يستعد الفلسطينيون في الحادي عشر من الشهر الجاري لإحياء الذكرى الرابعة لاستشهاد رئيسهم وزعيمهم الرمز ياسر عرفات (أبو عمار).
رحيل عرفات، خلف فراغاً في الساحة الفلسطينية كان واضحاً بفوز حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في الانتخابات في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) العام 2006 وعدم تمكن حركة «فتح» الى الآن من عقد مؤتمرها السادس الذي يفترض أن يؤسس لمرحلة جديدة.
ويلمس الفلسطيني العادي مدى الفراغ الذي تركه رحيل عرفات, فهو كان يباشر بنفسه هموم المواطنين العاديين ومشاكلهم من خلال تلبية حاجاتهم الأساسية، وعلى رغم وجود معارضين كثر لعرفات وانتقادات لأدائه، سواء من داخل البيت الفتحاوي أو من التوجهات الفلسطينية الأخرى, إلا أن الجميع يدرك الآن حجم التركة الثقيلة التي خلفها لأنه لم يكن زعيماً تقليدياً بل قائداً من طراز خاص, استطاع على رغم الأحداث والظروف التي أحاطت به وبقضية بلاده أن يجمع الخيوط بين يديه وأن يجيد لعبة التوازنات التي تصب في النهاية لمصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته.
أقول ذلك وأعلم جيداً أن (أبو عمار) ارتكب أخطاءً جسيمة، فهو لم يكن منزهاً، لكن، مهما اختلفت الآراء والتوجهات إزاءه لا يمكننا أن ننكر حفاظه على المشروع الوطني الفلسطيني طيلة حياته. فالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ظلت حلماً يراوده ويأبى أن يغادره.
ولننظر الى الصورة الآن: ماذا حل بالوطن وبالقضية؟ أجريت انتخابات تشريعية تكريساً للديموقراطية وفازت حركة «حماس» وخسرت حركة «فتح» بأكثر مما كان متوقعاً لها, ودخل الفلسطينيون جميعاً في مرحلة جديدة عنوانها «أزمة الى أن يشاء الله», وقد تصلح لأن يكون عنوانها «سنوات الأزمة المستحكمة».
يضرب الفلسطينيون البسطاء أمثالاً تعكس حجم ارتباطهم بشخص أبو عمار، ويقولون: «كنا ندعو الله أن يفرجها ويبدو أنها كانت منفرجة في عهد الختيار (اللقب الدارج الذي يحلو للناس أن ينادوه به).
وفي الأزمة الحالية التي تكاد أن تعصف بالقضية الفلسطينية بأسرها لا يمكن أن نغفل أن من أبرز القضايا التي تعامل معها أبو عمار بحنكة وحكمة شديدتين هي التعددية السياسية في الساحة الفلسطينية سواء مع الفصائل المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية والتي عايشته منذ انطلاق حركة «فتح» العام 1965 أو مع حركتي «حماس» و»الجهاد الإسلامي» اللتين انطلقتا في العقدين الأخيرين من تاريخ الثورة الفلسطينية ولا تزالان خارج إطار المنظمة.
لم يدخل عرفات معركة «كسر عظم» مع أي من هذه القوى على رغم جهودها الحثيثة في إفشال الخطوات والتكتيكات التي تبناها في علاقته مع إسرائيل، وفي مقدمها اتفاق أوسلو الذي تمكن بموجبه من دخول الأراضي الفلسطينية العام 1994، فلقد حاور أبو عمار قيادات في «حماس» مراراً في السودان وفي غزة وفي القاهرة، وعلى رغم اعتقال أجهزته الأمنية المتكررة عدداً من زعماء الحركة (حماس) إلا أنه كان يجيد لعبة «الباب الدوّار» والتي كانت مثار انتقادات اسرائيلية وأميركية.
وتبادل عرفات مع مؤسس «حماس» الشيخ أحمد ياسين أدواراً سياسية غير مباشرة على التفاهمات الضمنية والرسائل المشفرة، من خلال فرض الإقامة الجبرية على الأخير من دون أن يواكب ذلك أية عمليات أو خطوات عسكرية من الجناح العسكري لـ «حماس» (كتاب عز الدين القسام) وتعاطي الشيخ ياسين مع هذه القرارات بحكمة.
وعلى رغم الخلاف السياسي في البرامج والرؤى بين «فتح» والفصائل الفلسطينية الأخرى ومع «حماس» في شكل أساسي, إلا أن عرفات لم يسجل على نفسه الدخول في أيّ معركة داخلية، وكان شعاره دائماً الوحدة الداخلية باعتبارها ملاذاً لجميع الفلسطينيين ومخرجهم من الأزمات, وكان يفتخر في خطاباته السياسية قائلاً: «نحن أصحاب ديموقراطية سكر زيادة», وكان يشدد دائماً على حرمة الدم الفلسطيني ويعتبره خطاً أحمر مهما كانت الخلافات.
