حركة فتح ( دراسة للكوادر ) ...حركة فتح ( دراسة للكوادر )
ديمومة الثورة والعاصفة شعلة الكفاح المسلح
النشأة :
يمثل العام 1957 نشأة حركة فتح التي أتت في الحقيقة من تلاقي الأفكار الثورية لعدد من البؤر التنظيمية المنتشرة منذ عام 1948 ، هذه الأفكار التي مثلت لدى أعضاء هذه البؤر ردا على النكبة وعلى العدوان الثلاثي 1956، وعلى فقدان مصداقية الأحزاب السياسية التي كانت منتشرة في الساحة آنذاك ، وعلى الرغبة في استقلالية العمل
الوطني الفلسطيني خاصة بعد تجميد عمليات الفدائيين من قبل السلطات المصرية عام 1957
العمل المسلح والعمل النقابي :
يشار بقوة إلى دور رابطة الطلبة الفلسطينية في الجامعات المصرية ، وخاصة منذ تسلم ياسر عرفات رئاسة الرابطة ( 1952 – 1956 ) والدور العربي والعالمي الذي لعبته في بعث القضية الفلسطينية وحتى تأسيس الاتحاد عام 1959.
منذ العام 1954 ابتدأ خليل الوزير )أبو جهاد( أحد أبرز مؤسسي حركة (فتح) العمل المسلح ضمن مجموعات فدائية صغيرة ، وفي يوليو 1957 كتب مذكرة لقيادة جماعة الأخوان المسلمين في غزة يحثهم فيها على تأسيس تنظيم خاص يرفع شعار تحرير فلسطين عبر الكفاح المسلح ، ورفضت الجماعة دعوته لتنضم أعداد كبيرة من الكوادر لتنظيم ( فتح ) الناشئ لاحقا أمثال ( سليم الزعنون وصلاح خلف وأسعد الصفطاوي ، وكمال عدوان ومحمد يوسف
النجار وسعيد المزين وغالب الوزير من قطاع غزة ، ومحمد غنيم ومحمد أبو سردانة من الضفة الفلسطينية ) .
الاجتماع التأسيسي :
يشار دوما في أدبيات حركة (فتح) إلى أواخر العام 1957 في الكويت أنه عقد لقاء ضم ستة أشخاص هم : ياسر عرفات وخليل الوزير وعادل عبدالكريم وعبد الله الدنان ويوسف عميرة وتوفيق شديد بحيث اعتبر اللقاء التأسيسي الأول لحركة ( فتح ) رغم انقطاع الأخيرين عن التواصل بعد فترة وجيزة ، وصاغ المؤسسون ما سمي ( هيكل البناء الثوري ) و(بيان حركتنا ) واتفقوا على اسم الحركة للأحرف الأولى للتنظيم مقلوبة من حتوف ثم حتف إلى فتح . وتبع ذلك انضمام أعضاء جدد منذ 1959 كان أبرزهم صلاح خلف وخالد الحسن .
قرار الانطلاقة :
في العام 1963 انتقل ياسر عرفات من الكويت إلى دمشق ليعمل على تطوير التنظيم على خط المواجهة في لبنان وسوريا والأردن وفلسطين ، خاصة في ظل الدعم السوري الواضح آنذاك لحركة فتح . و بعد لقاءات طويلة وحوارات واستعدادات واستقالات نتيجة خلاف بين تيار (فتح) الرافض للانطلاقة المسلحة ممن سموا بالعقلانيين رغبة بتأجيلها لحين الجهوزية ، وبين تيار المجانين الذي مثله ياسر عرفات ، قررت قيادة (فتح) الموسعة بدء الكفاح
المسلح في 31/12/1964 باسم قوات (العاصفة) بالعملية الشهيرة التي تم فيها تفجير شبكة مياه إسرائيلية تحت اسم عملية ( نفق عيلبون ) ، ثم تواصلت عمليات حركة فتح تتصاعد منذ العام 1965 مسببة انزعاجا شديدا لإسرائيل والدول العربية التي لم تجد معظمها مناصا فيما بعد من الاعتراف بها ، وكان البيان السياسي الأول أن صدر في
28/1/1965 موضحا أن المخططات السياسية والعسكرية لحركة فتح لا تتعارض مع المخططات الرسمية الفلسطينية والعربية ، وأكدت الحركة لاحقا على ضرورة التعبئة العسكرية والتوريط الواعي للجماهير العربية .
السلطة الوطنية والمرحلية :
إلا أن الأثر الهام للخروج من الأردن كان تصعيد الحملة العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة وتصاعد الصراع على ( م.ت.ف) في ظل تنامي النفوذ السوري ، كما أنه منذ عام 1973 استطاعت حركة ( فتح ) وبعد عامين من العمليات الخارجية لمنظمة (أيلول الأسود) المحسوبة على فتح استطاعت تعزيز قوتها في المنظمة ، وتعزيز تواجدها المسلح في الجنوب اللبناني وبيروت والمخيمات الفلسطينية ، وبدأت الحركة بتكريس مفاهيم التنظيم ، والمؤسسات المدنية التي انتشرت في مراكز المجتمع الفلسطيني ، جنبا إلى جنب مع قواعد الفدائيين الذين لم تتوقف عملياتهم ضد الكيان الصهيوني .
