( ماذا بعد التهدئة ..؟!! )
بقلم / الشيخ ياسين بن خالد الأسطل
الرئيس العام ورئيس مجلس الإدارة
المجلس العلمي للدعوة السلفية بفلسطين
مما لاشك فيه أن ما يسمى بالتهدئة بين حماس والفصائل الفلسطينية من جهة وإسرائيل من جهةٍ أخرى لم يحقق كل ما كان يرجوه الفلسطينيون في خطابهم المعلن وغير المعلن على مستوى الفصائل والحكومة وكذلك الشعب ، وعلى وجه الخصوص الطرف الفلسطيني الشريك فيه إن صح التعبير (الشريك) ، والوصف بالشريك غير صحيح من وجوه كثيرة ، ومنها عدم التكافؤ والتماثل لا في الأهداف ولا في الوسائل ولا في السبيل المسلوكة ولا في القوى الداعمة ، فالطرف الإسرائيلي جبار وطاغي بكل معاني الطغيان والعتو والجبروت ، والطرف الفلسطيني ضعيف مهلهل غير متماسك لا يقف على رجليه فوق أرضه الصلبة بل يقفز في الهواء فوق أوحال الأهواء والافتراق والاحتراب الداخلي والاحتزاب السياسي ، والفقر والمرض ..إلخ وربما استطاع البعض أن يصف تلك التهدئة بالفاشلة فلم تجلب أمناً ولا رخاءً اقتصادياً ولا اعترافاً ولا شبه اعتراف لا عربي ولا دولي فضلاً عن الاعتراف الإسرائيلي ، فلم يتحقق لحماس والفصائل الموافقة أو المرافقة لها أي نوع ٍمن الكسب السياسي والدعائي الإعلامي ، وإنما كانت تلك التهدئة مصيدة سياسية أفقدت هذه الفصائل الفلسطينية وحماس على وجه الخصوص كثيراً من رصيدها المحتسب لها والزخمِ المُهَّوَّلِ به في سوق السياسة المحلي والعربي وربما الإسلامي وهذا على المستوى الرسمي وكذلك على المستوى الشعبي الذي يروَّجُ له بدعوى الجهاد والمقاومة ، وهذا ما يؤكده كل أو جل المحللين السياسيين و تقربه الفصائل نفسها ، وقد سبق أن حذرنا من هذا من قبل في مقالٍ بعنوان (الشكوى الإسرائيلية البواعث والأسباب !!) وهو بتاريخ الأربعاء 21/جمادى الآخرة /1429 هـ الموافق 25/6/ 2008 إفرنجية فقلنا يومئذٍ وها نحن نؤكده مجدداً " ... نصيحة لله تعالى ثم لأولي الأمر رئيساً ومرؤوسين وفصائل وباقي الأمة أقولها وبكل صراحة : لا يغرنا ما يسمى بالتهدئة الوقتية التي لا ضمانة لها ، والتي لن يوفي بها عدونا إلا باجتماع كلمتنا ، فيا إخوتنا في حماس لا تعولوا على هذه التهدئة ولا تبنوا عليها الآمال والأعمال , واعلموا أن جانب المسئولية الأعظم يقع عليكم ثم على باقي الفصائل للاستجابة الفورية لا أقول لما يسمى بالحوار الوطني ، بل اللقاء الوطني ، يجب أن يلتقي الجميع رئاسة وحكومة مقالة أو غير مقالة وفصائل وقوى فاعلة أو منفعلة , وشخصيات وطنية بغض النظر عن المسميات والألقاب الفارغة من المعاني ، والتي لا تغني من الحق شيئاً وسوف تزول عنا برضانا أو رغماً عن أنوفنا وسوف يقول فينا التاريخ كلمته المنصفة العادلة والتي لا تحابي أحداً ، ولا ترحم ظالماً ، ولا ترفع عاجزاً ، لذلك يجب أن يكون اللقاء الوطني فوراً وعلى الأرض الفلسطينية المباركة حول بيت المقدس والمسجد الأقصى ، فإن لم يمكن فعلى الأرض العربية -في مصر الكنانة مع الاعتذار لها-، وأن نترك خلف ظهورنا الشعارات المدوية التي تلهب المشاعر فقط ولا يترتب عليها عمل رصين، ولا أثر في الطريق المفضي بنا إلى تحقيق أمانينا وتطلعاتنا ، ويجب أن نتعالى على الجراح والآلام والثارات الفصائلية والحزبية والأغراض الشخصية كما يجب أن يكون اللقاء تحت المظلة الفلسطينية والعربية ، وبرعاية الرئيس محمود عباس شيخ فلسطين سناً وتجربة وسعة صدر وبعد نظر ، وبفعل ٍ قوي ٍ من الجميع مستندين إلى قوله تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ) ، وقوله تعالى : ( وأمرهم شورى بينهم ) وقوله سبحانه : ( وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ) ، لنصل إلى موقف واحد ورأي واحد يرضى عنه الله تعالى ثم الأمة ، ولننهي به الانفصام النكد ، والانقسام الأثيم ) اهـ
