التسجيل تعليمات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الاهداءات


العودة   منتديات حركات > .:+::][ القسم الـعــــام ][::+:. > حركات فلسطين تاريخ و تراث

حركات فلسطين تاريخ و تراث تراث فلسطين ، تاريخ و تراث فلسطين ، زفات ، عاداتنا و تقاليدنا ، لهجتنا ، تاريخنا


من اجمل ما كتب عن فلسطين

تراث فلسطين ، تاريخ و تراث فلسطين ، زفات ، عاداتنا و تقاليدنا ، لهجتنا ، تاريخنا



من اجمل ما كتب عن فلسطين

حركات فلسطين تاريخ و تراث


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1 (permalink)  
قديم 08-25-2008, 10:45 PM
الصورة الرمزية فادي
 

 









Ham من اجمل ما كتب عن فلسطين

يكتب في جريدة المصري اليوم ملف على شكل حلقات تنشر يوما بعد يوم ابتاء من يوم 16-8 -2008 عن رحلة للصحافيه المصريه امل سرور تحت عنوان مشاهدات عائده من الوطن الجريح --



أمل سرور تكتب مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «١»:الطريق إلي فلسطين



رصاصات لا تتوقف.. مرارة لا تنتهي.. مشاهد عبثية مؤلمة.. لمدافع تخشي نظرات أطفال لا يهابون الموت.. ولا يأبهون بسجون يمارس فيها جنود الاحتلال ضدهم شتي أنواع القتل والاعتقال والتعذيب.. الرحلة إلي الأرض المحتلة مغامرة محفوفة بالألم.. محاطة بالخوف.. والترقب لحظة الوصول إلي أرض الوجع.. والأمل.. والألم، حيث قلوب تناضل.. وأجساد لا تخشي الرصاص.. ومحتل يقتل دون رحمة..
في هذه الرحلة.. ذهبنا إلي زهرة المدائن، القدس.. الأقصي حيث مكاتب التفتيش والمراقبة التي ترصدك في كل مكان.. وحفريات تحت أساسات المسجد تهدد بتدميره في كل لحظة، كما ذهبنا إلي كنيسة القيامة، وهناك يمنع جنود الاحتلال المسيحيين ورجال الدين من دخولها.. كما وضعوا نقاط التفتيش حولها من كل اتجاه.
في هذه الرحلة نكشف كيف يعيش أصحاب الأرض من أبناء الوطن الجريح منعزلين في «جيتوهات» و«كانتونات» وخلف جدار عازل طوله ٧٨٠ كيلومترًا من الكتل الأسمنتية والأسوار الشائكة المكهربة تم بناؤه لحماية المحتلين والمستوطنين.
في هذه الرحلة.. وقفنا وجهًا لوجه أمام قوات الاحتلال في بلدة «نعلين».. وسجلنا كيف يقمع الاحتلال الانتفاضة بالرصاص والجرافات وكيف يتركون الشباب الفلسطيني الذي يتعرض للإصابة ينزف حتي الموت.. وكيف يضربون النساء والشيوخ ويقتلون الأطفال.
باختصار في هذه المرحلة.. مشاهدات من الجرائم التي ترتكب ضد شعب هذا الوطن.. وحوارات مع عدد من رموزه.. وإلي الحلقة الأولي من هذه الرحلة.
ابني.. صاحب العام والشهرين في هذه الدنيا هو السبب الأول والأخير وراء كل كلمة ستقع عيناك عليها عبر السطور المقبلة.. طفلي هو الذي دفعني دفعاً وغصباً للذهاب بقدمي وبكامل إرادتي وقواي العقلية والثقافية والوطنية، وبكل مشاعري الكارهة والحانقة والرافضة والغاضبة والمتألمة إلي ٦ ش ابن مالك بالجيزة!
حق صغيري وهويته وحريته وكيانه واستقلاليته ووجوده وعودته الآتية حتماً يوماً ما إلي أرضه وتراب وطنه المغتصب النازف دماءه، أكبر بكثير من كل الأقاويل التي ربما ستتردد مشيرة إلي بأصابع التطبيع.. نعم.. أعترف وأقر وأصرح وأعلن بصوت عال وجريء وثابت ودون أي محاولة للتهرب والإخفاء.. أقولها وكلي حزن وألم وشجن ومرارة وأسف.. حصلت علي التأشيرة الإسرائيلية من سفارة إسرائيل بالقاهرة، والتي يرفرف علمها عالياً مطلاً علي ضفاف نهر النيل العظيم..!!
لا مفر ولا بديل، وكما يقولون «من أجل الورد ينسقي العليق»، ومن أجل طفلي فقط دخلت الوطن الجريح.. فلسطين.. حكايتي ليست طويلة ولست من هواة الحديث عن أنفسهم كثيراً، خاصة أنني لست من مشاهير الفن والطرب أو الكرة الذين يتابعهم الجمهور لحظة بلحظة ولكن الظروف التي مررت بها وخوضي هذه التجربة الفريدة من نوعها، وهي السفر إلي فلسطين المغتصبة تحتم علي أن أثقل عليك قليلاً، لتسمح لي أن أسرد قصتي التي بدأت بزواجي من الطبيب الفلسطيني «ماجد محمود سليم»، اخترت هذا الرجل ليكون نصفي الآخر..
وهو مثله مثل كل أبناء الشعب الفلسطيني.. ناضل وقاوم، احتجز في السجون الإسرائيلية ولاقي أهوالاً وألواناً من التعذيب، الذي مازالت آثاره محفورة في جميع أنحاء جسده، وبعد الإفراج عنه وضع تحت الإقامة الجبرية لمدة ٤ سنوات، أبعدوه وطردوه بعدها عنوة عن وطنه، ليظل هائماً مغترباً بلا وطن سوي قلبه، ما بين أوروبا وروسيا والولايات المتحدة، وكانت مصر هي محطته الأخيرة، تزوجنا وتكلل الزواج بطفلنا «إسلام»، الذي ولدته في القاهرة بين أحضان نيلنا وحضارتنا ومن حسن حظه أنه حصل علي الجنسية المصرية بعد القانون الجديد، فأصبح مصرياً لأن أمه مصرية.
ولكن لم ننس أنا ووالده لحظة واحدة منذ أن احتضناه بيننا أنه فلسطيني، أصله وفصله وعنوانه هناك علي تلك الأرض الجريحة، من هنا بدأت الحكاية لنحمل معها مسؤولية تسجيل هذا الطفل في السجلات المدنية في دولة فلسطين المغتصبة.. ولكي يسجل هناك ويحصل علي الجنسية والهوية وشهادة الميلاد وجواز السفر الفلسطيني يجب أن يدخل الأرض المحتلة، وهو ما يتطلب دخول أمه ووالده.. الاثنان معاً..
أعترف بأنني فكرت كثيراً وربما ترددت أكثر، فالقرار بالنسبة لي ليس سهلاً علي الإطلاق، بل كان من خامس المستحيلات أن أدخل الأراضي الفلسطينية بتأشيرة العدو المغتصب الذي سيظل عدونا جميعاً.. لكنها المسؤولية التي حملتها علي عاتقي منذ أن كان طفلي يضرب بقدميه الصغيرتين في أحشائي معلناً وجوده، وحتي لا يحاسبني عندما يكبر ويصبح رجلاً فيسألني هذا السؤال.. «ليه يا ماما مخلتينيش آخد جنسية وطني؟ ليه يا ماما أنا مش مواطن فلسطيني زي أبويا»؟!!، ولذلك كان القرار حاسماً لأذهب ويكون ما يكون.. لينصبوا لي المشانق.. وليتهموني بأبشع التهم.. ولكن ستحمل هويتك الفلسطينية يا صغيري.
مشهد (١)
سجل.. أنا عربي
برأس الصفحة الأولي
أنا لا أكره الناس
ولا أسطو علي أحد
ولكني إذا ما جعت
آكل لحم مغتصبي
حذار.. حذار من جوعي
ومن غضبي
لم تفارقني تلك الأبيات للشاعر الفلسطيني الراحل «محمود درويش»، طوال طريقي إلي السفارة «الإسرائيلية» بالقاهرة.. حالة من التجهم والصمت بل والذهول انتابتني، ومشاهد كثيرة لم تفارق مخيلتي.. نكسة ١٩٦٧ وأسرانا الذين دفنوا أحياء ودماء الشهداء ونحيب الأرامل، أطفال مدرسة «بحر البقر» ومذابح «دير ياسين» و«صابرا وشاتيلا» و«قانا» و«الحرم الإبراهيمي»، مرور ٦٠ عاماً علي النكبة واحتلال الأراضي الفلسطينية، يومها ارتدي طفلي «تي شيرت» كنت طبعت عليه العلم الفلسطيني وكتب عليه «عائدون».
أفقت من ذهولي وأنا أقف أمام كوبري الجامعة.. أرفع رأسي عالياً لأنكسه علي الفور عندما اصطدم بـ «نجمة داود» المطبوعة وسط العلم «الإسرائيلي» المرفرف!.. وقفت ما يقرب من ربع ساعة.. تائهة وحائرة.. مترددة، كما يقولون «أقدم خطوة وأؤخر عشر».. ودخلت بعد أن سجلت اسمي عند مكتب أمن الدولة المصري في مدخل العمارة!!، وصلت إلي الدور السادس عشر، فالمصعد لا يصعد إلي الدور السابع عشر حيث تقع السفارة! «سفارة دولة إسرائيل بالقاهرة» لافتة تصطدم عيناك بها عندما تصعد بقدميك إلي الدور الأخير حائط سد وباب مغلق وجرس صغير.. بغضب وحنق ضغطت علي زر الجرس فأتاني صوت يتكلم العربية بضعف..
«ماذا تريد؟»
قلت.. «المسؤولة الإعلامية شانية»..
«انتظر»
دقائق وفتح الباب إلكتروياً.. أدخل فيقابلني رجل أمن مصري يطلب مني أن أضع كل متعلقاتي علي الجهاز الإلكتروني، وأدخل عبر بوابة إلكترونية، ألبي كل ما يطلب مني، وبعد التفتيش الدقيق يطلب مني أن أترك حقيبتي ولا آخذ سوي النقود والأوراق المطلوبة!!
نسيت أن أقول لكم إنني كنت قد طلبت «شانية» المستشارة الإعلامية في السفارة هاتفياً، وقلت لها إنني أريد تأشيرة لزيارة أهل زوجي في مدينة «الظاهرية» التابعة لمحافظة «الخليل» وأنني سوف أقوم أيضاً بعمل ملفات صحفية مصورة، فكانت إجابتها كالتالي: «إنني سأقدم لك كل التسهيلات التي لم أقدمها لأي شخص آخر، فأنت من الصحافة المصرية وهذا ما يهمنا».. والحق أنني لم أعلق نهائياً، فقط اكتفيت بأخذ موعد للذهاب إليها..!!
بعد انتهاء إجراءات التفتيش.. فوجئت بأن علي أن أصعد أدراج سلم آخر لأواجه حائطاً سداً وجرساً علي اليمين قبل أن أضغط عليه فتح الباب، فشاشات المراقبة في كل الأنحاء حولي كفيلة بأن يعرفوا من خلالها أنني لا أحمل سلاحاً.. إذن أنا الآن في السفارة، عرفت ذلك ما إن وقعت عيناي علي صورة كبيرة للرئيس «السادات» مصافحاً فيها «بيجن»، وكتب تحتها بالعبرية والعربية «معاهدة كامب ديفيد للسلام»، وأمام الصورة لافتة تحمل «ممنوع الدخول بالأسلحة البيضاء».
ردهة طويلة مشيت فيها وما إن وصلت إلي الباب المغلق حتي فتح إلكترونياً، دخلت لأجد مجموعة من النوافذ يقف وراءها الموظفون الإسرائيليون، أفصح لك أنني حاولت أن أكتم دموعي التي كانت علي وشك الانهمار ونجحت.. كتمت غيظي واستفزازي وسألت الموظفة عن «شانية» فأجابتني أن لديها اجتماعاً ولكني في انتظارك.
قدمت لها كل الأوراق المطلوبة من جواز السفر وقسيمة الزواج وشهادة ميلاد ابني إسلام.. ومبلغ ١٠٠ جنيه، سألتني.. «أين تريد الذهاب في إسرائيل؟!» أجبتها تلقائياً وبدون تفكير «كل فلسطين»، امتعض وجهها - هكذا أحسست - وأخذت كل الأوراق وطلبت مني أن أعاود الحضور بعد ١٥ يوماً للحصول علي تأشيرة الدخول لأنهم سيرفعون الأمر لوزارة الداخلية الإسرائيلية في تل أبيب.
غادرت السفارة وتركت جواز سفري عندهم، غادرتها وأنا في حالة يرثي لها.. حالة من الحزن والشجن والغيظ والغضب.. ولكن لا محالة سأذهب إليهم مرة أخري ولتكن الأخيرة بعد ١٥ يواماً..!!.
مشهد (٢)
