ياسر الزعاترة
ربما كان من الصعب وضع اتفاق التهدئة الذي سرى صباح الخميس بين حماس والدولة العبرية على قدم المساواة مع اتفاق نيسان 1996 بين حزب الله والدولة العبرية، والذي مهّد عملياً لانتصار أيار عام 2000، لكن الأكيد أن ثمة شبها بين الاتفاقين، أقله في وعي بعض الإسرائيليين كما عكست ذلك الصحف العبرية.
جاء تمرير تل أبيب للاتفاق الجديد ليعكس الوضع البائس الذي يعيشه المجتمع الإسرائيلي، أولاً بسبب أزمته السياسية المتفاقمة في ظل ملف فساد أولمرت وغياب القيادة البديلة المقنعة، وثانياً في ظل تراجع الثقة بالمؤسسة العسكرية بعد هزيمة تموز أمام حزب الله، فضلاً عن العجز عن تركيع قطاع غزة رغم الحصار الخانق، ورغم الضربات العسكرية المتوالية. ولا شك أن التقييم الذي وضعته قيادة الجيش أمام المؤسسة السياسية الأسبوع الماضي، والذي تضمن تفصيلات لا تخلو من مبالغة حول تنامي القدرات العسكرية لحماس، إنما يعكس قرارها التهرب من المواجهة العسكرية.
على هذه الخلفية وقع تراجع الإسرائيليين. فما بين العرض الذي قدموه قبل ستة أشهر، وبين الاتفاق الذي وقع أخيراً مسافة كبيرة اضطروا إلى قطعها بسبب الصمود الفلسطيني وبسالة المقاومة من جهة، وبسبب أزمتهم الداخلية من جهة أخرى، ومن ضمنها العجز عن وقف الصواريخ التي نغّصت حياة مئات الآلاف من المستوطنين فيما يعرف بغلاف غزة.
كان العرض الأولي أشبه بصك استسلام، بينما جاء الاتفاق الأخير مختلفاً إلى حد كبير، ولعلها المرة الأولى في تاريخ المقاومة الفلسطينية في الداخل التي يتم الاتفاق فيها على وقف متبادل ومتزامن لإطلاق النار يتضمن ساعة صفر، معطوفاً على رفع للحصار وفتح للمعابر. صحيح أنه لا يشمل معبر رفح بسبب الموقف المصري، لكنه يمهّد لذلك بالتوافق مع السلطة والأوروبيين.
ليس وقف المقاومة أمراً يحتفى به في واقع الحال، لكننا نتحدث عن اتفاق جاء في ظل وضع خاص يعيشه قطاع غزة، وفي ظل حاجة الفلسطينيين عموماً إلى فرصة لالتقاط الأنفاس ولم الشمل وترتيب الأوراق، كما أن ما جرى ليس إعلاناً بانتهاء المقاومة، بدليل رفض حماس الشرط الإسرائيلي المتعلق بجعل التهدئة مفتوحة، وإصرارها على تحديدها بستة أشهر، فضلاً عن رفضها ضمان التهدئة، وإصرارها على كونها تتم عبر التوافق الوطني وبرعاية مصرية، الأمر الذي انصاع له الإسرائيليون أيضاً ووافقت عليه مصر.
وعندما طالبوا بشمول الجندي شاليط بالصفقة، رفضت حماس ذلك مصرّة على دفع استحقاقات الصفقة من الأسرى الفلسطينيين، فكان أن مضى الاتفاق من دون هذا الشرط. أما شمول الضفة بالتهدئة فثمة نص على أن تعمل مصر على نقله إليها لاحقاً.
لا خلاف على أن حماس وجدت نفسها في مأزق بسبب الانتخابات وبعدها الحسم العسكري في قطاع غزة، لكن ذلك لم يدفعها إلى التخلي عن ثوابتها في رفض الاعتراف بالكيان الصهيوني أو التنكر للمقاومة، أما التهدئة الحالية فهي هدنة عابرة جاءت تبعاً لحاجة فلسطينية، وما يردده خصومها من كلام ممل حول موقفها من التهدئة الحالية قياساً بالعروض السابقة ليس صحيحاً، إذ لم تقف حماس يوماً خارج الإجماع الوطني، بدليل موافقتها على تهدئة 2005، وقبل ذلك تركها المجال أمام جماعة أوسلو كي يجربوا خياراتهم رغم تناقضها الواضح معها، خصوصاً بعد عام 97.
أياً يكن الأمر فهي جولة يبدو التراجع الإسرائيلي فيها أكثر وضوحاً تعكسه الصحافة الإسرائيلية، وإن تكن بدورها تعبيراً عن حاجة ماسّة لمختلف الأطراف المعنية بالوضع الفلسطيني، ومن ضمنها مصر والولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية، فضلاً عن حماس المحاصرة في القطاع. والأمل بالطبع أن يجري استغلال هذه المرحلة في إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، ليس على قاعدة رفض المقاومة والمضي في برنامج تفاوض عبثي بصرف النظر عن الموقف الإسرائيلي، ولكن على قاعدة المقاومة والصمود التي أثبتت أنها الوحيدة القادرة على فرض التراجع على العدو.
لا خلاف على إمكانية أن يتنصل الإسرائيليون من التهدئة بعد قليل من الوقت، ربما بعد إنهاء قضية الجندي، وأن يبادروا إلى اجتياح القطاع بعد ترتيب أوراقهم، الأمر الذي تأخذه حماس وقوى المقاومة في الاعتبار، هي التي تعلم أن صراعها مع العدو لم ولن يتوقف، خلافاً لآخرين يريدون وقف المقاومة المسلحة بالكامل وانتهاج سبيل التفاوض بصرف النظر عن نتائجه على الأرض.