نساء فلسطينيات - زوجة شهيدين...
--------------------------------------------------------------------------------
ملامحها الجادة فرضتها ظروفها التي عاشت.. فقد لعب الزمان معها لعبته.. فأضناها الفراق..واعتصر قلبها الالم لما لاقت !! مريم اسماعيل فرج الله عانت الأمرّين فقد استشهد زوجها الاول...واستشهد زوجها الثاني!! وأنا في طريقي للالتقاء بها قلت لنفسي كيف أسألها ان كان ذلك قد خلف ما لاقت مرارة بداخلها؟ وانا اعرف بأن ذلك قد حفر بداخلها حزنا وجرحا ولا أعمق!!
جلست اليها في منزلها الواقع بمنطقة الراس غربي بلدة اذنا الواقعة الى الشمال الغربي من محافظة الخليل وبدأت تروي القصة وفي كل عبارة ألف غصّة!!
مريم فرج الله تزوجت من زوجها الاول فرج الله اسماعيل فرج الله "الذي يعمل في البناء"حين كان عمرهما 19 سنة وسكنت معه بمنطقة التربة ببلدة اذنا , وأنجبت منه مصعب ثم عمر.
حياة هادئة استمرت لأربع سنوات أو يزيد ,ولم يلكن يؤرقها الا اقتحام قوات الاحتلال لبلدة اذنا بين حين وآخر ..اذ كان فرج الله حاله كحال شباب بلدته.. يدافع عنها بالرغم من أنه لم يكن ينتمي لأي حزب من الاحزاب.. فانتماؤه الوحيد للأرض التي ولد.. وعاش.. وتربي عليها..,ومع ذلك لم ذلك هاجسا كبير فهو حتى لم يعتقل يوما من الايام ,وبالتالي فان فكرة أن يأخذه أحد منها ضرب من الخيال...فكيف ان كان الموت!!
لم تكن تعرف مريم أن تاريخ 24/4/88 سيحفر في داخلها للأبد !يوم سيغير مجرى حياتها!!فقد بدى يوم السادس من رمضان يوما عاديا تقول مريم" في صباح ذلك اليوم توجهت برفقة زوجي وابني مصعب البالغ من العمر -في ذلك الحين- سنتين لزيارة أخته في منطقة "واد عزيز "وفي طريق عودتنا مررنا ببيت قريب لي والذي دعانا للافطارعنده لكن زوجي رفض ذلك, وقال لقريبي مازحا"لا أفطر عند من لا يصوم.."وتم ذلك بسرعة وكأن زوجي يستعجل شيء ما..!!
وأضافت فرج الله"وفي طريقنا للبيت مررنا بوسط البلد"بلدة اذنا"فاذا بمواجهات بين الشبان وقوات الاحتلال ,فما كان من زوجي الا أن أسرع بايصالي للمنزل ,و قام على الفور بحلاقة ذقنه ..واستحم.. وتعطر كأنه عريس.. في يوم عرسه!!كما بدى عليه أنه "طاير من الفرح".
ولأننا نعرف أنه سيسعى للمشاركة في التصدي لقوات الاحتلال تقول أم مصعب "قام زوج أخته باغلاق الباب في وجهه خوفا عليه كي لا يخرج بعدما أصر ذلك,وبضغط من أخواته قبل البقاء في المنزل بعدما اشترط أن افطارهم معنا ..وبعدما وافقوا طلب مني تحضير ثلاث الى أربعة أصناف من الاطعمة على الافطار! وعندما قلت له هل ستأكل من كل ذلك ؟؟أجابني قائلا " طالما الجيش عندنا لا أعرف سنأكل أو لا ناكل؟؟
وأضافت زوجة الشهيد فرج الله" بمرارة رافقت لمعة في عينيها"المهم.. جلس معنا على ظهر سطوح المنزل وبلحظه فقدناه فلم نجده!! ليتبين لنا أنه قفز من سطوح لآخر ونزل من خلف المنزل !!حتى أن أمه لاحظته وسألته عن وجهته فأجابها حينها قائلا" أعود قريبا"فطلبت منه أن لا يذهب لأن اطلاق النار مستمر ..الا أنه مضى في طريقه...كمضيّ الرجال الى المعركة...,وبرفقة شبان البلدة بمنطقة "التلّ"بدأوا برجم جنود الاحتلال بالحجارة حيث استمر المظاهرات واستمر رشق الجنود بالحجارة من ساعات الظهر الى ما بعد السادسة مساءا .