طوال فترة الـ ١٥ يوماً كنت أعد عدتي الصحفية، فإذا كان القدر يجعلني أذهب إلي أرضنا المحتلة، وهي حلم أي صحفي لنقل الأحداث، والحقائق علي أرض الواقع، خاصة أنها البؤرة الساخنة في العالم أجمع، فلن أجعل تلك الفرصة تفوتني، بل سأجعل من زيارتي الإنسانية ملفاً أو مجموعة من الملفات الصحفية المصورة، عما تفعله الأيدي الصهيونية في جميع مدن الضفة الغربية، التي بالتأكيد تخفي أحداثاً وأسراراً لا نعرفها حتي من شاشات الفضائيات التي تركز علي ما يحدث في قطاع غزة فقط.
وسط أحلامي بالإعداد لهذه الرحلة كانت الـ ١٥ يوماً قد مضت، وعلي أن أذهب إلي أبواب السفارة الإسرائيلية مرة أخري.. لم تختلف حالتي كثيراً عن الزيارة الأولي، اللهم إلا معرفتي هذه المرة بحالة التفتيش التي تدل علي خوف الظالم والمعتدي، وقفت عند النافذة لتحدثني فتاة إسرائيلية تدعي «آياه» قائلة: «تأشيرتك وصلت ولكن غير مسموح لك بالدخول إلي الأراضي الفلسطينية أو أراضي السلطة، فقط تدخلين الأراضي الإسرائيلية»، بالطبع تقصد مناطق الخط الأخضر وهي «حيفا ويافا وعكا والناصرة وتل أبيب».
أصابني كلامها في مقتل، وقلت لها بشيء من العصبية.. «عفواً لا أفهم أريد «شانيه» المسؤولة الإعلامية أو أي مسؤول عنا»، غابت قليلاً وإذا بشخص يدعي «خاي»، المسؤول عن التأشيرات قال لي بالحرف إن «وزارة الداخلية الإسرائيلية سمحت لك بالعمل الصحفي داخل إسرائيل فقط ولكن ليس في المناطق التي تشرف عليها السلطة الفلسطينية»!! قلت له «ولكن سبب دخولي هو زيارة أهل زوجي في الظاهرية أي مدينة الخليل، ثم إنكم تفرضون علي كصحفية أن أتكلم مع الإسرائيليين فقط، ولا أسمع أو حتي أري الفلسطينيين هذا ليس من حقكم»!.
كان صوتي بدأ يعلو ومعه ضغط دمي أيضاً ويبدو أنه لاحظ هذا فقال لي مسرعاً مغادراً النافذة الفاصلة بيننا «تلك أوامر الداخلية، وعندما تصلين إلي تل أبيب تستطيعين أخذ تصريح من وزارة الداخلية الإسرائيلية هناك، هم فقط يستطيعون إدخالك وليس أي شخص آخر!، اختفي «خاي» عن أنظاري واستلمت جواز سفري الملوث بتأشيرتهم.
«هم لعبوها صح» هكذا كنت أردد في صمت وأنا سائرة في الشارع كالتائهة، رفضوا دخولي أراضي السلطة لمنعي من تسجيل ابني في السجلات المدنية الفلسطينية، ومن ممارسة عملي الصحفي في مناطق السلطة.. إذ هم نصبوا لي فخاً محكماً..
وعندما اتصلت هاتفياً بعدة جهات في فلسطين جاءتني الإجابة ساخرة ضاحكة مرددة بأنك طالما حصلت علي التأشيرة فيمكنك الدخول في جميع الأراضي، ولكن عندما يحدث هذا وتقومين بنشر عملك الصحفي من داخل مناطق الضفة الغربية ورام الله لن تدخلي فلسطين مرة أخري، لأنهم ببساطة سيضعونك في القائمة السوداء أي الـ «Blak List».. وعلي الفور حزمت أمتعتي وجهزت عدتي الصحفية.. وأخذت ابني علي كتفي ووضعت يدي في يد زوجي واتجهنا جميعاً إلي مطار القاهرة الدولي.
مشهد (٣)
«الأردن» هي بوابة الدخول الوحيدة لنا وللفلسطينيين جميعاً إلي الوطن الجريح.. عبر جسر الملك حسين، أو كما يطلقون عليه «جسر اللنبي»، وصلنا إلي الأردن وأنهينا بعض الإجراءات الخاصة بإضافة طفلي علي جواز سفر والده الأردني والتي استغرقت يومين.. قابلت العديد من أصدقاء زوجي الفلسطينيين المقيمين في الأردن الممنوعين من الدخول إلي أرضهم، لأنهم لا يملكون حق العودة، تحدثوا معي كثيراً عن جمال وعبقرية أرضهم وعن هوائها الذي لن أجد له مثيلاً في العالم، ورائحة ترابها وزيتونها وأعنابها، وعن بيوتهم القديمة وأحيائها ومفاتيح منازلهم التي مازالوا يحتفظون بها في قلوبهم قبل جيوبهم، كلهم أمل ويقين بأنهم عائدون قبل أن أودعهم مغادرة إلي أرضهم المنشودة.
سألت سيدة عمرها من عمر النكبة: «هل تريدين شيئاً بعينه أشتريه لك من فلسطين»؟ فوجئت بدموعها تنسال علي خدها قائلة بحزن وتوسل وصوت مكسور: «شوية تراب من أرض فلسطين» تركتها محدثة نفسها، هو الشئ الوحيد الذي لا يشتري، في حين أنه غالي جداً بل إنه حتي لا يقدر بثمن..
مشهد (٤)
تاكسي من وسط العاصمة «عمان» يحملنا بحقائبنا إلي جسر الملك حسين، قلب يخفق وصوتي يختنق ودموعي تنساب ويداي تحتضنان صغيري بقوة، وجه «ماجد» زوجي اختلف، لم أر في عينيه ذلك اللمعان والبريق منذ أن تزوجنا ولم ترتسم تلك الابتسامة علي وجهه منذ أن عرفته، سألته: «إحساسك إيه وأنت داخل علي فلسطين»؟!، أجابني بسرعة «وطني يا أمل»!!.
كلمته كانت كفيلة بتفسير ما هو غامض ومبهم لي، وصلنا الحدود وأخذنا تأشيرة الخروج من الأردن وفي هذه اللحظة افترقنا! فارق ابني حضني وذهب مع والده في سيارة، أما أنا فقد لحقتهما في سيارة أخري، طمأنني «ماجد» قائلاً: أنت ستعاملين معاملة الأجانب، أما أنا فمواطن وسوف يصحبني «إسلام» لأنه مقيد علي جواز سفري الأردني!
بعد ما يقرب من نصف ساعة وصلنا بوابة الحدود فقط استوقفت السيارة التي كنت فيها نقطة تفتيش إسرائيلية.. من النافذة طلبت المجندة وهي امرأة مدججة بالسلاح الهويات ففتحت جواز سفري علي تأشيرتهم المشؤومة وكذلك كل الراكبين معي ففتحت لنا البوابة ومررنا.
كتل من اللحم البشري واقفة علي البوابات، طوابير لا مثيل لها من الفلسطينيين، تقف تحت الشمس الحارقة من أجل الدخول إلي وطنهم، كم من التفتيشات لم أره في حياتي.. وقفت أبحث عن زوجي وطفلي وجدتهما وقد أخذا مكانهما في الطابور، قررت أن أقف لولا سائق السيارة الذي نبهني أنه ممنوع علي الوقوف مع الفلسطينيين، ومن المفترض أن أدخل من بوابة الأجانب، دخلت بالفعل واستوقفني أول جندي طلب مني جواز السفر، ما أن رآه حتي قال بفرحة لم يستطع أن يخفيها وباللغة العربية.. «مصرية؟!»، قلت له «نعم»، فرد «مرحباً بك في إسرائيل»، لم أرد عليه.. فقط مشيت وراءه لينهي إجراءاتي.
أعترف بأن حالة من الخوف انتابتني خاصة عندما تذكرت أنني أحمل تأشيرة لا تسمح لي بالدخول للأراضي الفلسطينية، ولكنني وبعد أسئلة الإسرائيلية الجالسة إلي النافذة، أين سأذهب وأين سأقيم؟، تلخصت إجابتي في أنني سأزور كل إسرائيل وأولها القدس وأنني سأقيم في فنادق، أعطتني ختم الدخول.
أنهيت إجراءاتي في أقل من ربع الساعة، وانتظرت بالخارج لأكثر من ٣ ساعات حتي ينهي زوجي وابني إجراءاتهما، وعندما قابلتهما سألت «ماجد» عما حدث، فقال لي: إنهم طلبوا منه أن يغير اسم «إسلام» وأن يسميه «سليم» مثلاً، لم يكن أمامه سوي أن يقول إن شاء الله ولكن عندما أدخل!
مشهد (٥)
«أمل.. أنت في فلسطين.. تلك هي أريحا»، هكذا جاءني صوت «ماجد»، وجدتني أتنهد بحرقة وأدندن بأغنية الشيخ إمام التي كتبها الشاعر أحمد فؤاد نجم..
يا فلسطينية والبندقاني رماكوا
يا فلسطينية وأنا بدي أسافر حداكوا
ناري في إيديا وإيديا تنزل معاكوا
علي رأس الحية وتموت شريعة هولاكو
إحساس لا يوصف، صدقني لو قلت إن القلم يعجز عن التعبير عما كنت عليه، حالة من حالات «اللخبطة»، سعادة وحزن، ابتسامة ودمعة، همست في أذن صغيري الذي كان نائماً مستغرقاً بين أحضاني من عناء الرحلة قائلة.. «ياه.. أنت في وطنك.. أنت في فلسطين.. قوم شوف جمالها.. جبالها وخضرتها.. لوزها وزيتونها.. ريحتها حلوة أوي وهواها بجد مختلف».
رفعت رأسي ونظرت من نافذة السيارة لأجد العلم الإسرائيلي، علي كل شجرة.. في كل مكان، في هذه اللحظة انكسرت فرحتي بجد، ما أن تقع عيناك علي نجمة داوود المرفرفة حولك، والتي تلاحقك في كل مكان تسير فيه إلا تشعر بالانكسار، والإذلال والظلم، تحاول أن تبتلع ريقك فلا تجد فيه سوي طعم المرارة!!..
وبعد ما يقرب من ٤ ساعات وصلنا «الظاهرية» عند أهل زوجي، استطاع استقبالهم الحار لنا ولحفيدهم الذي يرونه لأول مرة أن يخرجني من حالتي نوعاً ما، بالمناسبة «إسلام» هو الحفيد رقم «٥٢» لوالد زوجي «حمود سليم» كنت أظن أن الليلة ستمضي هادئة ولكن الساعة ٢ فجراً طلبت مني «فاطمة جراد» حماتي أن أطلع إلي سطح المنزل لأري «اليهود» في الظاهرية.
صعدت السلم مسرعة ليستقبلني أول مشهد حي ٣ عربات جيب عسكرية مصفحة تمشي في شوارع المدينة وقد خرج ما يقرب من ٢٠ شاباً يحملون في أيديهم حجارة يلقون بها علي الجيب، تلقائياً وجدتني آخذ حجراً من ضمن الحجارة الملقاة علي سطح المنزل لألقي به أنا الأخري، جذبتني حماتي لنقع أنا وهي علي الأرض وإذا بضرب الرصاص الحي ينهال ويدوي في الأجواء، ضحكت حماتي قائلة.. «كنت هتموتي في أول يوم.. طيب استني لما تشوفي الضرب اللي بجد»!!
مشهد (٦)
شهر كامل بالتمام والكمال قضيته في تلك الأرض الطاهرة، علي هذا التراب المغتصب دون وجه حق، شهر كامل حصلت فيه أولاً علي ما كنت ذاهبة من أجله، علي جنسية «إسلام» وشهادة ميلاده الفلسطينية، دون أن نغير اسمه كما طلب الإسرائيليون أما الأمر الثاني فأعتقد أنني أيضاً أنجزته..
أن تسمع عن الظلم والذل والمهانة التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني شيء، وأن تراه بعينيك وتلمسه بيديك وتتعرض له شئ آخر.. أن تسمع صوت فيروز مهللاً «إليك يا مدينة الصلاة أصلي»، غير أن تسمع وأنت تسير في شوارع القدس العتيقة.!!، فيها مشيت وبقبة صخرتها وأقصاها وقيامها ومهدها التقطت الأنفاس!!.
رحلة طويلة أصبحت فيها عبر ملفات مقبلة.. أنقل فيها إليك ما رأيته وما سمعته، مسؤولية وأمانة كبيرة حملها لي تراب تلك الأرض المحتلة والمغتصبة.. أعترف أنني أشعر بأن أكتافي تؤلمني من ثقل ما أحمله، من القدس وكنيسة القيامة والمسجد الأقصي وقبر «عرفات» وحصار «نعلين» وآهات «مروان البرغوثي» و١١ ألف أسير في السجون الإسرائيلية.
كل حجر وذرة تراب لها عندي كلمة.. بل كلمات فهل سوف أكون علي قدر الأمانة والمسؤولية التي حملتها علي أكتافي من هذا الوطن الجريح؟، هل سأنجح بالفعل في اصطحابك معي في هذه الرحلة بكل تفاصيلها المحزنة والمليئة برغم كل الآلام بالأمل؟، إن نجحت فهذا كل ما أتمناه، وإن فشلت يبقي لي شرف المحاولة.
التوقيع