قال لي أحد المقربين منه إنه سمع عرفات في البدايات يردد «الثورة + واحد وليست ناقص» بمعنى أنه كان دائماً يريد أن يكسب للثورة مناصرين وأعضاء.
لكن، يبدو الآن وكأن الفصيلين معاً (فتح وحماس) باتا بعد عرفات من نوع وطراز جديدين لا يرى الفلسطيني نفسه في أي منهما. واستخدم هنا جملة سمعتها من أحد الغزيين: «نحن نشعر أن فتح وكأنها هبطت علينا بالبراشوت من السماء وحماس خرجت علينا من باطن الأرض».
الآن، بعد سيطرة «حماس» على قطاع غزة منذ أكثر من عام، زاد تطلع الفلسطينيين الى ثرى أبو عمار، وبات المواطنون يتساءلون ماذا لو كان عرفات حياً, هل كان سيدعو الى انتخابات مبكرة من دون أن يرتب البيت الفتحاوي,
وكيف كان سيجد مخرجاً لهذه الأزمة. وهنا يشير المواطنون الى حكمة الرجل في التعاطي مع الأزمات فلو كان حياً لما وصلت الأمور الى الصدام المسلح، ولما جرى ما قامت به «حماس» من حسم عسكري ولما كان قادة الأجهزة الأمنية خارج غزة والمعركة على الأبواب، ولم يكن الرجل ليغادر غزة بل كان سيبقى فيها على رغم كل الظروف، وسيتعاطى مع الواقع الجديد بما يحمي المشروع الوطني الفلسطيني ويضمد الجرح النازف.
ومن جانبي استبعد تماماً أن «حماس» كان يمكن ان تقدم على خطوتها هذه في حياة عرفات, لأنه كان زعيماً ذا حضور يفرضه على الجميع وكان وجوده بين شعبه وقواته وفي مقدم أجهزة أمنية سيشكل قطعاً اختلافاً عن الواقع الذي فرضته «حماس». أبو عمار كان يشكل سداً منيعاً أمام أي جهة يمكن أن تسول لها نفسها القيام بخطوة تهدد أمن البيت الفلسطيني وسلامته ووحدته. لذلك يرى معظم الفلسطينيين أن عرفات كان ضمانة للوحدة السياسية والجغرافية وللحضور الدولي للقضية الفلسطينية الذي تراجع الآن في شكل واضح, وهم يعتقدون أن تغييبه القسري إنما هو جزء من سيناريو ومؤامرة لتقسيم الساحة الفلسطينية وإيجاد ارباكات وتعدد شرعيات سياسية، يفضي في نهاية المطاف الى القضاء على حلم قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.
وعلى رغم أن الرئيس الأميركي جورج بوش أعطى الضوء الأخضر لرئيس الحكومة الإسرائيلية السابق أرييل شارون لإزاحة عرفات عن المسرح السياسي, إلا أن تعثر المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية وعدم إنجازها أي استحقاق سياسي يذكر وإن كان مجرد إعلان مبادئ، يؤكد أن رهانه خسر فلم يجرؤ أي من المسؤولين الفلسطينيين بعد رحيل عرفات على تقديم تنازلات يمكن أن تمس الثوابت الفلسطينية التي كان يتمسك بها أبو عمار وكانت سبباً في فشل مفاوضات كامب ديفيد ومن ثم القرار بمحاصرته.
وفي ظني أنه أثناء محادثات كامب ديفيد وجد البعض فرصة سانحة لإرغام عرفات على توقيع ما لم يكن يريد توقيعه، وهنا أرسى الزعيم الراحل مبادئ ثابتة أصبحت بمثابة مقدسات لا يستطيع أي مفاوض فلسطيني التنصل منها أو خرقها. هذه الثوابت هي الخط الأحمر الذي رسمه أبو عمار وفي مقدمها قضيتا القدس وعودة اللاجئين, فضلاً عن قضية الحدود والمياه والانسحاب الى خط الرابع من حزيران (يونيو) 1967 والإفراج عن الأسرى والمعتقلين.
هذا هو الإرث السياسي الذي خلّفه ياسر عرفات ليكون منارة للمفاوضين الفلسطينيين وحقوقاً مقدسة لا يملك أي مسؤول فلسطيني تجاوزها اليوم أو غداً.