وبعد نصف ساعة تقول مريم فرج الله من بلدة اذنا القريبة من الخليل"توقف اطلاق النار وأشيع ان الجيش قد ذهب فنزل الشباب ومنهم زوجي من منطقة اسمها "الزحليقه" وكان أن رأينه بعض القريبات فقاموا بمساعدته على غسيل يديه خشية اعتقاله ان أمسكته قوات الاحتلال بعد المواجهات وشاهدوا آثار الحجارة على يديه.. وطالبنه بالعوده لأولاده.. وفجأة!!!عاد جيش الاحتلال فهرب الجميع ومنهم زوجي ولكنه تفاجأ بأن أحد المداخل مقفل, واذا بجندي احتلالي يطلق عليه الرصاص من على أحد الاسوار المحيطة فيرديه على الفور!!
وأضافت"علمت لاحقا أنه في نفس تلك اللحظة بالذات قد قال شقيق زوجي لزوجته مع سماعه لتلك الرصاصة" حاسس أن هذه الرصاصة أصابت فرج الله؟؟؟
بعد ذلك ساد الهدوء ..وما هي الا دقائق تقول مريم حتى أتت احدى الجارات وقالت أن فرج الله قد أغمي عليه فتملكها الخوف وأرادت أن تطمئن أن الامر لا يتعدى ذلك فذهبت واخته الى منطقة "الميدان "وسط البلدة للتثبت من ذلك ..فلم نجد أي أثر للدماء فطمأنني ذلك بعض الشيء, وعدت للبيت بانتظار سماع أخبار عودته من المشفى في الخليل بعدما رفض اخوانه ذهابي الى هناك.
وتواصل أم مصعب حديثها عن زوجها الشهيد وهي تسترجع شريط المرارة كما كان أو أكثر"جلسنا أمام البيت بانتظار خبر قدومه الينا معافا واذا بهم يحضروه في سيارة اسعاف..لكنه لم ينزل منها سيرا!!بل مغطى بكفنه الابيض!!!وبدأ الجميع يلطم وجهه ..وأصبت بصدمة لدرجة أنني بدوت وكأنني أهذي!!اذ أخذت أسأل النساء "لماذا حماتي تلطم وجهها؟ فقالوا لي لأن زوجك استشهد؟؟!!فشعرت باختناق شديد ولم أعد أدري بحالي لعدة أيام.. وعلمت لاحقا أنه استشهد في طريقه الى المستشفى وأن اصابته كانت مباشرة في القلب ,وبذلك فارقني بعد زواج استمر أربعة سنوات حيث رحل بتاريخ 24/4/1988 وكان عمره آن ذاك23 سنة, رحل فرج الله وأخذ حياتي معه!! ولم يبقي لي الا الألم لفراقه وترك لي مصعب ذو العامين وعمر وعمره 35 يوما فقط!!
بعد تجرع الصدمة تقول زوجة الشهيد فرج الله اسماعيل فرج الله وبعد مرور فترة معينه وجدت أن من الواجب أن تنتقل للاقامة في بيت أهل زوجها لتقوم بتربية أطفالها في كنفهم , خاصة وأن كل شيء كان متوفرا اضافةالى مبلغ رمزي يصلها عن زوجها الشهيد يساعدها على تربية اطفالها الذين لم يتعرفوا على ملامح والدهم ولم يشعروا بدفيء يداه يوما.