رد مع اقتباس
قديم 08-25-2008, 10:45 PM   #2 (permalink)
 
الصورة الرمزية فادي

 









فادي غير متواجد حالياً
افتراضي رد: من اجمل ما كتب عن فلسطين

الحلقه الثانيه و الثالثه




------



أمل سرور تكتب : مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٢» التسلل إلي زهرة المدائن.. وساعات في مدينة الأشباح




هي .. قرة العين ونن القلب!
هي الجرح والوجع، والحزن، والشجن، والبراءة والمرارة!!
هي المتحدية، المقاومة، الشامخة، الصابرة، الصامدة أمام همجيتهم..
أقصاها مقدس ثابت مهلل مكبر داع إلي الصلاة في مدينته..
علي دربها نزف المسيح دماءه، فطهرنا جميعا وعلي الجلجلة صلب جسده ففاضت روحه، وفي قيامتها كتب عمر بن الخطاب عهدته العمرية فتجلي عدله. من «باب العامود» دخلت، وفي ساحة الخليل مشيت، وبين «خان الزيت» و«حارة الشرف» و«سوق اللحامين» و «العطارين» تجولت، بالغضب الساطع في شوارعها العتيقة تسلحت وسمعت جياد الرهبة آتية قائلة لن يقفل باب مدينتنا، سنمر علي الأحزان وسنفتحها الأبواب، وحتما سنمحو آثار القدم الهمجية من أرضك يا قدس.
وكأنها النداهة.. يأتيني صوتها من بعيد ليخترق كل الأجواء فيشد حواسي كلها إلي هناك.. أنين جريح متوجع يناديني مهاتفا مستغيثاً، فلا أملك معه سوي أن ألبي النداء، الطريق إليها لا محالة مفروش بالألغام، ومكلل بالأشواق، لكن لا مفر ولا بديل.
أن أكون علي أرض فلسطين ولا أذهب إلي «يابوس» أو «أور سالم» أو «مدينة الله» - تلك هي أسماؤها القديمة - فكأنني لم أغادر من بيتي الكائن في المعادي. أن أذهب بقدمي إلي هناك ولا أقف تحت قبة صخرتها، ولا تتجول عيناي في شوارعها وبين أروقة معابدها وكنائسها ومساجدها القديمة فهذا أمر من رابع المستحيلات، لذلك كان القرار حاسماً وواضحاً بالذهاب إلي مدينة القدس، مهما كلفني الأمر!!
الرحلة من قرية «الظاهرية»، التابعة لمدينة الخليل، حيث أقيم مع أهل زوجي إلي «مدينة الله»، ليست سهلة علي الإطلاق، بداية من الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش الإسرائيلية التي تلاقيك في كل مكان، بدءاً من مدينة «دورا» و«حلحول»، مرورا بـ«رام الله» و«أبو ديس»، ووصولاً إلي «القدس»، والحق أنها كانت رحلة شديدة الخصوصية محفوفة بالمخاطر والمغامرات بالنسبة لي!!، رحلة كدت أفقد فيها زوجي تماما، إما باعتقاله في السجون الإسرائيلية أو برميه بالرصاص أمام عيني من قبل قوات الاحتلال الغاشمة!!
الحكاية بدأت عندما قرر ماجد أن يسافر معي إلي القدس بل يصلي في قلب المسجد الأقصي، ونتجول سويا في شوارع القدس، العتيقة، قد يبدو الأمر عاديا، وربما تقول إن هذا هو الطبيعي، فهو مواطن فلسطيني وليس لديه أي مشكلة في الدخول إلي أي مدينة من مدن وطنه المحتل، ولكن المسألة ليست بهذه السهولة التي تتصورها، ولا تخص زوجي فقط، بل تنطبق علي كل الفلسطينيين المقيمين خارج مدينة القدس، وتحديداً في بقية مدن الضفة الغربية.
وتتلخص المشكلة في أن إسرائيل أصدرت قانوناً ظالماً ووهمياً، مثلها تماماً، يمنع أهل الضفة الغربية بأكملهم من الدخول إلي «القدس»، وبالتالي أصبحت مدينة الله تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة ولا يدخلها إلا من معه هوية إسرائيلية فقط، ومن يحاول الدخول عنوة، يُعد مخالفاً للقانون والسجن أمامه والتعذيب من خلفه!!
لذلك جن جنوني عندما فاجأني «ماجد» بقراره السفر معي إلي القدس، وباءت كل محاولاتي بإقناعه بالعدول عن هذه الفكرة المجنونة بالفشل، ولم أملك سوي الصمت أمام عباراته التي قالها بتحد: «هادخل وهاصلي في الأقصي غصب عنهم، و(اللفة) هي كلمة السر»!!
بكمّ من القلق والذهول والترقب والتوجس والرهبة والخوف تحركت بنا السيارة.. لم يكن يهون علي الطريق سوي جمال تلك الجبال وخضرتها ورائحة هوائها، الذي لم أجد له مثيلاً في العالم..!! عند منطقة «أبوديس» استبدلنا سيارتنا الأجرة بأخري، تلك المنطقة التي تستطيع من خلالها أن تري منطقة القدس، بينك وبينها هذا الجدار العازل، الذي عزل مدينة الله عن بقية أصحابها، قلبي يخفق ونحن نقترب من معبر «الزعيم» وأنا أري البوابات الحديدية، وقد وقف جنود من الاحتلال مدججين بالسلاح، والعلم الإسرائيلي يرفرف فوقهم.
وقف الأتوبيس عند أول المعبر، وإذا بجندي إسرائيلي يطالع الراكبين، مطالباً، بصوت أجش وبلغة عربية ضعيفة، «الهويات»، كتمت أنفاسي وحاولت أن أنظم ضربات قلبي، عندما طلب الهوية من «ماجد» الذي فتح له جواز سفره علي التأشيرة الأمريكية.. قال له الإسرائيلي: إيه ده؟!
قال ماجد: تأشيرة أمريكا.. أنا لست مقيماً في البلد وأريد أن أزور القدس.
قال له مهدداً بصوت عال: انزل.. انزل.. انزل..
قالها ثلاث مرات فنزلنا سوياً
لا أستطيع أن أصف الدقائق الخمس التي انتظرنا فيها الجندي الإسرائيلي عند بوابة المعبر حتي ينتهي من هويات الراكبين، وهواجس حاصرتني وشلت تفكيري.. قلقي علي زوجي وفضولي الصحفي كادا يقتلانني!!
لم أفق إلا علي صوت الجندي الإسرائيلي قائلاً، بلهجة من «الشخط والنطر» في وجه زوجي: إنت واقف ليه؟.. يلاَّ امشي، امشي.. روخ، روخ..
هنا فقط تدخلت.. ولأول مرة في حياتي أتكلم مع إسرائيلي قلت له: أنا صحفية وهو زوجي و...
لم أكمل كلامي إلا وقال لي: أنت تدخل مفيش مشاكل لكن هو ممنوع never.. nev
er، يعني أبداً.. أبداً لن يدخل.. هو فلسطيني.
قالها بحرقة وكأنها وصمة عار.. وقبل أن نفتح أفواهنا لنتكلم فوجئنا به يسحب الرشاش ويوجهه تجاه ماجد، محاولاً أن يدفعه به قائلاً.. «روخ.. امشي .. امشي»، وإذا بمجندة تخرج فجأة من بوابة المعبر، وتشهر السلاح في وجه زوجي.
علي الفور نظرت إلي وجه زوجي وقد احتقن بالدماء وشرر يتطاير من عينيه.. تداركت الموقف وسحبت زوجي من يديه قائلة: «يلاّ يا ماجد وحياة ابننا، أنا خلاص مش عاوزة أدخل القدس».
تركنا المعبر.. وحالة من الصمت سادت بيننا، في هذه اللحظة فقط لم أفكر في إحساسه كزوجي، ولكن كمواطن فلسطيني منع من دخول مدينة في وطنه دون أي وجه حق.. كنت أفكر في حالة الإذلال والهوان التي يعاني منها كل أبناء الشعب.
صوت ماجد عالياً ومهللاً في الشارع كان كفيلاً بأن يجعلني أفيق: «مهما يعملوا ومهما يعزلوا ومهما يقتلوا ويدمروا ويمنعوا.. هاندخل وهانعيش وهاننتصر».
بالفعل تحقق الحلم.. ورغم البوابات والمعابر ونقاط التفتيش والأسلحة المشهرة، ورغم قوة الجدار العازل الذي يتحدثون عنه ليلاً ونهاراً..
دخلنا مدينة القدس..!!
عن طريق «اللفة»، كان في استطاعتي أن أدخل بالتأشيرة المطبوعة علي جواز سفري بكل سهولة، ودون أي مخاطر، ولكني مشيت ما يقرب من ١٢ كيلو متراً عبر الجبال والمنحنيات، ووصلنا أخيراً إلي مدينة القدس.. ولم نكن وحدنا في الطريق الوعر، بل كان معنا المئات من الفلسطينيين من أهل الضفة، سرنا جميعاً في طريق واحد.. ولكننا وصلنا في النهاية إلي.. مدينة الله!!
آهة موجوعة من القلب.. تنهيدة مريرة ساخنة من بين الضلوع وابتسامة مكسورة غارقة في الشجن والدموع!!
تلك كانت حالتي ما إن وقعت عيناي من شباك السيارة علي القبة الذهبية بجلالها وشموخها وسط تلال من بيوت البلدة القديمة، صدقت فيروز.. بصوتها الدافئ وإحساسها العبقري، عندما غنت لها قائلة: يا بهية المساكن.. يا زهرة المدائن!!
