لقد إستطاع عاطف الطيب في فيلم (كتيبة الإعدام) أن يجذب إهتمام المتفرج العادي والناقد المهتم على السواء ، وذلك عندما نجح في الجمع بين أسماء فنية لامعة كل في مجاله ، رغبة منه في ترغيب المتفرج في مشاهدة فيلمه . فهناك نجوم شباك ، أمثال نور الشريف ، والذي إرتبط إسمه بالعديد من الأفلام الهامة . والفنانة معالي زايد التي قدمت العديد من الأدوار الناجحة . وهناك أيضاً مدير التصوير سعيد شيمي ، والذي يعتبر من بين أهم مديري التصوير في مصر . هذا إضافة الى كاتب السيناريو الكبير أسامة أنور عكاشة ، في أول تجاربه السينمائية ، وهو المعروف في مجال كتابة السيناريو للمسلسلات التليفزيونية الجيدة والمتميزة ، مثل الحب وأشياء أخرى ، وقال البحر ، رحلة أبو العلا البشري ، عصفور النار ، وآخرها ليالي الحلمية في أجزائه الخمسة . ومن الطبيعي أن تكون أولى تجاربه في السينما مثار إهتمام الجميع . وبالتالي كانت التوقعات ، تستبشر خيراً في توجه مثل هذا الكاتب الى السينما ، وتعتبر هذا بمثابة إضافة هامة للسينما المصرية .. هذه السينما التي تفتقر لكتاب السيناريو كماً ونوعاً . إلا أن الفيلم جاء مخيباً لكل التوقعات ، من ناحية التأليف والإخراج . حيث لم تكن هناك أية إضافة أو تجديد ، وإنما كان هناك تنويع على موضوعات قديمة سبق تناولها في أفلام مصرية كثيرة . هذا إضافة الى أن الفيلم جاء تقليدياً ويجاري الأسلوب السائد للسينما المصرية التجارية ، والتي تبحث عن الجمهور العريض ، وتعتمد على العنف والإثارة في جذب مثل هذا الجمهور .
لقد إعتمد فيلم (كتيبة الإعدام) على حكاية تقليدية قديمة جداً ، أشبعتها السينما المصرية تناولاً ، ألا وهي حكاية القتل والإنتقام . حيث نشاهد في مقدمة الفيلم ، مصرع رجل وإبنه ، لنشاهد ، بعد عشرين عاماً ، إبنة القتيل تخطط للإنتقام وأخذ الثأر من المحكوم عليه ظلماً بقتلهما .
هكذا ، ببساطة ، يمكن إيجاز حكاية الفيلم . لكن لأن صناع الفيلم أرادوا أن يكون للفيلم بعداً سياسياً ، فقد صنعوا من هذه الحكاية ـ بعد إضافة بعض الحيثيات والإسقاطات المعاصرة ـ قضية شرف ودفاع عن الوطن . فمن خلال الحوار ، في مقدمة الفيلم ، نعرف بأن القتيلين (الرجل وإبنه) من رجال المقاومة الشعبية أثناء حرب أكتوبر 73 . وإن الذي قتلهما هو موظف البنك المكلف بتوصيل مايقارب المليون جنيه ، هي مرتبات الجيش الثالث . وإنه قام بقتلهما حتى يتسنى له سرقة هذا المبلغ ، لذلك يتم القبض عليه وإيداعه السجن . إلا أن أحداث الفيلم توصلنا الى نتيجة أخرى ، وهي أن هذا الموظف بريء من القتل والسرقة ، وإن القاتل هو العدو الإسرائيلي ، الذي إستعان برجل خائن من الغجر مقابل ذلك المبلغ الكبير . وبالتالي يصبح هذا الغجري من كبار رجال الأعمال ، بعد أن أصبح صاحب أول سوبرماركت في مصر بعد الحرب .
وبعد أن تتوضح كل هذه الحقائق ، يقرر الموظف وصاحبة الثأر بالتعاون مع إثنين من ضباط الشرطة ، والمتضررين بشكل مباشر وشخصي من هذا الإنفتاحي ، الإنتقام منه وقتله . وفعلاً يقتلونه داخل السوبرماركت ، وهم على قناعة تامة بأنهم قد قتلوا خائن الشعب والوطن . وبالتالي يقدمهم الفيلم في المحاكمة العلنية ، بإعتبارهم من الأبطال الوطنيين .
هكذا أراد الفيلم بأن يقول ، بأن مرحلة الإنفتاح الإقتصادي هي خيانة لحرب أكتوبر ، أي بما معناه .. إن من سرق مرتبات الجيش الثالث ، هو من صنع السوبرماركت كرمز للإنفتاح . وبغض النظر ، إن كنا نختلف مع هذا التصور أو نعتقد به ، فقد أخفق الفيلم تماماً في التعبير عن هذا درامياً ، بل إنه لم يقنعنا ولم يقدم أية مبررات منطقية لتصوره هذا . فهو لم يستطع أن يقنعنا بأن دكتورة في برمجة الكومبيوتر تلهث وراء ثأر مضى عليه سنوات طويلة .. ولم يستطع أن يقنعنا ـ أيضاً ـ بكيفية تمكن الخائن من خداع الشرطة والجيش وكل أجهزة الدولة ، على هذا النحو ، طوال هذه السنوات .. كما أنه لم يستطع أن يقنعنا بأن الأبطال الأربعة ، قد أرادوا بقتل الخائن الثأر للوطن وليس للفرد . هذا إضافة الى تلك النهاية العنيفة والساذجة ، التي تذكرنا بالأفلام البوليسية الأمريكية .
لقد إعتمد الفيلم على حقائق ووقائع تاريخية عن حرب أكتوبر ، وعن حصار السويس ، ووجود الجيش الثالث في سيناء . وجميعها وقائع تاريخية ، أراد بها المؤلف إقناع المتفرج ، بإعتبارها حقيقية . لكنه ـ في المقابل ـ قد نسج حكاية خيالية لإدانة الطبقة الطفيلية التي إنتشرت في فترة الإنفتاح الإقتصادي . فالفيلم يتغافل ، في رسمه لشخصياته ، شخصية الإنفتاحي الطفيلي ، ويكتفي بإظهاره ساذجاً وفقيراً في بدايتة ، وثرياً وخائناً في نهايته. هذا إضافة الى أن تلك الوقائع التاريخية التي إعتمد عليها المؤلف ، إختلطت بفكرة مختلقة وغير منطقية تماماً . فالجيش الثالث ، أو أي جيش في العالم ، لا يحتاج أفراده الى مرتباتهم ولا يحصلون عليها في أرض المعركة . إن هذه الفكرة ـ كما هو واضح ـ هي أساس الفيلم كله ، وكل ردود أفعال شخصياته مبنية على هذه الفكرة . فكيف لنا أن نثق في فيلم ، تكون فيه الفكرة الرئيسية ، فكرة مختلقة ومنافية للمنطق .. إنه حقاً إستخفاف يعقلية المتفرج الذي وثق بصناع هذا الفيلم .