و بعد قرابة ستة اشهر على استشهاده ,وفي نهاية العام 1988 طلب منها والحديث لمريم فرج الله..طلب شقيق الشهيد الكبير ان تتزوج بشقيق الشهيد الاصغر احمد الغير متزوج, و يعمل كعامل وعمره23 سنة,لكنها رفضت في بادي الامر كما تقول وأضافت" رفضت ذلك لأنه كان يعمل في اسرائيل وذلك ما يعرضه للخطر.. وأنا لا استطيع تحمل مصيبة أخرى " قالت لشقيق الشهيد الاكبر..والذي أجابها قائلا" أحمد قال نفس العبارة ..وقال ايضا ان مش ضامن حياتي!!"
المهم تقول أم مصعب"وافقت أخيرا على الزواج منه لأني كنت في ظروف سيئة في العائلة,ووافقت كذلك لأن أهلي وافقوا أيضا, وفعلا كتب كتابي عليه بنهاية العام بنفس الفترة, الا أنني طلبت تأجيل الزواج لما بعد فطام ابني عمر الذي اصبح عمره حوالي سبعة أشهر,فقبل أحمد ذلك , وبعد فترة فرضت قوات الاحتلال نظام حظر التجول على البلدة.. وقدموا للبيت واعتقلوه ,وحكم عليه ستة اشهر اداري بتهمة انتماؤه لحركة حماس,وعقب خروجه تزوجنا وأنجبت منه طفل , وبعد سنتين من زواجنا اعتقل مرة أخرى وحكم ثلاث سنوات ونصف السنة ..وطلب مني وهو بالاسر أن اسمي ابنتي بوعد فكان ذلك .وهكذا كانت حياتنا..اذ كان يخرج بضعة أشهر ثم يعتقل من جديد لذا كانت ظروفنا غير مستقرة في هذه المرحلة ,فكنت قلقه على مستقبل أولادي فالى جانب كلا من مصعب وعمر لدي منه وعد وصابرين وورد ومعاذ.
ومع مطلع العام 2001 عرض عليه زوج أختي عملا مستقرا في الخليل كعامل تموين أو كمحاسب بدلا من مهنة العامل في اسرائيل لكنه كان دائما يرفض ذلك!الا أنه وبعد الحاح مني ومن العائلة وفي منتصف العام 2001 قبل العمل كناطور لفترة معينة في احدى مزارع ألأبقار في الخليل.
وفعلا تقول زوجة أحمد فرج الله "رأيته يضع حوائجه في شنطة فاستغربت كثرة الملابس التي يضعها فسألته عن السبب؟ خاصة وأنه عمله كناطور بالمزرعة سيكون ليلا على أن يعود في النهار! فأجابني قائلا"لا أعرف ان كنت سأرجع أم لا!!!"وذهب فعلا لعمله وعاد في نهار اليوم التالي "يوم " فطلب مني على غير عادته طعاما خاصا ..ولاحظت أنه ينظر لكل شيء كمن ينظر للشيء كآخر مرة..كما أنه قد بدى مستعجلا .
وفي ثاني يوم وأثناء عمله في المزرعة تقول أم مصعب والألم والمرارة تعتصر قلبها" رأيت خبرا عاجلا عبر الفضائيات يفيد بوجود قصف لاحدى مزارع الابقار القريبة من احدى المستعمرات في الخليل لكنني لم انتبه نهائيا.. أن الامر له علاقة بزوجي !!
وأضافت"أذكرأنه قد حضر ابن عم لي للبيت وقال جهزي نفسك أحمد مصاب!! فأخذت أصرخ واصيح ,لكنه حاول أن يهديء من توتري من خلال قوله أن الاصابة سطحية وأنا في رجله... ورغم ذلك أتاني الاحساس القديم ان ما يقوله غير صحيح..
وفعلا تقول زوجة الشهيد أحمد فرج الله" ذهبنا ورأيناه من خلف زجاج غرفته في مستشفى الميزان.. وقد بدى في غيبوبة تامة وعرفنا أن الاصابة في عموده الفقري وأن رصاصة أخرى كانت قد خرجت من بطنه!!وبعد المغرب سمح لنا بالدخول اليه انا ومصعب وعمر وكان ينظر لنا بالعين فقط ولم يتحسن وضعه في اليوم التالي,وبعد يوم زيارة آخر وجدت أن شكله مختلف ولونه يميل الى اللون الازرق فما وجدت من أهله وأهلي الا أن أجبرونا على المغادرة ...واعلمنا ونحن في الطريق انه استشهد.!!فأخذت ألطم وجهي وأصيح ..ولا أعرف ماذا أفعل بحياتي وقلت لنفسي"ماذا فعلت ليحدث معي كل ذلك!!
أم مصعب لشدة ما عانت في حياتها تمنت لو أنها تشارك في احدى المظاهرات لعل القدر يأخذها بطريقه.. كما تمنت لو أنها تصعد في احدى الحافلات فتنقلب بها فتموت وحدها لعل ذلك يريحها مما هي فيه!!
ومع كل ذلك تقبلت وعاشت أم مصعب صامدة صابرة تضمد جرحها بيديها رغم كل الحرقة وكل المرارة الا أن نظرتهاا للحياة اختلفت جذريا...ومع كل ذلك أيضا مضت في حياتها بهدف تربية ابناءها الستة ..فكان أن زوجت مؤخرا ابنها مصعب بعدما بلغ 20سنة
وفي ختام حديثها المجبول بالدموع تمنت زوجة الشهيد فرج الله والشهيد أحمد أن يكون أولادها أبطال .. شجعان كآباءهم لأن الوطن بحاجة لأن يجد من يدافع عن ترابه وأضافت"حتى نحنا النسوان مستعدين نضحي بأرواحنا".
حياة قهر ومرارة عاشتها مريم أحمد فرج الله وهي الآن في الاربعينات من العمر الا أن من يراها يقرّ بأنه هكذا تكون الصابرات والا فلا..
أما عمر ابن الشهيد فرج الله والبالغ من العمر 17 سنة والذي سمع ما سردته أمه وهو يقبض على يدها فقد تحدث عن المأساة كما عاشها هو حيث قال"لم أرى والدي الشهيد فرج الله ولم احتضنه يوما!! فقد استشهد وعمري 35 يوم ,وبالتالي كان عمي أحمد كل شيء في حياتي فقد كان يوفر لنا كل شيء ,واستشهاده أثر في حياتي ويوم استشهاده يوم لا أنسى تفاصيله ما حييت حيث أذكر أنني كنت في المدرسة وكان عمري 14سنة فأتى بعض الاقرباء لللمدرسة وطلبوني من مدير المدرسة فخرجت معهم وكنت سعيد لأنني خرجت من المدرسة ولم أكن ادري بما سأواجه .
وحين وصلت البيت يقول عمر "وجدت كل شخص من العائلة في زاوية من الزوايا يبكي, فخفت كثيرا وبدأت أسأل عما حدث؟ فلم يجبني أحد!!وبالنهاية علمت أن عمي قد أستشهد!! فأخذت أبكي واحتضن أمي التي أشبعها الزمان مرارة فكانت أكثر لحظة حسيت فيها بالموت!!
عمر أيضا تشرب الصبر من أمه التي عاشت الامرّين اذ لم يثنيه كل ذلك عن مواصلة دراسته حتى نجح وتفوق في الثانوية العامة وهنالك من يساعدونه الآن لاكمال دراسته في بريطانيا. وقال"لأجل أبي وعمي يجب أن أنجح وأتفوق وكذلك لأجل أمي التي يجب أن قدم لها كل احترام جزاء ما عانت وتحملت.