عند «باب العامود»، أشهر أبوابها السبعة، كان الكاتب الصحفي والمدير العام للمؤتمر الوطني الشعبي بالقدس، والصديق القديم الذي طالما حدثني عن جمال وعبقرية مدينته «يونس العموري» في انتظارنا.. استقبلني قائلاً:
أخيراً أنت علي أرض القدس.. من أين تفضلين أن نبدأ..؟!
قلت له: من عند الناس في شوارعها العتيقة..
إذاً فلتكن بدايتنا من عند البلدة القديمة.. ما إن تطأ قدماك أرض البلدة القديمة، إلا وتشعر برائحة غريبة تدخل إلي صدرك، فلا تملك سوي أن تفتح رئتيك لآخرهما لها..!!
ربما تكون رائحة «البلاط القديم» للشوارع الذي يعود لقرون وقرون.. وربما تكون رائحة تلك الأسوار العتيقة التي تشعر بأنها ستتكلم معك لتحكي لك قصصاً وأساطير من التاريخ.. وربما تكون رائحة شوارعها وحواريها الضيقة المفروشة التي شهدت أعنف الصراعات علي مر الأزمان.
وربما أيضاً تكون رائحة دماء الآلاف من شهداء هذا الشعب الذين تناثرت أشلاؤهم دفاعاً عن تلك الأرض، لكل شيء رائحة ومذاق، والأغرب أن لهذه الرائحة لغة لا يستطيع أن يفهمها ويدركها ويشعر بها سوي من يتجول بقدميه في البلدة القديمة.
حالة من السكون والصمت والهدوء القاتل سيطرت علي البلدة القديمة، أسواقها مليئة بالمحال التجارية والمطاعم والمقاهي ولكنها خالية من البشر.
مالي أشعر بأنني في مدينة أشباح؟!!، هكذا سألت «يونس العموري» فاجأني بلا تردد: هذا هو وصف دقيق للحالة التي تعيشها مدينة القدس خلال هذه الفترة.. منذ سنوات كنت لا تستطعين أن تضعي قدميك في هذه المنطقة.. كانت لدينا حياة.. الآن اختلفت الظروف بعد القانون الإسرائيلي الخاص بضم القدس للسيادة الإسرائيلية وتوحيدها تحت ما سمي «القدس الموحدة»، وما تلا ذلك من قانون «القدس عاصمة إسرائيل الأبدية»، حتي وصلوا إلي عزل القدس عن بقية مدن الضفة الغربية ومنع الدخول إلي المدينة المقدسة، هذا كله انعكس بشكل سلبي وأصبحت القدس، كما تشاهدينها الآن، «مدينة الأشباح»!!
لفتت نظري سيدة عجوز تفترش الأرض لتبيع بعضاً من «الملفوف»، أي ورق العنب وأعواد الملوخية الخضراء.. اقتربت منها وسألتها: «يا أمي أنت من القدس..؟».
فاجأتني حينما قالت: أنا من حلحول،
يعني من الضفة.. طب بتدخلي إزاي؟!
تركتها تتكلم وتحكي لتسمعوا معي:
عن طريق «اللفة» عند المعبر ما بيدخلونا وبيقبضوا علينا وبيبهدلونا، الله ياخدهم من هون.. لكن هون أرضنا وبلدنا، أنا ابني أسير عندهم محكوم عليه ٥ مؤبدات يعني سنين والله ما بعرف يامه كام عددهم، والثاني استشهد في الانتفاضة الثانية، والثالث هارب في الجبال مطارد منهم، وزوجي مريض وعاوزين مصاري علشان علاجه، الرزق ضاق علينا، ما عندي حل غير التهريب واللفة، بس أقولك نفسي أصلي في الأقصي، لكن ده ما هو ممكن لأنهم بيشوفوا الهويات عند بوابات الأقصي ولو مسكوني هايحبسوني.
بس بيكفي إني قاعدة هون باسمع الأذان في الأقصي وبادعي عليهم لا يعمر لهم بيت، الله ياخدهم.. الله ينصرنا، وحسبي الله ونعم الوكيل..!!
تركتها وأنا أردد: آمين.
«هذا هو بيت شارون».. أصابتني عبارة «يونس» في مقتل فالتزمت الصمت، لأسمع وأري بعيني.. منزل قديم وأثري رائع وضخم، في منطقة باب الوادي في البلدة القديمة.. عيني عينك.. وعلي عينك يا تاجر كما يقولون.. وفي وسطه لافتة ضخمة مستفزة تثير اشمئزازك، بل ربما تصيبك بالغثيان وقد علق العلم الإسرائيلي.
في الثمانينيات - والكلام علي لسان «يونس» - جاء شارون بقوات ضخمة من الجيش الإسرائيلي، وطردوا ساكني هذا المنزل عنوة، ليستولي عليه «شارون» أملاً في أن يقيم فيه، وقامت انتفاضة مخيفة من الشباب والعجائز والأطفال والسيدات ونشبت معارك ساخنة وراح الآلاف من الشهداء، ولم يسكن فيه شارون يوماً واحداً ولكن الجيش الإسرائيلي استولي عليه بعد أن وضعه تحت الحراسة المشددة ٢٤ ساعة!!
يبدو أن حالة الغيظ والاستنفار التي أصابتني بعد أن غادرت البيت الذي استولي عليه شارون قد بدأت تزداد لحظة تلو الأخري، فما إن دخلت سوق «خان الزين» و«العطارين» و«اللحامين» ومشيت بطريق «قناطر خضير» إلا وبدأت عيناي تصطدم بهم وجهاً لوجه، ها هم يسيرون بجانبي في وضح النهار، في شوارع البلدة القديمة! ها هم جنود جيش الاحتلال يسيرون بثقة وافتخار، ولا شيء يعطيهم تلك الثقة سوي الأسلحة التي يحتضنونها بين ضلوعهم، فهي الحامي الأقوي والوحيد لديهم، ولو تخيلتهم من دونه ستري الخوف والجبن والرعب في عيونهم.
وها هم المستوطنون اليهود المتطرفون والمتعصبون، ها هم بقبعاتهم السوداء، ولحاهم الطويلة وزيهم الأسود وضفائر شعرهم التي تصل إلي نصف صدورهم، أراهم بعيني وجهاً لوجه وليس علي شاشات الفضائيات، عن حق وبجد وبصراحة إحساس مختلف.. معه تشعر بجبروت الظلم وقسوة القهر وحرقة المهانة، إحساسك لما تشوف الراجل اللي اغتصب بنتك وفلذة كبدك، وزهرة عمرك وأفقدها أعز ما تملك، وهو غشاء البكارة، بتشوفه جنبك لكن مش قادر تعمل له حاجة!!
الشيء الوحيد الذي أثلج صدري، وهدأني كثيراً هو صوت الأذان مكبراً آتياً من المسجد الأقصي ومسجد عمر بن الخطاب، يعانقه صوت أجراس كنيسة القيامة، ولأن ما يسعدني يتعسهم بل يحزنهم، فقد تسربت لي سعادة طفولية عندما قال لي مرافقي «يونس»، ونحن نلتقط الأنفاس علي أحد المقاهي وسط البلدة القديمة، إن الأذان وصوت الأجراس هو أكثر شيء يزعج الإسرائيليين في مدينة الله.. تلك هي حياتنا في القدس.
جرائم التهويد وكوارث «الأســرلة»
مخطط صهيوني محكم من أجل تغيير ملامح وسمات عربية القدس وجعلها يهودية، عنكبوت إسرائيلي ألقي بشباكه حول مدينة الله المقدسة، من أجل محو كل ما هو عربي وتحويله إلي إسرائيلي، بدءاً بالعلم، ومرورا بالشوارع والحواري وهدم المنازل والمساجد وتشريد الآلاف المؤلفة من أبناء القدس وحتي سرطان الاستيطان الذي راح ينهش في الجسد الفلسطيني، حكايات وتفاصيل حتماً ستصيبك بحالة من الذهول تعرفها عبر السطور المقبلة.
حكاية التهويد بدأت منذ عام ١٨٤٩ حينما حصل اليهودي «مونتفيوري» علي فرمان بريطاني من السلطات العثمانية بشراء أول قطعة أرض في القدس خاصة، وفي فلسطين عامة، ليقيم عليها أول حي يهودي، وعقب نكبة ١٩٤٨ احتلت إسرائيل ٨٤% من المساحة الكلية لمدينة القدس لتبقي البلدة القديمة وحدها بأيدي العرب بعد أن دمرت أحياء عربية كاملة وهجَّرت سكان القدس الفلسطينيين ليحل محلهم المهاجرون اليهود، ومنذ ذلك الوقت بدأت عمليات تهويد القدس وتغيير ملامحها تتم علي قدم وساق.
إلي أن جاءت نكسة ٦٧ التي تمكن الإسرائيليون بعدها من إحكام قبضتهم علي الجزء المتبقي من المدينة، فاحتلت القدس كاملة، ولدي وصول «موشيه ديان» وزير الدفاع الإسرائيلي وبرفقته زعماء صهاينة إلي حائط البراق الشريف الذي استولوا عليه ليصبح حائط المبكي لديهم، أعلن بيانه الصهيوني الأول من هناك قائلاً: «لقد عدنا إلي الهيكل المقدس ولن نبرحه أبدا مرة أخري، اليوم هو يوم خيبر».