هذا ما نادينا به في ذلك الوقت ، وننادي به الآن ، وربما تعاقب الأحداث و توالي هبوب الرياح الضاغطة والمؤثرة بكل أنواع الضغط والتأثير من بعض الجهات البعيدة عن منطقتنا على من عنده الأهلية لا للفعل الذاتي حسب ما تستلزمه السياسة الحكيمة والمتوازنة المساوية لذلك الحدث ، بل للانفعال الذي يدفعه إلى التشنج في الخطاب والموقف السياسي مما ولد لديه أزمة ً عميقة بعيدة الغور ناتجة عن الفهم المغلوط من الطرف المتشنج للمواقف والسياسات والأعمال المعبرة عنها ، ونتيجة لذلك فقد أصبح لا يسمع ولا يرى إلا نفسه ، وقد فقد الثقة فيمن حوله فهو يَرَى أو يُرَى أو هما معاً أنه وحده صاحب القوة والأهلية على العمل السياسي ، وبالتالى هو وحده أيضاً المؤتمن عليه ، وهنا مكمن الداء الوبيل ،والخطر المدلهم المحيط ، فأنتم أيها اللاعبون في ملاعب السياسية ، إنما تلعبون على مقتضيات وقوانين تلك الألعاب ، لا تملكون الخروج منها وعنها ، فعددكم وعدتكم لا تسمح لكم ، وليس لكم من الله من مثل ما كان لمن سبق من هذه الأمة ، إذ أنكم وسائر الأمة معكم نحن جميعاً لسنا مجتمعين بل مختلفين متناحرين فلم تغن عنا جموعنا وفي التنزيل قال جل شأنه : ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ) . وأظن أننا وأنتم اليوم لسنا أكرم عند الله ولا أرضى منهم ، ومع ذلك فقد امتحنهم الله تعالى ، وما نحن عن الامتحان بمعصومين ولا فارين ولا ضامنين للنجاح والنجاة إلا بالتقوى وعلى ما كان عليه السابقون الأولون ، بعيداً عن التبديل والتغيير والتحريفات التي أحدثها أهل البدع والضلالات قديماً وحديثاً ومهما صاح الصائحون من شقشات الألفاظ ولا جعجعات الخطباء فقد قال الله تعالى : ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) ) . ولذلك الواجب الآن وعلى الفور ليس التمسح بدعوى الحوار الوطني غير المشروط كما يقال فقد أصبح ذلك الحوارُ مجردَ وهمٍ ممجوج ٍقائم ٍفي الخيالات تكذبه الوقائع والأحداث اليومية ، ولكن الواجب هو الصدق والشجاعة بمواجهة الأمة بالحقيقة الناصعة وتحمل التبعات المترتبة على الموقف الشجاع والصادق : أن يقوم إخواننا في حماس بالدخول فيما خرجوا منه والرجوع عما وقعوا وأوقعونا نحن فيه شعباً ووطناً وقضية ًوشعوراً حزيناً ، وأن يرتضوا ما ارتضى شعبهم وأمتهم العربية والإسلامية وما لم يطب لهم فبالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة والجدال بالتي هي أحسن ، لا بالانقلابات ولا بالثورات ولا بالهتاف ولا بالزعيق ولا بالصراخ بالفم الملآن ، ولكن بالصبر حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا ، ومهما طال الزمن فالحق عائد إلى أصحابه ما عاد أصحابه إليه ، وأنتم يا إخواننا(الإخوان المسلمون في حماس) من أهل فلسطين جزء من مجموع الأمة وجزء من هذا الشعب شعب فلسطين أصحاب الحق ، فإن انفصلتم خالفتم واختلفتم وأهلكتم من أطاعكم ولن يغني عنكم جمعكم الذي تجمعون من دون الله شيئاً ، ولكن عليكم وعلينا جميعاً أن نلزم هذا الشعب الذي هو من هذه الأمة فهي باقية لن تهلك ما تمسكت بدينها وسنة نبيها صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وماكان عليه السلف الصالحون رضي الله عنهم وتراحمت بينها وكان أمرها شورى، قال تعالى في سورة النحل :
( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) ) . والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .