثا أو تقليدا ينضم إلى مكنوناتنا الثقافية، بل بقيت مواقف ذهنية ترتبط بشخصية معينة أو فكر معين ولم تصل إلى مرحلة وعي قائم بذاته ُيمارس كعنصر ثقافي، وجوهر هذه الإشكالية يعود إلى ما يثقل به موروثنا الثقافي من عقول الإقصاء والانصهار في بوتقة الجماعة وهذا أيضاً ما يكمن وراء حالة التشوه الفكري التي تخترق العلاقات الإنسانية والديمقراطية وضمن الإطار ذاته تأتي كمصطلح يقوم وينضوي على معنى ثقافي حياتي معاش, أي أنها كلمة لا تغني عن الممارسة ولا تهدف أو تقتصر على معنى التوجه إلى صناديق الاقتراع فقط ,فالديمقراطية أولاً وأخيراً هي: ثقافة القبول بالآخر، وتأتي العلمانية "الابن الشرعي للديمقراطية" بمفاهيم تتنافى والتطرف الديني والسياسي وتتمحور حول حرية الفكر وحق الاختلاف ووسائل وآليات انتقائه, وبامتزاج المفهومين السابقين سيكون احترام حقوق الإنسان وتأصيله في المجتمع نتيجة ومكملا في الوقت ذاته, وسيحد ذلك من القفز فوق مفهوم الفرد، الفرد الإنسان- المواطن على حساب قدسية الجماعة (جماهير- شعوب)،فثقافة الاختلاف تعتبر الفرد قيمة بحد ذاته متساويا ً في حقوقه وواجباته بالأفراد الآخرين وهي بذلك تتبنى الرأي المختلف والهدف المختلف وتعارض الفرض القسري للأفكار والقيم وتخلخل السائد، وإن موضوعية وعقلانية هذه الثقافة ستلغي " صحياً" تلك الاصطفافات الفطرية اللاعقلانية كتلك القائمة على اللون أو العرق أو الدين وهي من سينمي مفهوم الهوية ويضعه ضمن أطره وأبعاده الصحيحة والصحية وسينزع القشور الدوغمائية عنه وعن معادلاته " من ليس معي فهو ضدي"وسيبعد هالة الخوف التي تحيط بخطوطه الحمراء التي تخشى الاختلاف. وإننا عندما نسلم بأن المفاهيم الحداثية والمنضوية جوهرياً على حق الاختلاف تأتت ضمن مصفوفة فكرية واحدة، فإن وجودها في المجتمع سيكون أيضاً ضمن المصفوفة ذاتها ومنه فإنّ الشروح البسيطة التي ُقدمت لتلك المفاهيم المعقدة عليها لكي تثمر ثقافياً أن تتأصل أولاً في ذاتية الفرد الذي يحمل عبء نشر ثقافة تلك المفاهيم وتحذيرها في البنية الثقافية لهذا المجتمع، وعندها يصبح أمر القطيعة ما بين الفرد من طرف, والمفاهيم المتضاربة والمتناقضة مع تلك المفاهيم الحداثية من طرف آخر أمر بديهي.
إن ماهية الاختلاف هي بمثابة حجر الأساس الذي يرتكز على مخزون معرفي قائم على الموضوعية والعقلانية وخاضع مسبقا للنقد وللوعي النقدي, وهذه الأهمية المعرفية لها دلالاتها على جوهر الثقافة وبالتالي على جوهر دورها بما تحمله من آفاق ذات أبعاد نهضوية , حداثية تؤثر في مجرى الواقع. ولعل التساؤلات التالية ستلخص ما نعنيه ونصبو إليه :
1. كيف لثقافة مبنية على الفكر الغيبي والمنطق المثالي أن تكرس الاختلاف وهي بما مبنية عليه تناقض جدلياً المفهوم النسبي للحقيقة وما يفرزه من قيم ديمقراطية وعلمانية وإنسانية؟.
2. هل لثقافة مازالت تقوم على الأبعاد العشائرية والطائفية والقبلية أن تكرس مفهوم الوطن والمواطنة؟.
3. هل التذرع بالخصوصية الثقافية يشكل حلاً أو بديلاً عن تلك الثقافات المنفتحة على النقد والاختلاف والحوار والموضوعية؟.
وأخيراً هل الإجابة الواقعية عن هذه التساؤلات تفيد النهوض وتجاوز الثقافة السائدة أم أنها تكرس السائد؟.
من البديهي القول أن المقدمات الخاطئة توصلنا إلى نتائج خاطئة, وهذا هو جوهر الواقع والحال, وهو ما يؤكد أن ما يجري في الساحة الثقافية ومن منظور الواقع أيضاً ليس محض مصادفة إنما نهج دائم ومستمر أفضى إلى هذا التأزم المخيم على واقع كل من الثقافة والمثقف, فإن ما تختزنه الذات الثقافية ٌيفرز كحالة اجتماعية ومن ثم سياسية وهذا هو المنطق الموضوعي العقلاني للتاريخ, ومنه فإن الأشكال التي تؤطر العلاقات القائمة ما بين النخب هنا، هي بمثابة انعكاس لذاك المخزون وتعبير صريح عنه, وليس الحديث هنا حصري عن طبيعة العلاقة والتعامل ما بين السلطة والمعارضة والمثقفين, وحالة الإفراز الجدلي فيما بينهم فحسب، بل على طبيعة العلاقة القائمة بين أطياف المعارضة أنفسهم, والمثقفون أنفسهم والسلطة ذاتها, فغياب المفاهيم سابقة الذكر هي حالة عامة بل هي سمة أولية لهذه الحالة وعليه فإن السلطة السياسية من هذا الزاوية تقاوم ثقافة الاختلاف, وإن المعنيين بهذا المفهوم وكافة المفاهيم الحداثية الأخرى من مثقفين ومعارضين يعملون وبشكل مواز للسلطة على تشويه تلك ثقافته وهم يزيدون من الهوة القائمة ما بين المفهوم في شكله النظري وبين تأصيله واقعياً, إذ أن المخزون الذاتي لكل منهم قائم على ثقافة اللون الواحد والرأي الواحد ونبذ الاختلاف.