وفي ٨ يونيو ١٩٨٧ وقف «شلومو جوريون» حاخام جيش الدفاع الإسرائيلي علي رأس شلة من الجيش بالقرب من الحائط الغربي للحرم القدسي الشريف، وأقام شعائر الصلاة اليهودية معلناً في ختامها أن «حلم الأجيال اليهودية قد تحقق، فالقدس لليهود، ولن يتراجعوا عنها وهي عاصمتهم الأبدية»!!، وبعد أقل من أسبوع علي وقوع نكسة ٦٧ قامت قوات الاحتلال بهدم «١٣٥» منزلاً في حي المغاربة الذي كان يسكنه «٦٥٠» شخصاً، وهدم مصنع بلاستيك بالقرب من حي الأرمن، كان يعمل فيه «٢٠٠» عامل وعاملة، بالإضافة إلي هدم ما يزيد علي «٢٠٠» منزل ومخزن في مناطق مختلفة، وتشريد أكثر من «٧٥٠٠» شخص.
ومنذ هذه الفترة بدأت إسرائيل في العمل علي تحديد شبكات المياه والمجاري ومد شبكة الباصات، ورفعت أسماء الشوارع واللافتات بثلاث لغات، وما قد يثير عجبك هو العرض الذي عرضته إحدي الجماعات الماسونية في أمريكا، وأغلبهم من اليهود، علي الهيئة الإسلامية في القدس ببناء الهيكل علي أرض الحرم القدسي الشريف مقابل «١٠٠» مليون دولار أمريكي.
والحقيقة.. أن المتأمل لكل ما ذكرته يستطيع أن يدرك تماما أن السلطات عملت علي تهويد القدس منذ أن حطت أقدامها علي الأرض، لأنهم ببساطة يرون أن هذه المدينة هي العاصمة العقائدية والفكرية والحضارية لهم، بل يحلمون بإعادة بناء الهيكل، وعلينا أن نعلم أن المخطط الصهيوني لتهويد القدس قد نجح في عمل اختلال للميزان السكاني ليصبح ٣:١ لصالح اليهود الذين استوطنوا القدس بكثافة عالية.
والحديث عن التهويد لا ينتهي خاصة عندما تعلم أن إجراءاتهم التعسفية وصلت إلي الاستيلاء علي أحد أهم وأكبر المستشفيات العربية داخل القدس، وهو مستشفي «المقاصد» وحولوه إلي وزارة للشرطة الإسرائيلية، كما قاموا بإنشاء مبني المخابرات علي أنقاض مستشفي القدس العام.
أما بالنسبة للتعليم فهو الكارثة والطامة الكبري، حيث قامت إسرائيل بإلغاء مناهج التعليم العربية في المدارس الحكومية الفلسطيني لتحل محلها المناهج الإسرائيلية، بالإضافة إلي الاستيلاء علي متحف الآثار الفلسطيني، وإطلاق الأسماء اليهودية علي الشوارع والساحات في القدس العربية.
ولم يسلم أيضاً القطاع الاقتصادي الفلسطيني من أيديهم، خاصة عندما أغلقوا البنوك العربية في القدس القديمة، وصادروا ودائعها وحولوا خمسة منها إلي بنوك إسرائيلية واستبدال العملة الأردنية بالإسرائيلية، والتضييق الدائم والمستمر علي سكان القدس وإكراههم علي شراء المنتجات الإسرائيلية، وفرض الضرائب بمختلف أنواعها عليهم، ومنع إدخال أي منتج زراعي أو صناعي عربي إلي القدس إلا برسوم جمركية ضخمة، والاستيلاء علي شركة كهرباء القدس وتصفيتها باعتبارها مرفقاً اقتصادياً عربياً، أما عن وسائل الإرهاب والبطش لإخلاء القدس من سكانها العرب الأصليين فهي مريرة وكثيرة، إلا أنها لم تنل أبداً من أبناء المدينة المقدسة الذين لا يملكون سوي الصمود والمقاومة.
بينما كان مرافقي «يونس» يحكي ويتكلم عن التهويد وتغيير معالم القدس تماماً، رأيت مجموعة كبيرة من أفراد الجيش الإسرائيلي وقد ارتدوا زيهم المعهود وتدججوا بأسلحتهم، رأيتهم يسيرون في دفعات منظمة في شوارع البلدة الضيقة، انتفضنا من علي المقهي الصغير الذي كنا نجلس عليه وطلبنا من «يونس» أن نعرف وجهتهم.
سرت وراءهم فوجدتني أمرّ من «خان إفرايم» و«سوق العطارين» لأدخل معهم شارعاً مختلفاً تماماً عن كل شوارع القدس القديمة، فالأعلام الإسرائيلية مرفوعة علي كل المحلات والجدران بشكل ملحوظ بل لافت للنظر، وأشكال ونوعية البضائع مختلفة تماماً، جاءني صوت «يونس» مكسورا قائلاً: تلك كانت حارة الشرف، ولكنهم غيروا كل ملامحها العربية وطردوا سكانها العرب، بل قتلوا العديد من الذين رفضوا الخروج من بيوتهم، علي الرغم من أن اليونسكو أقرت أن مدينة القدس مصنفة في قائمة الآثار العالمية التي يجب حمايته، وبالتالي ممنوع تغيير معالمها القديمة، إلا أن هذه القوانين تسري علي كل دول العالم فيما عدا إسرائيل كالعادة!!
شعرت أن الجنود الإسرائيليين أتوا لهذا المكان خصيصاً في جولة سياحية خاصة وقد سار أمامهم شخص أخذ يشرح لهم أجواء المكان، وقبل أن أسأل مرافقي قال: إن هذا المشهد الذي ترينه هو نوع من التدريبات، فهم يحضرون إلي هذه المنطقة ويزرعون بداخلهم إحساساً بأن هذه ممتلكاتهم، وأن القدس ستكون لهم عاجلاً أو آجلاً، ولم يقتصر الأمر علي الجنود بل وصل إلي حد الأطفال فها هي مدرسة تأخذ الصغار من اليهود في رحلة مدرسية تعليمية دينية، وتقف تشرح لهم أمام مسجد لاحظت أنه مغلق تماماً!!
كانت تتكلم العبرية فطلبت من مرافقي أن يترجم لي جزءاً مما قالت، فكانت كلماتها أن «حارة اليهود هي نموذج مصغر مما ستكون عليه مدينة القدس خلال سنوات، وأن هذه المنطقة انتزعناها من المجرمين والإرهابيين الذين اغتصبوا أرضنا ووطننا، ونحن في حرب الآن، ولن ينتصر فيها سواكم، أنتم الجيل المنتظر والشعب المختار الذي اصطفاكم الإله علي كل شعوب الأرض»!!
هكذا يزرعون في أطفالهم الوهم والزيف وتزوير الحقائق، وهكذا أغلقوا المسجد وسيحولونه عن قريب إلي كنيس يهودي ليقيموا فيه صلاتهم وشعائرهم، أما عن السياح من كل الجنسيات الذين يأتون إلي هذه المنطقة فهم يجرون لهم غسيل مخ من خلال كهنتهم الذين يتوسطون حارة الشرف، والذين رأيت واحداً منهم: رجل سمين يرتدي زي حراس الهيكل، وهو التاج والجلباب الأبيض العاري الذي يظهر كتفيه، وراح يشرح للسياح كيف نجح اليهود في إقامة دولتهم التي أصبحت القدس عاصمتها، وكيف قدموا أرواحهم في سبيل ذلك منذ عام ١٩٤٨ مرورا بـ ١٩٦٧ وحتي الآن!
لم استطع أن أقف أكثر من ذلك، شعرت بالاختناق والغيظ والاستفزاز، فقررت أن أغادر المنطقة علي الفور، في الطريق للخروج من البلدة القديمة استوقفني مشهد في غاية الغرابة، ما يقرب من ١٠ جنود إسرائيليين يقفون أمام باب صغير لأحد المنازل في نهاية حارة الشرف المسماة زورا «حارة اليهود»، وقفت أتأمل، فطلب مني مرافقي أن أتحرك بسرعة وإلا سيحدث ما لا تحمد عقباه!!، سألت بسذاجة.. لماذا؟!
أجابني بأنه منزل صغير لعبدالله الإسكافي، وهذا ليس اسم عائلته بل هو يعمل بالفعل إسكافيا، يقيم في هذا المنزل الصغير الذي يتكون من غرفتين وصالة وحمام ومطبخ مع زوجته العجوز، أما أولاده الأربعة فقد استشهدوا جميعاً في أحداث الانتفاضتين الأولي والثانية، الصهاينة يريدون إخراجه من المنزل بأي شكل، فقط لأنه العربي الوحيد وسط كل تلك الغابة من المستوطنين اليهود.
لكنهم فشلوا، وعرضوا عليه مبالغ هائلة كان آخرها ٢٠ مليون دولار ليبيع منزله الصغير ويخرج، لكنه رفض رفضاً قاطعاً وهم لا يستطيعون قتله لأنه أرسل رسائل لكل منظمات حقوق الإنسان العالمية، وحتي الإسرائيلية، وكل ما يستطيعون فعله هو محاصرته، لا يخرج أبداً وكأنه تحت الإقامة الجبرية، وزوجته مسموح لها بالخروج نصف ساعة يومياً لشراء احتياجاتهم من الطعام والشراب!!
ساد الصمت بيننا، وما أن انتهي «يونس» من حديثه لم أملك سواه، ولم أملك سوي دموعي التي راحت تنساب في شوارع القدس القديمة، هذا الإسكافي ليس الوحيد بل مثله مثل أبناء هذا الشعب لا يملكون سوي الصمود والمقاومة والحجارة مقابل الظلم والتعسف والرصاص، أدرت ظهري إلي البلدة القديمة متجهة إلي الخروج من باب الصمود حيث أتيت، ودعتني الشوارع والجدران القديمة بصوت فيروز الذي لا يخلو محل منه قوياً مهللاً.. «الغضب الساطع آتٍ.. بجياد الرهبة آتٍ.. وسيهزم وجه القوة.. البيت لنا والقدس لنا.. وبأيدينا سنعيد بهاء القدس.. بأيدينا للقدس سلام».




-------------------------------



أمل سرور تكتب : مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٣» زيارة إلي «الأقصي»





جريحاً وحزيناً، نازفاً، ومحاصراً، خالياً من عباد الله، إلا قليلاً، فالبطش من أمامهم والرصاص من خلفهم.. علي حائط بُراقه الشريف، وعلي باب مغاربته وضعوا أيديهم المدنسة، وحول قبة صخرته فشلت شحناتهم الناسفة ولكن حفرياتهم وأنفاقهم تحت أساساته تهدده بالانهيار.
وحده تعالي واقفاً بالمرصاد لكل من يتربص بأولي القبلتين وثالث الحرمين «المسجد الأقصي».. وكأن روحك تفيض فتطير للسماء عالياً، جسدك تنتابه قشعريرة وربما رعشة لم يشهدها من قبل.
لا تري بشراً من حولك ولا تشعر بشيء مما يحيطك، ولا تسمع في الأجواء صوتاً سوي دقات قلبك المتسارعة!
بلا مبالغة تلك كانت حالتي، ما إن بدأت قدماي تأخذانني من حواري وأزقة «القدس» إلي هذا المكان المقدس والطاهر.. إلي «المسجد الأقصي»، كنت في حالة من الاشتياق والحنين الجارف لزيارة هذا المكان، لم أكن أسمع صوت مرافقي «يونس» الذي راح يشرح لي أسماء الشوارع التي نسير فيها، تجاه الأقصي، وأبوابه الأربعة عشر، وبعضاً من التاريخ الديني للمكان.
كنت في حاجة ماسة للصمت والاستسلام لتلك الحالة الروحانية التي تمكنت مني تماماً، وها أنا أقترب من أول بوابة للمسجد المقدس، خطوات قليلة وأكون علي أرض ساحته المشرفة لأقف تحت قبة صخرته، خطوات معدودة وأكون في قلب المكان الذي صلي فيه الرسول عليه الصلاة والسلام بالأنبياء جميعهم، لحظات قليلة وتحط قدماي حيث عُرج بالنبي صلي الله عليه وسلم إلي السماء، فكانت معجزة الإسراء والمعراج.
سرعان ما أفقت من تلك الحالة النادرة التي لا يمكن أن تصيب الإنسان إلا في لحظات نادرة من العمر، وسرعان ما اصطدمت عيناي بزيهم العسكري وأسلحتهم المشهرة ووجوههم العكرة.. يجلسون بكل وقاحة وصفاقة علي بوابات هذا المكان الطاهر في مكاتب مخصصة للتفتيش والمراقبة ومشاهدة هويات وجوازات سفر كل مسلم يدخل إلي المسجد الأقصي.. مشهد غاية في الاستفزاز بل يثير حنقك وغضبك وبالتأكيد يحرق دمك. بعد أن اطلعوا علي تأشيرتهم السوداء المختوم بها جواز سفري، وبعد أن قاموا بتفتيش حقيبتي تفتيشاً دقيقاً سمحوا لي بالدخول، ولكنهم رفضوا أن يدخل مرافقي «يونس» إلا بعد أن يتخلص من «اللاب توب» أو الكمبيوتر الخاص به، الذي كان يصحبه معه في حقيبته!
قال «يونس» للجندي الإسرائيلي: وأين أضع الحقيبة.. ليس معي سيارة؟
فقاطعه الإسرائيلي مستفزاً: مش مشكلتي.. دي الأوامر ممنوع.. أو ماتدخلش نهائياً.
قال له يونس: سأدخل.
فانتفض الإسرائيلي من علي كرسيه وكادت تنشب مشاجرة بينهما، فطلبت من يونس الرحيل.
وبالفعل رحلنا ودخلنا من بوابة أخري بعد أن ترك مرافقي حقيبته عند صاحب المقهي العربي.
مشهد (١)
أن تراها صورة معلقة علي الحائط أو علي شاشات التليفزيون شيء وأن تقع عيناك عليها وتقف تحتها مستظلاً بدفئها وحنو قداستها شيء آخر مختلف تماماً.
هاجمتني الدموع فاستسلمت لها وأنا أقف بين أحضان قبة الصخرة المشرفة التي تقع كموقع القلب من جسد الإنسان بالنسبة للمسجد الأقصي.. ها أنا أقف عند الصخرة التي تقع داخل هذا المبني المثمن والتي عُرج منها بالنبي صلي الله عليه وسلم إلي السماء -هكذا يقال- أنظر إلي يميني فأجد قبة أخري أطلق عليها قبة المعراج والتي يقولون عنها أيضاً إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد عُرج به منها.
لم يهمني من أين بالضبط قد تحققت هذه المعجزة ولكنني بالتأكيد أقف في حضرة النبي صلي الله عليه وسلم وأنا علي يقين بأنني في مكان شديد القدسية والروحانية والخصوصية، ما جعلني أترك ١٤ قرناً من الزمان لأقف علي أرض الواقع المرير هو ما قاله مرافقي بأن هذه الساحة -ويقصد ساحة الأقصي- شهدت أعنف وأقسي المعارك الساخنة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأن شهداء لا يعدون ولا يحصون وقعوا علي تلك الأرض التي أقف عليها!
لا أعرف لماذا ارتسمت في مخيلتي أجساد الشهداء وهي ملقاة في ساحة الأقصي وقد فتتت رصاصات اليهود أشلاءها، رائحة الدماء التي غزت صدري كانت كفيلة بأن تجعل الحزن والألم والدموع تعتصر قلبي، والمشهد الذي تسمرت قدماي أمامه، لدرجة أنني أحسست بأن نوعاً من الشلل قد أصابني، هو ما سرده علي مرافقي قائلاً: إنه في انتفاضة الأقصي عام ٢٠٠٠، التي قامت بسبب زيارة «شارون» إلي المسجد ونيته الدخول إلي ساحة الأقصي، التي انتفض فيها شباب وأرامل وعجائز الشعب الفلسطيني مسلموه ومسيحيوه في تلك الساحة وتصدوا لدخول شارون بجيشه،
وبالفعل لم يدخل، في تلك الأيام قام شاب فلسطيني بتسلق قبة الصخرة المشرفة وبين يديه احتضن العلم الفلسطيني ووصل بالفعل إلي قمة القبة وحاول أن يرفع العلم عالياً مرفرفاً لكن رصاصات جيش الاحتلال الغادرة والخائنة واللعينة نالت منه فوقع شهيداً في قلب ساحة الأقصي بعد أن استقرت ما يقرب من ٢٠٠ رصاصة في أنحاء جسده.. آهة موجوعة.. وصمت أليم لم أملك سوي أن أصحبهما معي داخل المسجد الأقصي.
مشهد (٢)
فليحسدني الجميع.. صليت في الأقصي حيث الصلاة الواحدة بـ«٥٠٠ صلاة»، هذا أول ما فعلته عندما حطت قدماي علي أرض المكان المقدس.. ولست وحدك قارئ هذه السطور محروماً من الصلاة في الأقصي فأهل فلسطين جميعها، خاصة ساكني الضفة الغربية وغزة، محرومون منها أيضاً، لأن الاحتلال الإسرائيلي يمنعهم عنوة من الدخول لمدينته، وبالتالي زيارة أماكنهم المقدسة والصلاة فيها، وإذا كنت أنت تحسدني قيراطاً فأهل هذا الوطن المغتصب يحسدونني ٢٤ قيراطاً.
وكما قالوا لي: إن الحج إلي بيت الله الحرام أسهل بالنسبة لنا كثيراً من زيارة الأقصي، رغم أن الأول يبعد أميالاً والثاني كيلو مترات ولكنه قدرنا.. رحت أتجول وأملي عيني بالمكان المقدس الذي خلا تماما من المصلين اللهم إلا عدداً قليلاً يعد علي أصابع اليد.
حالة من الصمت والتوجس سادت أرجاء المكان، وقفت عند «منبر صلاح الدين الأيوبي».. شيء عبقري ولا يوصف، تحفة فنية نادرة.. هنا وقف صلاح الدين، محرر القدس، وهنا دخل اليهودي المتطرف «مايكل روهن» عام ١٩٦٩ بحذائه ليدنس الأقصي ويحرقه لتحرق أجزاء كبيرة من الأقصي وليحرق معه «منبر صلاح الدين».
وفي هذه اللحظة فقط تحرك العرب والدول الإسلامية وتم جمع تبرعات لترميم ما أفسدته الأيدي الصهيونية، وتم ترحيل ما تبقي من «منبر صلاح الدين» إلي المملكة الأردنية الهاشمية لإعادة بنائه من جديد ليستغرق ٧ سنوات كاملة من العمل الشاق والمضني، خاصة أن هذا المنبر كان قد صمم علي طريقة الأرابيسك ولا يوجد فيه مسمار واحد..
ولفت نظري صندوق زجاجي كبير يتوسط قلب المسجد الأقصي، وقبل أن أسأل مرافقي أجابني: هذه الخزانة الزجاجية التي ترينها أمامك تحوي كل نوعية الأسلحة والقنابل التي تُلقي علي المصلين والجالسين داخل المسجد الأقصي من قنابل غاز مسيلة للدموع وسامة، ورصاص مطاطي قاتل.. وقد قامت هيئة الأوقاف بجمع هذه الآثار لتكون شاهداً علي إدانة والظلم والهمجية التي يتعاملون بها معنا، وبالمناسبة هذا عدد قليل جداً مما يلقونه وغالباً ما تقع هذه الحوادث أثناء صلاة الجمعة من كل أسبوع.
مشهد (٣)
من قلب المسجد الأقصي نزلت تلك الأدراج لأصل في النهاية إلي «المسجد المرواني» الذي يقع تحت أرضية الأقصي.. كنت أعرف أن هذا المكان شهد معركة بين اليهود والمسلمين لا مثيل لها.. فسألت أحد حراس الأقصي عن التفاصيل.
بدأ أحمد العباسي حديثه قائلاً: كل جزء من أجزاء المسجد الأقصي تعرض لهجمة شرسة من الكيان الصهيوني وأهم جزء كان معركة المرواني وهي معركة بالفعل لأننا استطعنا الحصول علي هذه المنطقة من وأنياب اليهود الذين حاولوا الاستيلاء عليها لتكون معبداً لهم يقيمون فيه شعائرهم، وهذا المصلي هو الطابق السفلي للمسجد الأقصي وسُمي المرواني نسبة إلي «عبدالملك بن مروان»،
وكان الصليبيون أثناء احتلالهم للقدس يستخدمونه «اسطبلات لخيولهم» وعندما علمنا أن اليهود يريدون الاستيلاء عليه قامت حملة شعبية اشترك فيها الشباب والأطفال وحتي العجائز من السيدات والرجال وقاموا بترميم هذا المكان وتحملنا المضايقات الكثيرة من قبل قوات الاحتلال خاصة لإدخال مواد الترميم من الأسمنت والحديد واستطعنا خلال ٤ شهور فقط إعادة المصلي المراوني لبهائه ورونقه الذي يليق به، وأن ننتصر في المعركة علي اليهود.
سعدت سعادة بالغة ووجدتني أدعو الله من قلبي وبحرقة من هذا المكان المقدس أن ينتصر الفلسطينيون في معركتهم التي يخوضونها وحدهم، دون أي مساندة من أحد ضد الاحتلال الإسرائيلي.. ولكن هل الدعوات وحدها تكفي لإعادة فلسطين عربية؟!
مشهد (٤)
«حائط البراق».. هو ذلك الحائط المبارك الذي ربط الرسول صلي الله عليه وسلم براقه فيه ليعرج إلي السماء مع جبريل عليه السلام.. من خامس بل عاشر المستحيلات أن أدخل إليه لأنه ببساطة أصبح «حائط المبكي» بعد أن استولي عليه اليهود وغيروا معالمه ومنعوا دخول أي مسلم إليه بل أغلقوه بالضبة والمفتاح.
«حائط البراق» ليس هو الشيء الأول والأخير الذي يعد مثالاً صارخاً ودموياً ومتعنتاً وظالماً وقاهراً للأماكن المقدسة، بل وصل الأمر إلي إقامة الحفائر حول المسجد الأقصي وتحته بحجة البحث عن «الهيكل» المزعوم والتي تدعي إسرائيل وجوده في منطقة المسجد الأقصي وقد بدأت هذه الحفائر بعد نكسة ١٩٦٧ مباشرة ولاتزال مستمرة حتي الآن ولعل أشهرها فتح النفق الجديد مساء عيد الفطر اليهودي وتحديداً في يوم ٢٤/٩/١٩٩٦ تحت المسجد الأقصي مباشرة كخطوة أولية لهدم الأقصي واهتزاز أساساته.
يمتد هذا النفق مسافة ٤٠٠ متر تحت الحي الإسلامي العربي في مدينة القدس ويبدأ من حائط البراق أسفل المسجد وقد فُتح جزء منه بعد النكسة أما الجزء الأخير وطوله ١٠ أمتار فقد فُتح حديثاً بعد عام ١٩٩٦، ويعد هذا النفق الثالث تحت أسوار المسجد الأقصي وتم وصله بنفق البراق.. ووصلت الوقاحة بهم إلي القيام ببث ليلي لتسجيلات أصوات حفارات ومطارق آلية حتي يعتاد الفلسطينيون علي هذه الأصوات بحيث يتم في إحدي الليالي فتح باب النفق الجديد بعد أن تكون أصوات المعدات حقيقية.
وبالطبع لا ننسي المحاولة الفاشلة علي يد جماعة «حشمونائيم» المتطرفة لتفجير قبة الصخرة عام ١٩٨٢ ووحده تعالي فقط أنقذها عندما جعل حراس الأقصي يكتشفون تلك الشحنات قبل انفجارها.. دائماً ما تؤدي المقدمات إلي نتائج.. ونتيجة تلك الحفائر شديدة الخطورة يكفي أن تعلم أن المسجد الأقصي مهدد بالانهيار في أي لحظة تقوم فيها حفرة أرضية.
والسؤال هنا: ألا توجد «هزة إنسانية عربية» تنقذ الأقصي المستغيث..؟!
مشهد (٥)
هم الساهرون ليلاً ونهاراً علي أمنه وأمانه، المتعرضون دائماً للقتل والضرب وجميع أشكال الإهانات، هم الخط الدفاعي الأمامي والأول عن المسجد الأقصي، والحراس الذين عينتهم السلطة الفلسطينية للمسجد المقدس.
كنت حريصة أن أتكلم مع أحدهم الذي راحت عيونه كالصقر ترقب وتسجل من بعيد.. «أحمد عبدالله» بدأ حديثه معي قائلاً: سجنت في الانتفاضة الأولي في نفس الزنزانة التي اعتقل فيها والدي كنوع من التعذيب والإهانة لي وله.وبعد أن خرجت من سجن «عسقلان» وبعد قضاء ١٠ سنوات كاملة جئت إلي هنا من أجل حراسة الأقصي.
سألته مباشرة عن المجزرة التي وقعت في ساحة الأقصي علي إثر محاولة دخول شارون عام ٢٠٠٠، فتحدث وكأنه يدري المشهد أمام عينيه: قامت الدنيا ولم تقعد، ورغم كل أجهزتهم الأمنية ورغم الحصار والقيود علي دخولنا إلي الأقصي إلا أن ساحة المسجد في هذا اليوم كانت مكتظة بألوف مؤلفة من أبناء القدس والضفة الغربية أيضاً، الجميع احتشد بالحجارة ولكنها كانت في مواجهة الرصاص.. رأيت بعيني قبل أن أروح في غيبوبة علي إثر إصابة ٢١ شاباً استشهدوا رمياً بالرصاص علي رءوسهم وآخر مشهد كان استشهاد سيدة عجوز يقترب عمرها من الستين.. لحظتها وكعادتهم لا يفرقون بين امرأة أو طفل.
وتابع: أما عن المضايقات اليومية التي نتعرض لها فاسمحي لي أن أقول لك إنهم يتفننون بل ويقومون بعمل دراسات حول كيفية مضايقتنا، وعلي سبيل المثال هم يسمحون للسياح الأجانب من مختلف الجنسيات بالدخول إلي المسجد الأقصي وأحياناً كثيرة تكون السيدات الأجنبيات غير محتشمات بالمرة وبالتالي نرفض دخولهن.. دخولهن إلي المسجد إلا بشرط أن يسترن أجسادهن وشعرهن.. هنا تتدخل الشرطة الإسرائيلية الواقفة علي بوابات الأقصي وتحدث المشادات وكثيراً ما يرموننا في المعتقلات والسجون لمجرد أننا نحافظ علي مقدساتنا.
المشهد الأخير
قبل أن أودع «الأقصي».. وقبل أن أخرج عن ساحاته.. استوقفني أحد المارة متسائلاً:
* الأخت مصرية؟
- قلت نعم.
أستطيع أن أشم رائحة عبدالناصر من خلالك.. سلامنا للشعب المصري ونهر النيل والأهرامات تحياتنا لكل مَنْ يقف معنا من المصريين الرافضين للتطبيع.. قولي لهم وللعالم العربي: فلسطين بخير رغم كل المؤتمرات والمؤامرات اللي ما بتسوي شيء.. هم شاطرين في الكلام والكلام مش هيرجع أرضنا، السلاح وحده هيرجعك يا فلسطين.
التوقيع

