مقابل جلعاد شاليط سقط حتي الآن نحو 1200 شهيد فلسطيني، والعدد مرشح للزيادة بالطبع.. فهل يستحق هذا الجندي الإسرائيلي الأسير لدي حركة حماس كل هذه الدماء الذكية؟!. أما عن الذين اعتقلتهم إسرائيل من وزراء ونواب وعناصر حماس وغير حماس في غزة والضفة فداءً لشاليط فهم بالألوف والعدد أيضاً يتزايد كل يوم.. ومرة أخري نسأل هل يستحق مثل هذا الجندي كل هذا الثمن الفادح الذي يدفعه الفلسطينيون؟!. رأيي أن أسر شاليط كان قراراً حمساوياً خاطئاً منذ البداية. ومع مرور الأيام تأكد هذا الخطأ الكبير بشكل غير قابل لأي جدل فارغ وعقيم. ومع كل يوم تحتفظ فيه حماس بالصيد غير الثمين فإن إسرائيل تواصل استنزاف عناصر وطاقات الحركة وتحكم حصارها علي غزة عقاباً لحماس ولسكان القطاع أيضاً. ربما في البداية ظن البعض أن شاليط صيد ثمين وأن حماس ستبادل به جميع الأسري وزيادة ولكن إسرائيل نجحت فعلاً في جعل شاليط عبئاً علي حماس بل حولته إلي ورطة كبري لا تدري كيف تخرج منها. فقد أصبحت حماس مضطرة للحفاظ علي صحة وحياة هذا الجندي بل وهناءته وسعادته في محبسه السري وإلا لو تعرض لأي مكروه بسيط فإن العقاب الإسرائيلي سيتضاعف. وعندما كانت حماس تسرب أنباء سلبية عن شاليط لجس نبض تل أبيب ومعرفة كيف سيكون رد فعلها فإنها كانت تفاجأ بالتهديد والوعيد الإسرائيلي، وبالتالي كانت حماس تبادر إلي نفي الأنباء السلبية وطمأنة الإسرائيليين إلي أنه بخير وبصحة جيدة. إذا كان حزب الله قد اعتمد سياسة أسر جنود إسرائيليين لمبادلتهم بأسراه فإن هذه السياسة ليست بالضرورة أن تحقق ذات النجاح في الأراضي المحتلة مع حماس أو أي فصيل فلسطيني آخر. وتجربة حزب الله الناجحة يصعب بل يستحيل محاكاتها بنجاح في غزة أو الضفة لأسباب كثيرة، والدليل تلك النتائج الكارثية التي يدفعها الفلسطينيون منذ أسر شاليط حتي اليوم. أبرز تلك الأسباب أن حزب الله قوة عسكرية حقيقية قوية حيث يمتلك أسلحة متطورة قادرة علي مواجهة إسرائيل وإيلامها والرد عليها دفاعاً عن نفسه ومصالحه- كما حدث في صيف 2006- وهذا مما لا يتوفر لأي فصيل فلسطيني مسلح سواء كتائب عز الدين القسام أو شهداء الأقصي أو سرايا القدس أو غيرهم. وحزب الله يعمل بحرية في الأراضي اللبنانية دون معاناة من ملاحقة وضغوط قوات احتلال وحتي لما كانت إسرائيل تحتل الجنوب فإن عناصر الحزب كانت تهاجم وتنفذ عمليات ناجحة ثم ترتد سريعاً إلي المناطق المحررة لتكون في حماية الشعب اللبناني بعكس حماس وغيرها من الفصائل التي تعمل تحت احتلال كامل في الضفة أو هي محاصرة في غزة بالاحتلال من جميع الجهات، الذي يتوغل كلما دعت الحاجة إلي داخل القطاع لتنفيذ عمليات نوعية. وإذا كانت إسرائيل قد فشلت لليوم في التوصل إلي مكان شاليط فإن كلفة هذا الفشل جاءت جسيمة جداً علي الطرف الفلسطيني كما تقول أرقام الشهداء والمعتقلين الضخمة، وهذا ما لا يجب أن يعد انجازاً لحماسقد يقول البعض إنه سواء كان لدي حماس هذا ال شاليط أم لا فإن إسرائيل لا تتوقف عن القتل والاعتقال اليومي.
هذا صحيح ولكن مثل هذا السلوك الفلسطيني غير السياسي يعطي إسرائيل مبرراً وذريعة لفعل ما تريد وخطورة هذا المبرر هي أنها تكتسب به عطف العالم الخارجي كما تكتسب شرعية مزيفة لارتكاب ما تشاء من الجرائم الوحشية. ويكفي أنها نجحت في حشد العالم من ورائها للدفاع عن هذا الجندي والمطالبة بإطلاق سراحه بينما لا يتذكر أحد أكثر من عشرة آلاف أسير فلسطيني في سجونها يواجهون الإذلال والأهوال.
ومثلاً في القمة الرباعية بدمشق ووسط المشاغل الكبري للرئيس الفرنسي ساركوزي فإنه اهتم بحمل رسالة من أسرة شاليط لتسليمها لخالد مشعل. أليس هذا انتهازاً إسرائيلياً ماكراً وذكياً لقصة الجندي الذي تتاجر به منذ خطفه وتتخذه ستاراً لتنفذ مجازرها ضد الشعب الفلسطيني؟. فلماذا نعطيها كل يوم المزيد من الذرائع والمبررات الغبية؟!. المدهش أنه رغم كل هذا النزيف الفلسطيني من الخسائر يأتي خالد مشعل ليطالب بإطلاق سراح ألف مقابل شاليط بينما إسرائيل تصر علي أنهم لن يزيدوا علي 450 وهي التي ستختارهم وغالباً سيكونون ممن انتهت محكومياتهم أو فترات اعتقالهم إدارياً ولن يكون منهم أسماء كبيرة حمساوية أو غير حمساوية. فإسرائيل وليست حماس في الموقف الأقوي رغم أن الحركة لديها الصيد الذي لم يعد ثميناً كما قلنا.
إن ما يقوله مشعل هو نوع من حلاوة الروح ومحاولة لمداراة احمرار الوجه من الخجل حيث ورقة الأسير ليست قوية كما يظن للضغط بها علي تل أبيب للإفراج عن العدد الذي يريده من الأسري وهو يدرك أن حماس في ورطة حقيقية بسبب شاليط لا تدري كيف تخرج منها؟
وكلما طال وجود هذا الجندي في الأسر فإنه يزداد عبئاً علي حماس وتتزايد الضغوط عليها لأجل الإفراج عنه وسقف مطالبها يتراجع. والأمر سيزداد تعقيداً إذا لم يتم إبرام صفقة تكون مرضية للطرفين وجاء اليمين المتطرف بزعامة الليكود إلي السلطة في انتخابات تشريعية مبكرة حيث سيبدأ فصل جديد في المواجهة العنيفة بين الليكوديين والمتحالفين معهم من أحزاب دينية توراتية متشددة وبين الفلسطينيين في غزة خصوصاً والضفة. ولا مانع أن يضحي هؤلاء المتطرفون بالجندي لأجل أن يوفر لهم أسباباً إضافية لارتكاب مجازر جديدة بحجة الانتقام من الإرهابيين الذين احتجزوه طويلاً ثم قتلوه