وفي نفس العام تبنت حركة ( فتح ) بشكل واضح مفهوم (مرحلية النضال) السياسي حيث قبلت مقررات المجلس الوطني الفلسطيني ونقاطه العشر الداعية إلى إقامة السلطة الوطنية على أي شبر يتم تحريره أو استرداده ، إضافة لإمكانية التفاوض مع قوى السلام التقدمية الإسرائيلية لتنشأ حينها ( جبهة الرفض ) مقابل تيار القبول ممثلا بحركة ( فتح ) و
الجبهة الديمقراطية والصاعقة
استراتيجية المرحلة اللبنانية
كانت استراتيجية حركة ( فتح ) السياسية وأثر انخراطها في المسيرة السلمية في الفترة من ( 1973 – 1982 ) - ورغم ما شاب هذه الفترة من تحديات كبيرة تمثلت بعدد من الصراعات الفكرية والسياسية والتنظيمية والعسكرية الداخلية ، ورغم نشوب الحرب الداخلية اللبنانية والتدخل السوري في لبنان – كانت استراتيجية ( فتح ) تتركز على
أدراج مسألة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في جدول الأعمال السياسي ،
و ثانيا : مشاركة ( م.ت.ف) في أي مفاوضات متعلقة بحقوق الفلسطينيين ، لذلك ظهرت شعارات القرار
الفلسطيني المستقل بصوت عال ضد محاولات الهيمنة الإقليمية أو الحل من خلف ظهر الفلسطينيين ، وعليه كانت الموافقة على مقررات قمة فاس عام 1982 اثر الخروج من بيروت أسطورة الصمود .
تكريس القرار الفلسطيني المستقل :
عقدت فتح المجلس الوطني الفلسطيني ال17 في عمان من 22-29/11/1984 بتجاوز محاولات الالتفاف والانشقاق والهيمنة على القرار الفلسطيني المستقل ومقرّة دبلوماسية تعتمد قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالمسألة الفلسطينية التي ألحقت بالاتفاق الأردني الفلسطيني الذي اعترف بالقرار 242 ضمنا ، وكان ثمن القرار المستقل على الأرض ( حرب المخيمات ) عام 1985 – 1986 والموجهة أيضا ضد عودة الوجود الفلسطيني والفتحوي إلى
لبنان ،تلك الحرب التي أودت بحياة بالمئات . ثم محاولة الأردن اثر إلغاء ( فتح ) لاتفاق عمان دعم ما سمى ( الحركة التصحيحية لمحاربة الفساد والانحراف السياسي ) في قيادة (م.ت.ف) بقيادة أبو الزعيم عام 1986 والتي باءت محاولته اليائسة بالفشل الذريع .
مرحلة الانتفاضة ( 1987-1994):
إثر حادث صدم شاحنة إسرائيلية كبيرة عمدا (في 8/12/1987) لسيارتين كانتا تقلان عمالا من مخيم جباليا في قطاع غزة نتج عنه استشهاد أربعة منهم ، أدى لحدوث اضطرابات في مخيم جباليا تحولت لمواجهات عنيفة في كامل قطاع غزة والضفة الغربية ، وعمت الأراضي المحتلة طوال شهر ديسمبر موجة لا سابق لها من التظاهرات الشعبية
والاضطرابات التجارية على نطاق لم يرى نظيره تم مواجهته بسياسة (رابين) القاضية بتكسير العظام ،
وقد مرت الانتفاضة بثلاث مراحل :
المرحلة الأولى : مرحلة المواجهة الجماهيرية الشاملة من إضرابات وتظاهرات عارمة ومنظمة وخرق لحظر التجول ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية .
المرحلة الثانية : مرحلة البناء المؤسساتي ، حيث ركزت مختلف الفصائل وعلى رأسها حركة(فتح ) وحركة (حماس ) وتنظيمات اليسار على بناء الأطر الموازية لأطر الاحتلال مع تواصل فعاليات الانتفاضة المختلفة.
المرحلة الثالثة : مرحلة العمليات المسلحة .والتي لم تؤثر على صورة الانتفاضة باعتبارها مواجهات جماهيرية شاملة.وكان خليل الوزير (أبو جهاد ) العقل المدبر والموجه للانتفاضة التي كانت تصدر بياناتها بالوطن من قبل (القيادة الوطنية الموحدة ) التي كان أبرز فصائلها حركة (فتح) التي أعلنت ومنظمات (م.ت.ف) منذ العام في دورة
المجلس الوطني الفلسطيني بالجزائر عام1988 إعلان قيام دولة فلسطين ، والاعتراف بإسرائيل عبر الاعتراف بالقرار242 ، الذي لحقه الانخراط بالتسوية من خلال مؤتمر مدريد عام 1991 وما أفضت إليه المحادثات السرية بين قيادة المنظمة وحركة (فتح) بإدارة ياسر عرفات ومحمود عباس وأحمد قريع ما عرف باتفاقات أوسلو .
أوسلو 1993 والدخول للوطن
انشطرت الساحة الفلسطينية ما بين مؤيد ومعارض لاتفاقات السلام التي وقعت في أوسلو ثم في واشنطن في 13/9/1993 وذلك بين (م.ت.ف) والحكومة الإسرائيلية ، وكذلك الأمر داخل حركة ( فتح ) حيث اعتبر الرأي السائد ان الحركة دخلت عبر اتفاق أوسلو ضمن الممر الإجباري ، فكان الدخول للوطن منذ 1994 لكوادر ( م.ت.ف) بداية لصنع المصير على الأرض لتقام أول ديمقراطية فلسطينية وانتخابات نيابية ، وانتخاب رئيس للسلطة
الوطنية .
وعلى صعيد الحركة تم تسمية محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة كأقاليم في الحركة ، و جرت انتخابات لمعظم المناطق والأقاليم والتي شارك فيها آلاف الكوادر من ذوي التجارب المختلفة ( تجربة الحركة الأسيرة والأسرى المحررين ، تجربة لجان الشبيبة للعمل الاجتماعي ، تجربة الغربي –جهاز الأرض المحتلة ، تجربة اللجنة الحركية العليا وقبلها اللجان السياسية ، وتجربة التنظيم في الخارج ، وصولا لإعادة تشكيل مكتب التعبئة والتنظيم في العام 2002 ، وذلك في خضم انتفاضة الأقصى والقدس والاستقلال ) .
ورغم ما شاب عمليات الانتخابات من خروج عن النظام الأساسي لحركة ( فتح) ، إلا أن قيادة الحركة اكتشفت ضرورة التعديل والتغيير في النظام بما يتلاءم مع طبيعة الكثافة الحركية وتمازج التجارب واستيعاب الكوادر وضخ روح جديدة وربما فكر جديد .
مؤتمرات حركة ( فتح ):
عقدت حركة ( فتح ) مؤتمرا في الكويت عام 1962 تم فيه رسم أهداف العمل وخططه وثبت فيه الهيكل التنظيمي ووزعت فيه مهمات القيادة ، وعقدت مؤتمرا آخر في دمشق أواخر العام 1963 حيث ركزت على زيادة العضوية ، وعلى تأمين الدعم العربي وغير العربي . ويشار إلى الاجتماعات التي عقدت لإقرار موعد الانطلاقة أواخر 1964 على أنها المؤتمر العام الأول .
ماذا حققت حركة (فتح) ؟:
1- استطاعت حركة (فتح) عبر الكفاح المسلح والنضال بكافة أشكاله أن تؤكد على الشخصية أو الكيانية ( الهوية ) الوطنية الفلسطينية ، وعلى استقلالية القرار الوطني الفلسطيني مقابل السعي العربي الحميم للهيمنة والسيطرة أو الشطب والطمس أو الإلغاء .
2- استطاعت أن تعيد القضية إلى العلن والضوء وبقوة ، نتيجة السعي الحثيث للممازجة بين العمل السياسي والجماهيري ، الوطني والقومي .
3- إنشاء الكيان الفلسطيني في الخارج ممثلا ب ( م.ت.ف) ثم في الوطن ممثلا بالسلطة الوطنية الفلسطينية كمدخل للدولة المستقلة رغم التدمير الذي أحدثه الاحتلال بالتجربة عبر سنوات الانتفاضة الأخيرة .
4- أسهمت الدبلوماسية في تحقيق الاعتراف العالمي بالقضية الفلسطينية ثم ب ( م.ت.ف) ولاحقا بالسلطة الوطنية الفلسطينية والحقوق الوطنية المشروعة .
5- تكريس البناء المؤسسي عبر مختلف مؤسسات الخدمات التي نشأت في حضن ( فتح ) ثم في إطار ( م.ت.ف) وهي الطبية والاجتماعية والتجارية المختلفة
6- فعلّت الحراك الوطني والسعي الديمقراطي من خلال إنشاء ودعم النقابات والاتحادات الشعبية والانتخابات والآلية الديمقراطية .
7- بعثت حراكا واسعا من خلال التنظيم الذي تعاقبت عليه تجارب عدة أغنت الفكر والخطط والمفاهيم ، وأحدثت صراعا كبيرا ومتصلا .
8- اتسمت (فتح) بالمرونة والبراغماتية فاعتمدت الكفاح المسلح حيث يكون ، والعمل السياسي حيث يجب ، وقرأت الخريطة والمسار والعوامل الإقليمية والدولية فسارت في حقول الألغام متجنبة كبرى المطبات و شكلت مساحة واسعة من التعددية تطال المجتمع الفلسطيني كله .