  رد مع اقتباس
قديم 08-25-2008, 10:48 PM   #3 (permalink)
 
الصورة الرمزية فادي

 









فادي غير متواجد حالياً
افتراضي رد: من اجمل ما كتب عن فلسطين

أمل سرور تكتب : مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٣» زيارة إلي «الأقصي»

٢٠/٨/٢٠٠٨


المسجد الأقصى من الداخل
جريحاً وحزيناً، نازفاً، ومحاصراً، خالياً من عباد الله، إلا قليلاً، فالبطش من أمامهم والرصاص من خلفهم.. علي حائط بُراقه الشريف، وعلي باب مغاربته وضعوا أيديهم المدنسة، وحول قبة صخرته فشلت شحناتهم الناسفة ولكن حفرياتهم وأنفاقهم تحت أساساته تهدده بالانهيار.

وحده تعالي واقفاً بالمرصاد لكل من يتربص بأولي القبلتين وثالث الحرمين «المسجد الأقصي».. وكأن روحك تفيض فتطير للسماء عالياً، جسدك تنتابه قشعريرة وربما رعشة لم يشهدها من قبل.

لا تري بشراً من حولك ولا تشعر بشيء مما يحيطك، ولا تسمع في الأجواء صوتاً سوي دقات قلبك المتسارعة!

بلا مبالغة تلك كانت حالتي، ما إن بدأت قدماي تأخذانني من حواري وأزقة «القدس» إلي هذا المكان المقدس والطاهر.. إلي «المسجد الأقصي»، كنت في حالة من الاشتياق والحنين الجارف لزيارة هذا المكان، لم أكن أسمع صوت مرافقي «يونس» الذي راح يشرح لي أسماء الشوارع التي نسير فيها، تجاه الأقصي، وأبوابه الأربعة عشر، وبعضاً من التاريخ الديني للمكان.

كنت في حاجة ماسة للصمت والاستسلام لتلك الحالة الروحانية التي تمكنت مني تماماً، وها أنا أقترب من أول بوابة للمسجد المقدس، خطوات قليلة وأكون علي أرض ساحته المشرفة لأقف تحت قبة صخرته، خطوات معدودة وأكون في قلب المكان الذي صلي فيه الرسول عليه الصلاة والسلام بالأنبياء جميعهم، لحظات قليلة وتحط قدماي حيث عُرج بالنبي صلي الله عليه وسلم إلي السماء، فكانت معجزة الإسراء والمعراج.

سرعان ما أفقت من تلك الحالة النادرة التي لا يمكن أن تصيب الإنسان إلا في لحظات نادرة من العمر، وسرعان ما اصطدمت عيناي بزيهم العسكري وأسلحتهم المشهرة ووجوههم العكرة.. يجلسون بكل وقاحة وصفاقة علي بوابات هذا المكان الطاهر في مكاتب مخصصة للتفتيش والمراقبة ومشاهدة هويات وجوازات سفر كل مسلم يدخل إلي المسجد الأقصي.. مشهد غاية في الاستفزاز بل يثير حنقك وغضبك وبالتأكيد يحرق دمك. بعد أن اطلعوا علي تأشيرتهم السوداء المختوم بها جواز سفري، وبعد أن قاموا بتفتيش حقيبتي تفتيشاً دقيقاً سمحوا لي بالدخول، ولكنهم رفضوا أن يدخل مرافقي «يونس» إلا بعد أن يتخلص من «اللاب توب» أو الكمبيوتر الخاص به، الذي كان يصحبه معه في حقيبته!

قال «يونس» للجندي الإسرائيلي: وأين أضع الحقيبة.. ليس معي سيارة؟

فقاطعه الإسرائيلي مستفزاً: مش مشكلتي.. دي الأوامر ممنوع.. أو ماتدخلش نهائياً.

قال له يونس: سأدخل.

فانتفض الإسرائيلي من علي كرسيه وكادت تنشب مشاجرة بينهما، فطلبت من يونس الرحيل.

وبالفعل رحلنا ودخلنا من بوابة أخري بعد أن ترك مرافقي حقيبته عند صاحب المقهي العربي.

مشهد (١)

أن تراها صورة معلقة علي الحائط أو علي شاشات التليفزيون شيء وأن تقع عيناك عليها وتقف تحتها مستظلاً بدفئها وحنو قداستها شيء آخر مختلف تماماً.

هاجمتني الدموع فاستسلمت لها وأنا أقف بين أحضان قبة الصخرة المشرفة التي تقع كموقع القلب من جسد الإنسان بالنسبة للمسجد الأقصي.. ها أنا أقف عند الصخرة التي تقع داخل هذا المبني المثمن والتي عُرج منها بالنبي صلي الله عليه وسلم إلي السماء -هكذا يقال- أنظر إلي يميني فأجد قبة أخري أطلق عليها قبة المعراج والتي يقولون عنها أيضاً إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد عُرج به منها.

لم يهمني من أين بالضبط قد تحققت هذه المعجزة ولكنني بالتأكيد أقف في حضرة النبي صلي الله عليه وسلم وأنا علي يقين بأنني في مكان شديد القدسية والروحانية والخصوصية، ما جعلني أترك ١٤ قرناً من الزمان لأقف علي أرض الواقع المرير هو ما قاله مرافقي بأن هذه الساحة -ويقصد ساحة الأقصي- شهدت أعنف وأقسي المعارك الساخنة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأن شهداء لا يعدون ولا يحصون وقعوا علي تلك الأرض التي أقف عليها!

لا أعرف لماذا ارتسمت في مخيلتي أجساد الشهداء وهي ملقاة في ساحة الأقصي وقد فتتت رصاصات اليهود أشلاءها، رائحة الدماء التي غزت صدري كانت كفيلة بأن تجعل الحزن والألم والدموع تعتصر قلبي، والمشهد الذي تسمرت قدماي أمامه، لدرجة أنني أحسست بأن نوعاً من الشلل قد أصابني، هو ما سرده علي مرافقي قائلاً: إنه في انتفاضة الأقصي عام ٢٠٠٠، التي قامت بسبب زيارة «شارون» إلي المسجد ونيته الدخول إلي ساحة الأقصي، التي انتفض فيها شباب وأرامل وعجائز الشعب الفلسطيني مسلموه ومسيحيوه في تلك الساحة وتصدوا لدخول شارون بجيشه،

وبالفعل لم يدخل، في تلك الأيام قام شاب فلسطيني بتسلق قبة الصخرة المشرفة وبين يديه احتضن العلم الفلسطيني ووصل بالفعل إلي قمة القبة وحاول أن يرفع العلم عالياً مرفرفاً لكن رصاصات جيش الاحتلال الغادرة والخائنة واللعينة نالت منه فوقع شهيداً في قلب ساحة الأقصي بعد أن استقرت ما يقرب من ٢٠٠ رصاصة في أنحاء جسده.. آهة موجوعة.. وصمت أليم لم أملك سوي أن أصحبهما معي داخل المسجد الأقصي.

مشهد (٢)

فليحسدني الجميع.. صليت في الأقصي حيث الصلاة الواحدة بـ«٥٠٠ صلاة»، هذا أول ما فعلته عندما حطت قدماي علي أرض المكان المقدس.. ولست وحدك قارئ هذه السطور محروماً من الصلاة في الأقصي فأهل فلسطين جميعها، خاصة ساكني الضفة الغربية وغزة، محرومون منها أيضاً، لأن الاحتلال الإسرائيلي يمنعهم عنوة من الدخول لمدينته، وبالتالي زيارة أماكنهم المقدسة والصلاة فيها، وإذا كنت أنت تحسدني قيراطاً فأهل هذا الوطن المغتصب يحسدونني ٢٤ قيراطاً.

وكما قالوا لي: إن الحج إلي بيت الله الحرام أسهل بالنسبة لنا كثيراً من زيارة الأقصي، رغم أن الأول يبعد أميالاً والثاني كيلو مترات ولكنه قدرنا.. رحت أتجول وأملي عيني بالمكان المقدس الذي خلا تماما من المصلين اللهم إلا عدداً قليلاً يعد علي أصابع اليد.

حالة من الصمت والتوجس سادت أرجاء المكان، وقفت عند «منبر صلاح الدين الأيوبي».. شيء عبقري ولا يوصف، تحفة فنية نادرة.. هنا وقف صلاح الدين، محرر القدس، وهنا دخل اليهودي المتطرف «مايكل روهن» عام ١٩٦٩ بحذائه ليدنس الأقصي ويحرقه لتحرق أجزاء كبيرة من الأقصي وليحرق معه «منبر صلاح الدين».

