الاهداءات | |
| |||||||
| حركات المـواضيـع الـعـــامــــة مواضيع عامه ، مواضيع ساخنه ، آراء مختلفة ، مقالات عامه كلمات قيمه |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | طريقة عرض الموضوع |
| | #2 (permalink) |
| ب-تضايق الدولة واضمحلالها: بيد أن اتساع الدولة يظل في الأعم الأغلب تابعاً لدور البداوة؛ في حين أن بدء توقف هذا الاتساع، ثم تضايقه فيما بعد، يرجع دور الحضارة، حينما يبالغ الناس في انغماسهم في الترف والنعيم. وابن خلدون يشرح ذلك قائلاً: "وهذا كله حينما تكون الدولة في شعار البداوة وخشونة البأس. فإذا استفحل العز والغلب، وتوافرت النعم والأرزاق بدور الجبايات، وزخر بحر الترف والحضارة، ونشأت الأجيال على اعتياد ذلك لطفت أخلاق الحامية، ورقت حواشيهم، وعاد من ذلك إلى نفوسهم هيئات الجبن والكسل، بما يعانونه من خنث الحضارة المؤدي إلى الانسلاخ من شعار البأس والرجولية، بمفارقة البداوة وخشونتها، وبأخذهم العز بالتطاول إلى الرياسة والتنازع عليها (33)". وهذا الانتقال طبيعي بالنسبة إلى الدول؛ وطور الحضارة تابع بالضرورة لدور البداوة، جراء تبعية الرفه للملك. ويصف ابن خلدون الآلية التي يتبعها هذا الانتقال، فيقول: "إن هذه الأطوار طبيعية للدول. فإن الغلب الذي يكون به الملك، إنما هو بالعصبية وما يتبعها من شدة البأس وتعود الافتراس، ولا يكون ذلك غالباً إلا مع البداوة؛ فطور الدولة من أولها بداوة. ثم إذا حصل الملك، تبعه الترف واتساع الأحوال، والحضارة إنما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه؛ من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله؛ فلكل واحد فيها صنائع في استجادته والتأنق فيه، تختص به، ويتلو بعضها بعضاً؛ وتتكثر باختلاف ما تنزع إليه النفوس من الشهوات والملاذ والتنعم بأحوال الترف؛ وما تتلون به من العوائد؛ فصار طور الحضارة في الملك يبتع طور البداوة ضرورة، لضرورة تبعية الرفه للملك (34)". أما سبب هذا التحول، فيرجع إلى محاولة أهل الدولة الجديدة تقليد أهل الدولة السابقة في الترف والبذخ (35). بيد أن ذلك لا يلبث أن يبذر بينهم بذور الشقاق، ويؤدي إلى تقاتلهم، وذهاب أكابرهم ورؤسائهم، مما من شأنه أن يضعف الحامية. يقول ابن خلدون في ذلك: "فيفضي إلى قتل بعضهم بعضهم، ويكبحهم السلطان عن ذلك بما يؤدي إلى قتل أكابرهم وإهلاك رؤسائهم؛ فتفقد الأمراء والكبراء، ويكثر التابع، والمرؤوس، فيفل ذلك من حد الدولة، ويكسر شوكتها؛ ويقع الخلل الأول في الدولة، وهو الذي من جهة الجند والحامية (36)". لكن الشر لا يأتي من هذه الجهة وحدها، بل تشارك فيه زيادة النفقات على الموارد؛ فتقع الدولة في العجز، يشرح ابن خلدون ذلك قائلاً: "ويساوق ذلك السرف في النفقات، بما يعتريهم من أبهة العز، وتجاوز الحد بالبذخ، بالمناغاة في المطاعم والملابس، وتشييد القصور، واستجادة السلاح، وارتباط الخيول؛ فيقصر دخل الدولة حينئذ عن خرجها، ويطرق الخلل الثاني في الدولة، وهو الذي من جهة المال والجباية (37)". وفي هذه الحال، لا بد لهم من أن يستنفدوا قواهم في ذلك؛ فيطمع فيهم أعداؤهم، ويتطلعون إلى انتزاع ملكهم، والاستيلاء على دولتهم. يقول ابن خلدون: "وربما تنافس رؤساؤهم فتنازعوا، وعجزوا عن مغالبة المجاورين والمنازعين ومدافعتهم. وربما اعتز أهل الثغور والأطراف بما يحسونه من ضعف صاحب الدولة وراءهم؛ فيصيرون إلى الاستقلال والاستيلاء بما في أيديهم من العمالات؛ ويعجز صاحب الدولة عن حملهم على الجادة؛ فيضيق نطاق الدولة عما كانت انتهت إليه من أولها، وترجع العناية في تدبيرها بنطاق دونه (38)". وهذا يعني، أن الدولة تبدأ بفقدان بعض أجزائها. ولكن هذا الفقدان لا يكون جزافاً؛ بل يتبع سيراً معيناً؛ إذ إن التناقص يبدأ من جهة الأطراف؛ فيظل المركز محفوظاً (39). ولا تكاد الدولة تفقد بعض ثغورها ونواحيها، حتى تتقلص رقعتها، وتصبح لها ثغور ونواح جديدة في نطاق أضيق من النطاق الأول. وعندئذ تتعرض هذه الثغور والنواحي الجديدة لما تعرضت له الثغور والنواحي القديمة من قبل؛ وتقل أموال الجباية مرة أخرى (40). وتظل تتناقص على هذا النحو، إلى أن تغلب على مركزها. وعندئذ تكون نهايتها؛ لأن المركز كالقلب الذي تنبعث منه الروح. فإذا غلب القلب وملك، انهزم جميع الأطراف (41). (1)عمر الدولة وأجيالها: رأينا كيف تتسع الدولة ثم تضيق في المكان؛ ونريد أن ننظر الآن إلى العمر الذي تقتضيه، والأجيال التي تتعاقب عليها في الزمان. فكما أن للدولة اتساعاً محدوداً يبلغه نطاقها، كذلك لها عمر معين يمتد إليه أجلها. 1-عمر الدولة: يرى ابن خلدون أن عمر الدولة مرتبط أيضاً بعدد الحامية التي تناصر الدولة بالعصبية؛ لأن العصبية القوية تبقى مدة أطول على الدهر. يقول شارحاً ذلك: "على أن هذه النسبة في أعداد المتغلبين، لأول الملك يكون اتساع الدولة وقوتها. وأما طول أمدها أيضاً، فعلى تلك النسبة؛ لأن عمر الحادث من قوة مزاجه؛ ومزاج الدولة إنما هو بالعصبية، فإذا كانت العصبية قوية، كان المزاج تابعاً لها، وكان أمد العمر طويلاً. والعصبية إنما هي بكثرة العدد ووفوره (42)". ولكن، كيف يحدث ذلك؟ إن ابن خلدون يلجأ هنا أيضاً إلى نظريته في أطراف الدولة: فيعلل بها طول أمدها: فالدولة مترامية الأطراف تحتاج إلى آماد نقص كثيرة، قبل أن تفقد سائر ممالكها وتضمحل؛ في حين أن الدولة ضيقة الاتساع تحتاج إلى آماد نقص أقل، فتضمحل في زمن أقصر؛ فعلى نسبة الاتساع يكون أمد البقاء بالنسبة إلى الدول. وهو يعلل ذلك قائلاً: "والسبب الصحيح في ذلك، أن النقص إنما يبدو في الدولة من الأطراف. فإذا كانت ممالكها كثيرة، كانت أطرافها بعيدة عن مركزها وكثيرة؛ وكل نقص يقع فلا بد له من زمن؛ فتكثر أزمان النقص لكثرة الممالك، واختصاص كل واحد منها بنقص وزمان؛ فيكون أمدها طويلاً" (43). كذلك فإن الانغماس في الترف والنعيم، سبب من أسباب تقصير عمر الدولة؛ إذ إن الناس يزدادون حرصاً على الحياة، ويحسبون كل عطاء من السلطان نتيجة لمعونتهم له. ويبدو هذا واضحاً في الجيل الثاني أكثر منه في الجيل الأول، وفي الجيل الثالث أكثر منه في الجيل الثاني؛ وهكذا... (44). وليس الانغماس في الترف والنعيم سبباً في تقصير عمر الدولة من هذا الوجه فحسب؛ بل إنه سبب في تقصير عمرها من وجه آخر؛ وهو ما يثيره في النفوس من طمع بعضها، يقول ابن خلدون في وصف ذلك: "الوجه الثاني أن طبيعة الملك تقتضي الترف... فتكثر عوائدهم، وتزيد نفقاتهم على أعطياتهم، ولا يفي دخلهم بخرجهم: فالفقير منهم يهلك، والمترف يستغرق عطاءه بترفه. ثم يزداد لذلك في أجيالهم المتأخرة، إلى أن يقصر العطاء كله عن الترف وعوائده؛ وتمسهم الحاجة، وتطالبهم ملوكهم بحصر نفقاتهم في الغزو والحرب؛ فلا يجدون وليجة عنها؛ فيوقعون بهم العقوبات؛ وينتزعون ما في أيدي الكثير منهم، يستأثرون به عليهم، أو يؤثرون به أبناءهم وصنائع دولتهم؛ فيضعفونهم لذلك عن إقامة أحوالهم، ويضعف صاحب الدولة بضعفهم. وأيضاً، إذا كثر الترف في الدولة ، وصار عطاؤهم مقصراً عن حاجاتهم ونفقاتهم، احتاج صاحب الدولة الذي هو السلطان إلى الزيادة في أعطياتهم، حتى يسد خللهم، ويزيح عنهم. والجباية مقدار معلوم، لا تزيد ولا تنقص؛ إن زادت بما يستحدث من المكوس، فيصير مقدارها بعد الزيادة محدوداً (45)". وعندئذ تضعف الحماية، وتسقط قوة الدولة، وتشرف على الهرم، ويتجاسر عليها جيرانها من الدول، أو من تحت يدها من العصائب والقبائل؛ فيحل بها الفناء، وتكون نهايتها (46). وإذا بلغت الدولة هذا المبلغ، فليس لها من علاج لإطالة أمد حياتها، إلا أن تستعين بأنصار من الأمم الأخرى، التي ما تزال معتادة شظف العيش وخشونة الحياة؛ فيكون ذلك دواء للدولة من الهرم الذي عساه أن يطرقها (47)، ولكن هؤلاء قد يكونون سبباً في زوال الدولة، واغتصاب الملك، يقول ابن خلدون: "إذا استقر الملك في نصاب معين، ومنبت واحد من القبيل القائمين بالدولة، وانفردوا به، ودفعوا سائر القبيل عنه، وتداوله بنوهم واحداً بعد واحد، بحسب الترشيح، فربما حدث التغلب على المنصب من وزرائهم وحاشيتهم، وسببه في الأكثر ولاية صبي صغير مضعف من أصل المنبت، يترشح للولاية بعهد أبيه، أو بترشيح ذويه وطوله؛ ويؤنس منه العجز عن القيام بالملك؛ فيقوم به كافله من وزراء أبيه وحاشيته ومواليه وقبيله، ويورَّى عنه بحفظ أمره عليه، حتى يؤنس منه الاستبداد؛ ويجعل ذلك ذريعة للملك؛ فيحجب الصبي عن الناس، ويعوده اللذات التي يدعوه إليها ترف أحواله، ويسيمه في مراعيها متى أمكنه، وينسيه النظر في الأمور السلطانية، حتى يستبد عليه. وهو بما عوده يعتقد أن حظ السلطان من الملك إنما هو جلوس السرير، وإعطاء الصفقة، وخطاب التهويل، والقعود مع النساء خلف الحجاب، وأن الحل والربط، والأمر والنهي، ومباشرة الأحوال الملوكية، وتفقدها من النظر في الجيش والمال والثغور، إنما هو للوزير. ويسلم له في ذلك، إلى أن تستحكم له صبغة الرياسة والاستبداد؛ ويتحول الملك إليه، ويؤثر به عشيرته، وأبناءه من بعده (48). 2- أجيال الدولة: وإذا كان هذا عمر الدولة، وهو محدود بنهاية لا بد منها، فإنه موزع أيضاً على أربعة أجيال، يمثل الرابع بينها فترة انقراضها. أما الأجيال الثلاثة الأول فهي عمرها الحقيقي، الذي يكون لها فيه الغلب والقهر. ولكن، ماذا يعني ابن خلدون بالجيل؟ وكم يمتد إذا شئنا أن نقيسه بالسنين؟ بل بمعنى آخر، كم يمتد عمر الدولة نفسه على حساب الزمن؟ يجيب ابن خلدون عن ذلك قائلاً: "إلا أن الدولة –في الغالب –لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال؛ والجيل هو عمر شخص واحد من العمر الوسط؛ فيكون هو أربعين الذي هو انتهاء النمو والنشوء إلى غايته (49)". وهذا يعني، أن ابن خلدون يجعل عمر الجيل أربعين سنة؛ وهو إذ يقدره هذا التقدير، يجعل عمر الدولة مئة وعشرين سنة؛ وهو دور العزة والمنعة الذي تنتقل منه إلى الجيل الرابع الذي هو الهرم والاضمحلال. وقد قسم ابن خلدون عمر الدولة إلى ثلاثة أجيال، لا لمجرد توارث الملك في الآباء إلى الأبناء على الأحفاد؛ بل لأن كل جيل يختلف في أخلاقه وطرائق عيشه عن الجيل السابق عليه. وهذا الاختلاف يمثل تطور الدولة من القوة إلى الضعف، ومن قسوة البداوة إلى لين الحضارة. لهذا كانت لكل جيل سمات معينة تميزه من الجيل السابق عليه من ناحية، ومن الجيل اللاحق به، من ناحية أخرى. أما الجيل الأول فهو جيل البداوة والخشونة؛ يصفه ابن خلدون فيقول: "لأن الجيل الأول لم يزالوا على خلق البداوة وخشونتها وتوحشها، من شظف العيش والبسالة والافتراس والاشتراك في المجد؛ فلا تزال بذلك سورة العصبية محفوظة فيهم: فحدهم مرهف، وجانبهم مرهوب، والناس لهم مغلوبون (50)". وأما الجيل الثاني فهو جيل الانتقال من البداوة إلى الحضارة؛ ومن شظف العيش إلى رخائه ونعيمه. ويصفه ابن خلدون فيقول: "والجيل الثاني تحول حالهم بالملك والرفه من البداوة إلى الحضارة؛ ومن الشظف إلى الترف والخصب؛ ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به، وكسل الباقين عن السعي فيه، ومن عز الاستطالة إلى ذل الاستكانة؛ فتنكس سورة العصبية بعض الشيء؛ وتؤنس منهم المهانة والخضوع. ويبقى لهم الكثير من ذلك، بما أدركوا الجيل الأول، وباشروا أحوالهم، وشاهدوا من اعتزازهم وسعيهم إلى المجدة ومراميهم في المدافعة والحماية؛ فلا يسعهم ترك ذلك بالكلية؛ وإن ذهب منه ما ذهب؛ ويكونون على رجاء من مراجعة الأحوال التي كانت للجيل الأول، أو على ظن من وجودها فيهم" (51). وإذا كان الجيل الثاني يمثل دور الانتقال من البداوة إلى الحضارة، فإن الجيل الثالث هو جيل الحضارة والترف المبالغ فيه. يصفه ابن خلدون قائلاً: "وأما الجيل الثالث فينسون عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن، ويفقدون حلاوة العز والعصبية، بما فيهم من ملكة القهر؛ ويبلغ فيهم الترف غايته، بما تفننوه من النعيم وغضارة عنهم؛ وتسقط العصبية بالجملة، وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة، ويلبسون على الناس في الشارة والزي وركوب الخيل وحسن الثقافة، يموهون بها؛ وهم في الأكثر أجبن من النسوان على ظهورها. فإذ جاء المطالب لهم، لم يقاموا مدافعته (52)". وعندئذ تنتقل الدولة إلى الجيل الرابع؛ وهو جيل الضعف والاضمحلال. بيد أن هذا لا يحدث في الظاهر في الحالات كلها؛ إذ إن الدولة قد تصل إلى هذا الحد من الضعف والانهيار، ولا يكون هناك من مطالب ولا طامع؛ فتبقى قائمة في الظاهر، مع أنها منخورة في الباطن. وهذا يعني، أن عمر الدولة مئة وعشرين سنة؛ فإذا لم يأتِ مطالب بها، امتد إلى أكثر من ذلك، حتى يأتي المطالب. وبهذا الصدد يقول ابن خلدون: "وهذه الأجيال الثلاثة عمرها مئة وعشرون سنة على ما مرّ. ولا تعدو الدول في الغالب هذا العمر بتقريب قبله أو بعده، إلا أن عرض لها عارض آخر من فقدان المطالب؛ فيكون الهرم حاصلاً مستولياً، والطالب لم يحضرها؛ ولو قد جاء الطالب لما وجد مدافعاً (53)". (3) الجباية وتجارة السلطان: رأينا أن أجيال الدولة تنتقل من شظف العيش إلى الترف والرفه، ثم إلى المبالغة في الترف والرفه؛ وأن هذا يستدعي من السلطان زيادة وزائع الجباية. ولكن السلطان ربما لا يكتفي بذلك، بل يعمد إلى منافسة رعاياه في التجارة. وهذا في رأي ابن خلدون من بوادر انتهاء الملك وسقوط الدولة. والحقيقة، أن السلطان ربما لا يقنع بما تدره عليه الجباية من أموال؛ فيسعى إلى التجارة يتخذها –في زعمه –وسيلة لزيادة دخله. ولكن امتهان السلطان التجارة، لا يلبث أن يؤدي إلى الإضرار بالرعايا من جهة، وإلى إفساد الجباية من جهة أخرى؛ بل إن الضرر الذي يلحق بالرعايا جراء ذلك، يكون السبب المؤدي إلى إفساد الجباية في النهاية، إفساداً يؤدي بدوره إلى إفساد العمران والدولة. يقول ابن خلدون شارحاً ذلك: "وأعظم من ذلك الظلم وإفساد العمران والدولة، التسلط على أموال الناس، بشراء ما بين أيديهم بأبخس الأثمان، ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان على وجه الغصب والإكراه في الشراء والبيع (54)". ويتابع كلامه قائلاً: "ويؤول ذلك إلى تلاشي الدولة وفساد عمران المدينة؛ ويتطرق الخلل على التدريج، ولا يشعر به (55)". ويرى ابن خلدون أن الظلم الواقع على أموال الناس يحدث في الأمصار جميعاً. ولكنه يظهر سريعاً في الأمصار الصغيرة قليلة السكان، بما يخلفه وراءه من آثار الخراب؛ ويخفى في الأمصار العظيمة كثيرة السكان، ولا يظهر إلا بعد حين. وبهذا الصدد يقول: "ولا تنظر في ذلك إلى أن الاعتداء قد يوجد بالأمصار العظيمة من الدول التي بها، ولم يقع فيها خراب (56)". ويعلل خفاء آثار الخراب الناتجة عن الظلم في الأمصار العظيمة على النحو التالي: فيقول: "إن ذلك إنما جاء من قبل المناسبة بين الاعتداء وأحوال أهل المصر. فلما كان المصر كبيراً، وعمرانه كثيراً، وأحواله متسعة بما لا ينحصر. كان وقوع النقص فيه بالاعتداء والظلم يسيراً؛ لأن النقص إنما يقع بالتدريج. فإذا خفي بكثرة الأحوال والأعمال في المصر، لم يظهر أثره إلا بعد حين (57)". بيد أن آثار الخراب الناتجة عن تجارة السلطان، في العمران، قد تظل خافية، لحلول دولة جديدة مكان الدولة الظالمة. وبهذا الصدد يقول ابن خلدون: "وقد تذهب الدولة المعتدية من أصلها، قبل خراب المصر، وتجيء الدولة الأخرى، فترفعه بجدتها، وتجبر النقص الذي كان خفياً فيه؛ فلا يكاد يشعر به؛ إلا أن ذلك في القليل النادر (58)". وعلى هذا النحو، يؤدي الظلم إلى انهيار الدول وخراب العمران؛ ويكون هذا الخراب ظاهراً حيناً، وخفياً حيناً آخر. خاتمة: قيمة السياسة عند ابن خلدون وبعد، لا بد لنا من أن نتساءل في نهاية هذا البحث، عن طبيعة العمل الذي قام ابن خلدون به، وعن قيمته. أهو السياسة أم علم الاجتماع السياسي؟ وإذا كان هذا أو ذاك، فأي حد بلغ ابن خلدون منه؟ إننا نعتقد أن المباحث السياسية التي تطرق إليها أقرب إلى علم الاجتماع السياسي، منها إلى السياسة؛ وإن كنا لا ننكر أن هناك إشارات كثيرة مبعثرة هنا وهناك في هذه المباحث، تدخل في علم السياسة حيناً، وفي فن السياسة حيناً آخر. بيد أن مما لا شك فيه، أن هذا وذاك إنما حصلا عرضاً، ولم يكونا مقصودين مباشرة منه. بل إن الحقيقة أعم من ذلك؛ إذ إن ابن خلدون كان ينظر إلى الظواهر المختلفة التي درسها، خلال علم العمران (الاجتماع): فالتاريخ أراد أن يقيمه على أساس الاجتماع؛ وكذلك الاقتصاد؛ وكذلك التربية والتعليم. ولكن هذا لم يأتِ في غاية الإحكام؛ لأن ابن خلدون كان بصدد وضع أسس علم جديد يبدو في أول مرة. ولهذا لم يكن من الممكن له أن يحكم مسائله تمام الإحكام؛ فيظل ضمن حدود العلم. (1)شهادات الدارسين: وهذا يجعلنا نرى أن ما قدمه في المباحث السياسية هو أقرب إلى علم الاجتماع السياسي منه إلى السياسة الخالصة. وإننا إذ نقول ذلك نشاطر عالم الاجتماع الفرنسي غاستون بوتول رأيه؛ إذ يقول: "كان يتوجب علينا أن ننتظر بعد القديس أوغسطين قرابة ألف عام، لكي تظهر مؤلفات رئيسية في علم الاجتماع السياسي، بعد فترات الاضطراب الناشئة عن غزوات البرابرة والعصر الوسيط الأعلى. لقد كتب المؤرخ التونسي ابن خلدون "مقدمته" في الفترة التي كانت فيها الحضارة العربية الزاهرة تتهاوى تحت ضربات التتر والتركمان والبربر والفرق المتعصبة؛ ومؤلفه ذو نزعة تشاؤمية عميقة يتأمل انحطاط المتحضرين، وانتصار البرابرة، دون أن يحتفظ من الحكم إلا بالوظيفة الطفيلية المميزة لنزعة الاستبداد الشرقية التقليدية (59)". وإذا كان علم الاجتماع السياسي هو الموضوع الغالب على المباحث السياسية في "المقدمة"، كان لا بد من أن نتساءل عن المدى الذي بلغه ابن خلدون في هذا العلم. هنا لا بد من أن نلاحظ، أن ابن خلدون لم يبلغ بهذا العلم شأوه الأخير الذي نعرفه عليه اليوم؛ لأنه اقتصر –وما كانت له حيلة في ذلك –على التاريخ القديم وتاريخ المسلمين لعهده. وهذا رأي غاستون بوتول الذي يقول: "ولذا فإن السنن التي عبر عنها، مستنبطة مبدئياً من تاريخ افريقية الشمالية، هذا القسم الذي بدا له وحده حياً في الحقيقة، وهو القسم الذي جاب مسرحه وعرف ممثليه؛ ثم من تاريخ بلاد إسلامية أخرى، منذ الإسلام فقط على العموم. ومن شأن هذا الاعتبار تضييق عمومية تركيب المشروع من قبل هذا الفيلسوف؛ ولكن مع تعيينه مداه في الوقت ذاته. ولذا فإن نتائج المقدمة العامة تكون استقراءات ناشئة عن تأمل الأحوال التاريخية الخاصة بالدول العربية التي أسفر عنها الفتح الإسلامي؛ ولا سيما دول إفريقيا الشمالية (60)". وهذا يعني، أن ابن خلدون رأى موضوع هذا العلم بوضوح؛ لكن من خلال تجربة زمانه، ومن دون أن تبلغ الشمول العلمي اللازم. وهذه نقطة ليست لصالحه، إلا إذا اقتصر علم الاجتماع على الناحية الوصفية؛ وهو في حقيقة أمره ليس كذلك. كان لا بد لابن خلدون من أن يتجاوز المعطيات الحاضرة إلى ما كان وما سيكون في كل زمان ومكان؛ ليتسنى له رؤية العلاقات الاجتماعية في كليتها. وهذا ما لم يقم به على وجهه المطلوب. ولعلنا نجد عذراً له في ذلك، أنه كتب "مقدمته" على عجلة من أمره في غضون خمسة أشهر، وهو متوارٍ في قلعة ابن سلامة. وإننا نحسن صنعاً لو ربطنا هذا بنقطة أخرى كانت لصالحه؛ وهي أنه عرف شروط البحث العلمي، وأقام "مقدمته" على أساس منها. وهذا ما يشهد به الدكتور حامد عبد الله ربيع حين يقول: "فأول ما يجب أن نتذكره، هو أن ابن خلدون، بالطريقة التي تناول بها الظاهرة موضع الدراسة؛ قد خلق طريقاً وضعياً للبحث العلمي (61)". وإذا كان الأمر كذلك، حق لنا أن نطالبه بما طالبناه به. لكن الدكتور محمد عبد المعز نصر يرى أن ابن خلدون جمع في دراسة الدولة بين الطريقتين الوضعية والمعيارية. وهو في هذا يقول: "وعلى هذا النحو، أخذ ابن خلدون يعالج الدولة في واقعها، وفيما ينبغي أن تكون عليه؛ مفصلاً القوانين التي تحكم عملها، راسماً المقاييس التي يحكم بها عليها في الوقت نفسه، ولقد وضع بهذا النظام الفلسفي السياسي الذي عرضه في "المقدمة" حول دراسته للدولة، أسس علم السياسة في اللغة العربية (62)". وإذا توقفنا عند هذه الملاحظة، كان لا بد لنا من أن نرى، أن ابن خلدون لم يحافظ على خطه الوضعي في دراسة العمران البشري؛ وأنه مزج علم الاجتماع السياسي بفن السياسة. ومع ذلك، فإننا نظل نرى إلى أي حد كان ابن خلدون نافذ النظرة، حينما رأى من السياسة وجهيها الوضعي والمعياري؛ وهما الوجهان اللذان أصبحنا ننظر إلى السياسية منهما في وقتنا الحاضر؛ وإن كان مكان فن السياسة غير مكان علم الاجتماع السياسي. ولكن، ما الجوانب الإيجابية التي أتى بها؟ (2) الجوانب الإيجابية في "المقدمة": يمكننا أن نحصر الجوانب الإيجابية التي أتى بها ابن خلدون في "مقدمته" في النقاط الآتية: أولاً- لقد حاول ابن خلدون أن يفسر الظاهرة السياسية بربطها بالاجتماع حيناً، وبالنفس حيناً آخر، وبالطبيعة حيناً ثالثاً، وبالتطور والتاريخ حيناً رابعاً وبالاقتصاد حيناً خامساً، وبالأخلاق حيناً سادسا. وهذه هي المناحي التي تتبعها العلوم السياسية في أيامنا الحاضرة؛ لتفسير ظاهرة السلطة؛ مما يجعلنا نرى إلى أي حد بعيد استطاع ابن خلدون أن يرى الظاهرة السياسية في ارتباطاتها كلها، وفي تعقدها كله. وهذا يفسر لنا لماذا زخرت "المقدمة" بتحليلات اجتماعية ونفسية وتاريخية واقتصادية وأخلاقية في غاية الدقة ونفاذ النظرة. ولكن هذا إذا صح كله بالنسبة إلى علم السياسة وفنها، فهو زائد عن الحاجة بالنسبة إلى علم الاجتماع السياسي الذي يجب أن يرى الأمور من زاويتها الاجتماعية، على وجه التغليب. ثانياً: لقد أدرك ابن خلدون أن الدولة قائمة على أساس من القهر والغلب؛ ولم يكن إدراكه عابراً؛ بل كان راسخاً يكرره في كل مناسبة؛ وكأنه يريد أن يرسخه في ذهن قارئه. وهذا هو محور عمل الدولة في الداخل والخارج، وهو الذي أصبحنا نعبر عنه بكلمتي "السلطة" و "السيادة" في عصرنا الحاضر. ثالثاً- لقد رأى الأساس المتين الذي تقوم عليه الدولة؛ وهو العصبية. ونظريته في العصبية تفسر لنا تفسيراً مرضياً قيام الدولة ورسوخها وزوالها، بالنسبة إلى الأزمنة القديمة، ولا سيما المجتمعات البدوية. لكن هذه النظرة تظل صادقة في العصر الحديث، وفي المجتمعات المتحضرة، إذا استبدلنا بالعصبية القبلية الحزب السياسي. والحقيقة أن علاقة أفراد الحزب السياسي بحزبهم في الدول الحديثة شبيهة بعلاقة أبناء العصبية بصاحب العصبية في الدول القديمة. وما الفرق بينهما إلا في تبلور بعض الأفكار السياسية، كالحرية والعدالة مثلاً؛ وهما فكرتان لم تكونا واضحتين في عصر ابن خلدون تماماً؟ نظراً لطبيعة الحكم في الدول الشرقية؛ ولأن هاتين الفكرتين نتيجة للتطورات السياسية والاجتماعية التي مرت الدول بها، ولا سيما الغربية منها، بعد ذلك. رابعاً- لقد ربط بين السياسة والاقتصاد، كما ربط بين الاقتصاد والاجتماع؛ وهو محق في هذا الربط تماماً. وقد أتت الماركسية بعده بخمسة قرون؛ لتبين ذلك وتثبته. لكنه رأى أن تجارة السلطان مؤدية إلى فساد العمران، واضمحلال الدولة، بما تفرضه من ظلم على الرعايا الذين يقعدون عن العمل والكسب، لذهاب آمالهم في كسبهم، ونتيجة منافسة السلطان لهم فيه. وهذا صحيح إذا افترضنا أن السلطان يقوم به لصالحه وصالح العائلة المالكة أو الحاشية، كما كان يحدث في عصر ابن خلدون والعصور السابقة. لكنه غير صحيح، إذا كان بإشراف دولة عصرية تريد أن توجه اقتصادها في إطار مصلحة المجموع ولخيره. خامساً- لقد كشف ابن خلدون عن قانون اجتماعي وسياسي خطير، صادق في كل زمان ومكان؛ حينما بيَّن أن ظلم السلطان الذي يقع على المصر الذي يحكمه، يتناسب عكساً مع سعة هذا المصر. وقد تحدث عن ذلك، وهو بصدد الحديث عن تجارة السلطان وأثرها في الإضرار بمصالح الرعايا، وقعودهم عن الكسب. وهكذا يمكننا أن نرى في ابن خلدون مؤسساً لعلم الاجتماع السياسي، كما رأينا فيه مؤسساً لعلم الاجتماع العام؛ على الرغم من أن طبيعة عصره وطبيعة المجتمعات التي درسها لم يكونا بلغا المستوى الذي بلغه عصر علماء الاجتماع الغربيين ومجتمعاتهم. وهذا يبين عمق النظرة التي كان يتمتع بها، والتي جعلته ينفذ إلى ما لم ينفذ إليه غيره في عصره وغير عصره. وهذا يجعلنا نصرف النظر عن بعض المآخذ التي أخذناها عليه؛ وإن كان لا يمكن صرف النظر عنها بالنسبة إلى علم الاجتماع بما هو علم. الحواشي: (1)- المقدمة ج 4 ص 1355، نشر الدكتور علي عبد الواحد وافي، لجنة البيان العربي، القاهرة 1962. (2)- المقدمة، ج1، ص 274 –275، لجنة البيان العربي القاهرة 1957. (3) -المقدمة، ج1، ص 275. (4) -المقدمة، ج1، ص 272 –273. (5) -المقدمة، ج1، ص 274. (6) -المقدمة، ج1، ص 274. (7) -المقدمة، ج1، ص 275. (8) -المقدمة، ج1، ص 274 (9) -المقدمة، ج2، ص 424، لجنة البيان العربي، القاهرة 1958. (10) -المقدمة، ج2، ص 422 –423. (11) -المقدمة، ج2، ص 428 –429. (12) -المقدمة، ج2، ص 435. (13) -المقدمة، ج2، ص 436. (14) -المقدمة، ج2، ص 422 –423. (15) -المقدمة، ج2، ص 423. (16) -المقدمة، ج2، ص 829 –830. (17) -المقدمة، ج2، ص 428. (18) -المقدمة، ج2، ص 429. (19) -المقدمة، ج2، ص 429. (20) -المقدمة، ج2، ص 439. (21) -المقدمة، ج2، ص 439. (22) -المقدمة، ج2، ص 439 –440. (23) -المقدمة، ج2، ص 441. (24) -المقدمة، ج2، ص 462. (25) -المقدمة، ج2، ص 462. (26) -المقدمة، ج2، ص 450. (27) -المقدمة، ج2، ص 450. (28) -المقدمة، ج2، ص 472 –473. (29) -المقدمة، ج2، ص 473. (30)- -المقدمة، ج2، ص 474. (31) -المقدمة، ج2، ص 475. (32) -المقدمة، ج2، ص 492. (33) -المقدمة، ج2، ص 698 –699. (34)-المقدمة، ج2، ص 488. (35) -المقدمة، ج2، ص 488. (36) -المقدمة، ج2، ص 699. (37) -المقدمة، ج2، ص 699. (38) -المقدمة، ج2، ص 700. (39) -المقدمة، ج2، ص 473. (40) -المقدمة، ج2، ص 700. (41) -المقدمة، ج2، ص 473. (42) -المقدمة، ج2، ص 475. (43) -المقدمة، ج2، ص 475 –476. (44) -المقدمة، ج2، ص 482. (45) -المقدمة، ج2، ص 482 –483. (46) -المقدمة، ج2، ص 483. (47) -المقدمة، ج2، ص 484. (48) -المقدمة، ج2، ص 510 –511. (49)- -المقدمة، ج2، ص 485. (50) -المقدمة، ج2، ص 486. (51) -المقدمة، ج2، ص 486. (52) -المقدمة، ج2، ص 486 –487. (53) -المقدمة، ج2، ص 487. (54) -المقدمة، ج2، ص 684. (55) -المقدمة، ج2، ص 685. (56) -المقدمة، ج2، ص 681. (57) -المقدمة، ج2، ص 681. (58) -المقدمة، ج2، ص 681. (59)- في كتابه: علم الاجتماع السياسي Sociologie de la Politique ص 14، منشورات الـ P. U. F. باريس 1965. (60)- في كتابه: ابن خلدون، فلسفته الاجتماعية، دار احياء الكتب العربية، القاهرة 1955، ص 30 –31. (61)-راجع مقاله "فقه في السياسة في فلسفة ابن خلدون الاجتماعية" المنشور في أعمال مهرجان ابن خلدون ص 270، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، القاهرة 1962. (62)-راجع مقاله "فلسفة السياسة عند ابن خلدون" في أعمال مهرجان ابن خلدون ص 345. | |
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags - تاق ) |
| الأرض, الاجتماع, السّياسي, ابو, بيصير, خَلدون, صدى, عمل, عند, ـــ |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| طريقة عرض الموضوع | |
| |
![]() الإعلانات النصية | |||