وفي هذه اللحظة فقط تحرك العرب والدول الإسلامية وتم جمع تبرعات لترميم ما أفسدته الأيدي الصهيونية، وتم ترحيل ما تبقي من «منبر صلاح الدين» إلي المملكة الأردنية الهاشمية لإعادة بنائه من جديد ليستغرق ٧ سنوات كاملة من العمل الشاق والمضني، خاصة أن هذا المنبر كان قد صمم علي طريقة الأرابيسك ولا يوجد فيه مسمار واحد..

ولفت نظري صندوق زجاجي كبير يتوسط قلب المسجد الأقصي، وقبل أن أسأل مرافقي أجابني: هذه الخزانة الزجاجية التي ترينها أمامك تحوي كل نوعية الأسلحة والقنابل التي تُلقي علي المصلين والجالسين داخل المسجد الأقصي من قنابل غاز مسيلة للدموع وسامة، ورصاص مطاطي قاتل.. وقد قامت هيئة الأوقاف بجمع هذه الآثار لتكون شاهداً علي إدانة والظلم والهمجية التي يتعاملون بها معنا، وبالمناسبة هذا عدد قليل جداً مما يلقونه وغالباً ما تقع هذه الحوادث أثناء صلاة الجمعة من كل أسبوع.

مشهد (٣)

من قلب المسجد الأقصي نزلت تلك الأدراج لأصل في النهاية إلي «المسجد المرواني» الذي يقع تحت أرضية الأقصي.. كنت أعرف أن هذا المكان شهد معركة بين اليهود والمسلمين لا مثيل لها.. فسألت أحد حراس الأقصي عن التفاصيل.

بدأ أحمد العباسي حديثه قائلاً: كل جزء من أجزاء المسجد الأقصي تعرض لهجمة شرسة من الكيان الصهيوني وأهم جزء كان معركة المرواني وهي معركة بالفعل لأننا استطعنا الحصول علي هذه المنطقة من وأنياب اليهود الذين حاولوا الاستيلاء عليها لتكون معبداً لهم يقيمون فيه شعائرهم، وهذا المصلي هو الطابق السفلي للمسجد الأقصي وسُمي المرواني نسبة إلي «عبدالملك بن مروان»،

وكان الصليبيون أثناء احتلالهم للقدس يستخدمونه «اسطبلات لخيولهم» وعندما علمنا أن اليهود يريدون الاستيلاء عليه قامت حملة شعبية اشترك فيها الشباب والأطفال وحتي العجائز من السيدات والرجال وقاموا بترميم هذا المكان وتحملنا المضايقات الكثيرة من قبل قوات الاحتلال خاصة لإدخال مواد الترميم من الأسمنت والحديد واستطعنا خلال ٤ شهور فقط إعادة المصلي المراوني لبهائه ورونقه الذي يليق به، وأن ننتصر في المعركة علي اليهود.

سعدت سعادة بالغة ووجدتني أدعو الله من قلبي وبحرقة من هذا المكان المقدس أن ينتصر الفلسطينيون في معركتهم التي يخوضونها وحدهم، دون أي مساندة من أحد ضد الاحتلال الإسرائيلي.. ولكن هل الدعوات وحدها تكفي لإعادة فلسطين عربية؟!

مشهد (٤)

«حائط البراق».. هو ذلك الحائط المبارك الذي ربط الرسول صلي الله عليه وسلم براقه فيه ليعرج إلي السماء مع جبريل عليه السلام.. من خامس بل عاشر المستحيلات أن أدخل إليه لأنه ببساطة أصبح «حائط المبكي» بعد أن استولي عليه اليهود وغيروا معالمه ومنعوا دخول أي مسلم إليه بل أغلقوه بالضبة والمفتاح.

«حائط البراق» ليس هو الشيء الأول والأخير الذي يعد مثالاً صارخاً ودموياً ومتعنتاً وظالماً وقاهراً للأماكن المقدسة، بل وصل الأمر إلي إقامة الحفائر حول المسجد الأقصي وتحته بحجة البحث عن «الهيكل» المزعوم والتي تدعي إسرائيل وجوده في منطقة المسجد الأقصي وقد بدأت هذه الحفائر بعد نكسة ١٩٦٧ مباشرة ولاتزال مستمرة حتي الآن ولعل أشهرها فتح النفق الجديد مساء عيد الفطر اليهودي وتحديداً في يوم ٢٤/٩/١٩٩٦ تحت المسجد الأقصي مباشرة كخطوة أولية لهدم الأقصي واهتزاز أساساته.

يمتد هذا النفق مسافة ٤٠٠ متر تحت الحي الإسلامي العربي في مدينة القدس ويبدأ من حائط البراق أسفل المسجد وقد فُتح جزء منه بعد النكسة أما الجزء الأخير وطوله ١٠ أمتار فقد فُتح حديثاً بعد عام ١٩٩٦، ويعد هذا النفق الثالث تحت أسوار المسجد الأقصي وتم وصله بنفق البراق.. ووصلت الوقاحة بهم إلي القيام ببث ليلي لتسجيلات أصوات حفارات ومطارق آلية حتي يعتاد الفلسطينيون علي هذه الأصوات بحيث يتم في إحدي الليالي فتح باب النفق الجديد بعد أن تكون أصوات المعدات حقيقية.

وبالطبع لا ننسي المحاولة الفاشلة علي يد جماعة «حشمونائيم» المتطرفة لتفجير قبة الصخرة عام ١٩٨٢ ووحده تعالي فقط أنقذها عندما جعل حراس الأقصي يكتشفون تلك الشحنات قبل انفجارها.. دائماً ما تؤدي المقدمات إلي نتائج.. ونتيجة تلك الحفائر شديدة الخطورة يكفي أن تعلم أن المسجد الأقصي مهدد بالانهيار في أي لحظة تقوم فيها حفرة أرضية.

والسؤال هنا: ألا توجد «هزة إنسانية عربية» تنقذ الأقصي المستغيث..؟!

مشهد (٥)

هم الساهرون ليلاً ونهاراً علي أمنه وأمانه، المتعرضون دائماً للقتل والضرب وجميع أشكال الإهانات، هم الخط الدفاعي الأمامي والأول عن المسجد الأقصي، والحراس الذين عينتهم السلطة الفلسطينية للمسجد المقدس.

كنت حريصة أن أتكلم مع أحدهم الذي راحت عيونه كالصقر ترقب وتسجل من بعيد.. «أحمد عبدالله» بدأ حديثه معي قائلاً: سجنت في الانتفاضة الأولي في نفس الزنزانة التي اعتقل فيها والدي كنوع من التعذيب والإهانة لي وله.وبعد أن خرجت من سجن «عسقلان» وبعد قضاء ١٠ سنوات كاملة جئت إلي هنا من أجل حراسة الأقصي.

سألته مباشرة عن المجزرة التي وقعت في ساحة الأقصي علي إثر محاولة دخول شارون عام ٢٠٠٠، فتحدث وكأنه يدري المشهد أمام عينيه: قامت الدنيا ولم تقعد، ورغم كل أجهزتهم الأمنية ورغم الحصار والقيود علي دخولنا إلي الأقصي إلا أن ساحة المسجد في هذا اليوم كانت مكتظة بألوف مؤلفة من أبناء القدس والضفة الغربية أيضاً، الجميع احتشد بالحجارة ولكنها كانت في مواجهة الرصاص.. رأيت بعيني قبل أن أروح في غيبوبة علي إثر إصابة ٢١ شاباً استشهدوا رمياً بالرصاص علي رءوسهم وآخر مشهد كان استشهاد سيدة عجوز يقترب عمرها من الستين.. لحظتها وكعادتهم لا يفرقون بين امرأة أو طفل.

وتابع: أما عن المضايقات اليومية التي نتعرض لها فاسمحي لي أن أقول لك إنهم يتفننون بل ويقومون بعمل دراسات حول كيفية مضايقتنا، وعلي سبيل المثال هم يسمحون للسياح الأجانب من مختلف الجنسيات بالدخول إلي المسجد الأقصي وأحياناً كثيرة تكون السيدات الأجنبيات غير محتشمات بالمرة وبالتالي نرفض دخولهن.. دخولهن إلي المسجد إلا بشرط أن يسترن أجسادهن وشعرهن.. هنا تتدخل الشرطة الإسرائيلية الواقفة علي بوابات الأقصي وتحدث المشادات وكثيراً ما يرموننا في المعتقلات والسجون لمجرد أننا نحافظ علي مقدساتنا.

المشهد الأخير

قبل أن أودع «الأقصي».. وقبل أن أخرج عن ساحاته.. استوقفني أحد المارة متسائلاً:

* الأخت مصرية؟

- قلت نعم.

أستطيع أن أشم رائحة عبدالناصر من خلالك.. سلامنا للشعب المصري ونهر النيل والأهرامات تحياتنا لكل مَنْ يقف معنا من المصريين الرافضين للتطبيع.. قولي لهم وللعالم العربي: فلسطين بخير رغم كل المؤتمرات والمؤامرات اللي ما بتسوي شيء.. هم شاطرين في الكلام والكلام مش هيرجع أرضنا، السلاح وحده هيرجعك يا فلسطين ...

دمتم ...
التوقيع

  رد مع اقتباس
قديم 08-26-2008, 08:35 PM   #4 (permalink)
افتراضي رد: من اجمل ما كتب عن فلسطين

مشكور فادى على ما قدمت
وبارك الله فيك
التوقيع

  رد مع اقتباس
قديم 08-26-2008, 11:31 PM   #5 (permalink)
 
الصورة الرمزية فادي

 









فادي غير متواجد حالياً
افتراضي رد: من اجمل ما كتب عن فلسطين

مشكورة أمل على المرور ...
التوقيع

  رد مع اقتباس
قديم 08-27-2008, 07:58 PM   #6 (permalink)
مشرف الملتقى الاجتماعي
 
الصورة الرمزية ابو ليان

 









ابو ليان غير متواجد حالياً
افتراضي رد: من اجمل ما كتب عن فلسطين

[align=center]
يعطيك الف عافية فادي على المجهود الرائع
[/align]
التوقيع

<font size=4><font color=#ff6347>[align=center]يا زهرة النيران في ليل الجليل .... اما فلسطين واما النار جيلا بعد جيل....[/align]</font></font>

  رد مع اقتباس
قديم 08-27-2008, 08:58 PM   #7 (permalink)
افتراضي رد: من اجمل ما كتب عن فلسطين

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
التوقيع

  رد مع اقتباس
قديم 10-29-2008, 08:45 PM   #8 (permalink)
 
الصورة الرمزية فادي

 









فادي غير متواجد حالياً
افتراضي رد: من اجمل ما كتب عن فلسطين

أبو ليان ولحن

مشكورين على المرور

ويعطيكو العافية
التوقيع

  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags - تاق )
اجمل, فلسطين


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر رد
اجمل دمعه...؟ لحن الوفاء حركات المـواضيـع الـعـــامــــة 9 10-08-2008 09:56 PM
اجمل ما قيل عنهما دلال المغربي حركات المـواضيـع الـعـــامــــة 4 07-15-2008 07:19 PM
من اجمل ما قرات النورس حركات المـواضيـع الـعـــامــــة 4 04-16-2008 04:08 PM


الإعلانات النصية


الساعة الآن 11:19 PM.


 
RSS 1 | RSS 2 | PHP | XML | ROR | URLLIST | HTML
Sitemap XML | sitemap-1.php | Sitemap URLLIST | Sitemap PHP
sitemap-1.xml | sitemap.mht | sitemap.html
Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd