الاهداءات | |
| |||||||
| حركات القصص والروايات منتدى القصص الواقعية و الأدبية و الحكاية الشعبية . |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | طريقة عرض الموضوع |
| | #2 (permalink) | ||
| الجزء الثاني .. خلال سنته الأولى في السجن عانى المحامي كثيراً من مآسي الوحده والملل .. بدأ ذلك جليّاً عبر ماكان يدونه من مذكرات .. وكان صوت البيانو ينساب في هدوء من جناحه ليل نهار .. ورفض أستقبال التبغ والشراب إذ أن الأخير كما كتب يثير الرغبات..عدو السجين الاكبر .. أما التبغ فقد كان دخانه يلوث أجواء الغرفه .. وأستمر وصول الكتب ذات الطابع الخفيف إليه .. روايات غراميه وقصص حربيه وأخرى كوميديه .. في السنه الثانيه توقف البيانو فلم يُعد يُسمع وأكتفى السجين بقراءة روائع الأدب العالمي .. أما في السنه الخامسه فتسلّل صوت البيانو إلى الأسماع مجدداً وطلب السجين بعض المشروبات وقال عنه من راقبه عن كثب بأنه أمضى معظم ذلك العام في تناول الطعام والشراب وفي الأسترخاء على أريكته ... وماأكثر ماتثاءب وتحدث بغضب إلى نفسه وكان يستيقظ في بعض الأحيان ليلاً فيكتب ويكتب ثم هو يستيقظ في الصباح فيمزق مادوّن .. وكان يُسمع في بعض الأوقات ... منتحباً !... في النصف الآخر من السنه السادسة , عكف السجين على دراسة اللغات والفلسفه والتأريخ بحماس إلى حدًَّ استعصى معه على المصرفي تزويده بما يطلبه من كتب حول ذلك ... وفي بحر أربع سنوات تم-بناءً على طلبه-شراء مايقرب من ستمائة مجلد له .. وفي خضم ذلك الشغف بعث بخطاب إلى المصرفي جاء فيه : سجاني العزيز : تصلك أسطري هذه بلغات ست .. وإني لآمل أن تعرضها على ذوي الأختصاص من الخبراء فأن أجمعوا على خلوها من أي خطأ .. فإني آمل أن تأمر بإطلاق رصاصة أستدل بها على صحة توجهي وأن جهودي لم تذهب أدراج الرياح .. لقد تحدث عباقرة الكون بألسنة شتى لكن اللهب ذاته كان يتأجج في ذواتهم طرّاً .. ليتك سيدي تدرك أي سعادة جمة تحتويني بعد أن صار بإمكاني معرفة مايقولون وفهم مايكتبون ! وكان للسجين ماأراد .. رددت جنبات الحديقه صدى مدوياً لعيارين ناريين أُطلقا إنفاذاً لتوجيهات المصرفي! بعد السنة العاشرة عكف السجين على قراءة الكتب الدينيه وتأريخ الأديان .. أما في العاميين الأخيرين له في السجن فقد أنكب على قراءة كمّ هائل من الكتب في شتى فنون المعرفة .. شد ماشغف بالعلوم الطبيعية يبحر في خضمها الساحر ثم يعرج على روائع"بايرون"و"شكسبير".. وكثيراً مابعث بطلب خطي لتزويده بكتب الكيمياء والطب والفلسفه.. وكان أمره في القراءة عجيباً .. إذ أن الكتب بالنسبة له شادت قطع الخشب المتناثرة على صفحة اليمّ يهرع إليها الغريق في لهفة من يأمل في النجاة من ذلك البحر اللجي .. فيجمعها قطعة قطعة واللهاث يمزق رئتيه ... استعاد المصرفي كل تلك الجزيئات في ذاكرته وفكر : -غداً في الساعة الثانية عشرة سيغادر السجين سجنه وسيكون لزاماً علي أن أفي بعهدي فأدفع له المليونيين عندها سأهوي إلى قرار الأفلاس! وغشت سحابة من الهم والكدر محياه إذ تذكر أنه كان يعد ملايينه فيما مضى من سنيّ عمره أما في حاضره ذاك فقد كان يتساءل بحسرة عما إذا كان عد ديونه فقد فاق حساب رصيده! أضاع القمار والتهور وقاعات البورصة ماجمعه مستدرجاً إياه إلى الخراب والدمار ليحوله بذلك من ثري فخور واثق الخطوة غير هياب ولا وجل إلى مصرفي عادي يرتعد فرقا لدى كل انخفاض في السوق أو ارتفاع .. -"ذلك الرهان المشؤوم"!.... تمتم العجوز ممسكاً برأسه في يأس وألم -لماذا لم يمت ذلك الرجل؟ ماجاوز الأربعين.... لقد بلغ أشده وسيضع يده على كل ماأملك.. فيتزوج ويضارب بمالي في ردهات البورصة أما أنا فسأظل أرنو إليه في حسد ولهفة متسول مسكين ولسوف تطرق مسمعي ذات الكلمات كل يوم " أنا مدين لك بما اجتمع لي من ثروة وسعادة دعني أنفحك شيئاً!" .. كلا هذا لايُطاق!-قال المصرفي في كمد-لن ينقذني من ظلمة الفقر والعار إلا موت السجين !! كان الجميع نياماً عندما دقت الساعة معلنة الثالثة .... وأصاخ المصرفي السمع فما تسلل إلى أذنيه سوى ذلك النحيب الؤلم لأشجار الخريف وقد جمدها الصقيع فهي تئن كلما داعب النسيم مكامن الشجن في أوتارها .. عندها هب واقفاً ثم تسلل إلى خزينته فأخرج منها مفتاح السجن الذي مامسته يد منذ خمسة عشر عاماً ثم ارتدى معطفه وخرج.. كانت الحديقة باردة مظلمة والمطر ينهمر بشدة فيما هبت موجة أقضّت مضاجع الأشجار مجدداً ... وفرك المصرفي عينيه فما تبين في خضم الحلكة شيئاً .. ولما حاذى جناح السجين هتف باسم الحارس مرتين ولما لم يجب أدرك أنه قد وجد في المطبخ أو الحديقة المغطاة ملجأ من الماء المنهمر -لو واتتني القدرة على تنفيذ مخططي لاتجهت أصابع الاتهام إلى الحارس دون شك وتلمس المصرفي العجوز طريقه في خضم بحر الظلمات حتى ارتقى درجات العتبه المفضية إلى جناح السجين ثم وصل إلى ممر ضيق فأشعل عود ثقاب وألقى على غرفة الحارس نظرة فإذا هي خالية إلا من سرير وموقد ... أما الأختام الموضوعة على مدخل باب السجين فكانت كما هي منذ وضعت وعندما خبا وهج عود الثقاب هز الانفعال جسد المصرفي وهو يسترق النظر عبر نافذة السجين الصغيرة. في غرفة المحامي كان ثمة شمعة واهنة تحترق ببطء وكان هو جالساً وظهره إلى مسترق النظر مابدا منه سوى شعر رأسه ويديه.. وعلى المنضدة والكراسي والسجادة انتشرت كتب مقلوبة كثيرة .. خمس دقائق مرت دون أن يُبدي السجين حراكاً! .. علمته سنوات السجن الطويلة أن يجلس كالتمثال دون حراك.. وطرق المصرفي النافذة بإصبعه فلم يحرك ساكناً.. عندها فضّ الأول أختام الباب قبل أن يدير المفتاح في القفل وأحدث القفل الصدي صرصرة مزعجة ثم سمع صرير الباب وهو يفتح! ... وتوقع المصرفي أن يهب السجين من مكانه لفرط المفاجأة.. فيصرخ في ذهول ... لكن دقائق ثلاث مرت دون أن يطرأ على السكون الموغل في تجاويف الغرفة أي تغيير.. فعقد العزم على الدخول .. أمام المنضدة جلس رجل غريب الهيئة.. فكأنما ودع منذ أزل عالم البشر .. كان هيكلاً عظمياً.. رق جلده حتى شفّ عما تحته أو كاد.. كان له شعر طويل أجعد كشعر النساء.. ولحية مغبرة شعثاء..أما لون وجهه فحاكى صفار التربة.. فيما غار خداه.. وتأمل ظهره فهاله مابدا عليه من طول ونحول .. وتلك اليد التي أسند عليها رأساً مشعراً.. لكم كانت تبعث على البكاء!.. كان مجرد النظر إليها يحرك في الذات أقسى مشاعر الشفقة والألم.. ووخط الشيب هامته.. تسللت خيوط الكفن البيضاء حتى كان معظمه حتى لم يعد يصدق من يراه أن ذلك الشبح الواهن لما يزل في بحر الأربعين.. وتحت اليد المنثنية على المنضدة كانت هناك ورقة دُوّن بها شئ ما .. -ياللشرير التعس! أنه الآن يحلّق مع أطياف الكرى حالماً بما سيصنعه فور تلقيه المبلغ المتفق عليه.... ليس لي الآن سوى حمل هذا الجسد شبه الميت لألقي به فوق سريره قبل أن أطبق عليه بيدي ولن تظهر أدق التحقيقات أي أثر لوفاة غير طبيعية ولكن دعني قبل هذا أن أقرأ ماكتبه هنا!
| |||
|
| | #3 (permalink) | ||
| الجزء الأخير .. ورفع الورقة فقرأ التالي : " غداً .. وفي منتصف الليل تحديداً سأسترد حريتي فأستعيد بذلك نعمة الاختلاط بالناس على أني أرى لزاماً علي- قبل أن أغادر غرفتي هذه فأبصر ضياء الشمس-أن أخبرك بشئ: أعلن وأنا بكامل قواي العقلية وبضمير واعٍ مرتاح-تحت رقابة من لاتنام عينه جل وعلا-بأنني أمقت الحياة والحرية وكل ماتنعته كتبك قاطبة .. بنعيم الوجود! لقد دأبت ولخمس عشرة سنة خلت على دراسة حياة الانسان على هذه الأرض.. صحيح أنى مارأيت أرضَاً ولا بشراً.. لكني .. في كتبك أبحرت إلى عوالم من خيال ... أثملني فيها رحيق الزهور وشدو الطيور .. رددّت روحي أعذب الأنغام وتوغلت في مجاهل الغابات فاصطدت الظباء والغزلان البرية.. ورأيت النساء.. نساء فاتنات كسحب الأثير أبدعتها قرائح عباقرة الشعراء... فتيات كن إذا أويت إلى فراشي يزرنني فيسكبن في مسمعي أروع الحكايا فانتشي لوقعها ويثمل فؤادي للحظات عفيفات .. عبر كتبك-سيدي-امتطيت قمم الجبال الشاهقة لـ"البروز"و"مونت بلنك".. واكتحات عيناي في ذراها بمرأى الشمس يتفتق عنها صدر الأرض..هناك في آخر العالم.. فتسكب أبان غروبها صبابة الذهب تطلي بها السماء والمحيط ورؤوس الجبال..سمعت هناك في الأعالي دوي الرعد.. ورأيت ومض البرق يقدّ الفؤاد الغيوم كسيف عنترة بن شداد .. رأيت غابات خضر وبيادر وحقولاً وجداول وأنهاراً ومدناً...ومست يداي أطراف أجنحة النوارس المبحرة في خضم السماء .. في كتبك-سيدي-سبرت غور بحار لجّيّة ... صنعت المعجزات أحرقت مدناً عن بكرة أبيها وحررت أقطاراً ! لقد منحتني كتبك الحكمة كل الحكمة ... إن عبقرية الإنسان وحصاد فكره الفذّ قد أختزل الآن في جمجمتي.. وأنا على يقين الآن بأني أفوقكم طرّاً علماً وثقافة وذكاء وحكمة ... على أني الآن أحتقر كل كتبك ..أمقت النعيم الدنيوي وحكمة الإنسان ..فقد أدركت أن كل شيء ماخلا الله باطل ... وأن كل مابنا من نِعَم ومالدينا من متع.. ماهو إلاسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً... أيقنت-سيدي-بأنك مهما كنت جميلاً غنياً حكيماً..فإن يد الموت لاشك ستمتد إليك لتمحوك عن وجه البسيطة..فتتساوى بذلك مع الجرذان النافقة تحت الأرض ... عندها لن ينفعك مال ولابنون إلا من أتى الله بقلب سليم.. تعساً لكم بني آدم ... تحسبون الزيف حقيقة .. وتخالون القبح جمالاً و... تستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ... كم أحتقرنا ماتمجّدون وخير دليل على ذلك .. هو إنني سأتنازل طائعاً مختاراً عن مبلغ الرهان المتفق عليه ..ذاك الذي طالما حلمت بأنه المفتاح إلى عوالم السعادة والنعيم ..ذالك الذي أمقته الآن في لايساوي في نظري شيئاً .. أجل سأحرم نفسيمن حق الحصول عليه إذ أني سأغادر هذا المكان قبيل الموعد المضروب بخمس دقائق ... فأكون بذلك قد خالفت بنود الأتفاقية ويصبح المصرفي في حلُّ ساعتها من دفع المتفق عليه لي .. عندما أنهى المصرفي قراءة ذلك وضع الورقة بهدوء على المنضدة ثم أنحنى فقبّل في حنان رأس الرجل الغريب وانخرط في بكاء عميق قبل أن يغادر الجناح .. ماأحس في أي وقت مضى بأزدراء ذاتي كذلك الذي أحس به آنذاك مطلقاً ...حتى يوم مُنيَ بخسارة فادحة في سوق البورصة .. وماأن دخل بيته حتى أستلقى على سريره لكن العذاب واالدموع والألم لم يسلمه للنوم إلا بعد مضي وقت طويل ... في صبيحة اليوم التالي جاءه الحارس المسكين يعدو .. وأخبره بأنهم قد بصروا السجين يتسلل من النافذة إلى الحديقة التي لفظته بعد أن عبر بوابتها .. وهرع المصرفي من فوره مع حارسه إلى غرفة السجين فكتب تقريراً بذلك ولتلافي ماقد ينتشر من إشاعات أخذ ورقة التنازل الخطي للسجين من على المنضدة وأبان عودته أقفل عليها باب خزانته .. أنتهت بحمد الله ,,
| |||
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags - تاق ) |
| الرهان, العالمية, القصص, روائع |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| طريقة عرض الموضوع | |
| |
المواضيع المتشابهه | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر رد |
| مشاهدة قنوات فضائية العالمية على الانترنت مباشرة | romaaa555 | حركات الشباب و الرياضة | 1 | 12-06-2009 06:26 PM |
| برنامج اسرار جميع الالعاب العالمية الحديثة | ابو جهاد | حركات الألعاب الاكترونية | 6 | 06-19-2009 07:11 AM |
| الكوفية الفلسطينية تتصدر ساحة الموضة العالمية | =يوسف= | حركات المرأه والأزياء | 6 | 04-05-2009 10:34 AM |
| من روائع الادب العالمى : مدام بوفارى | admin | مكتبة الكتب الالكترونيه | 4 | 03-12-2009 01:11 PM |
![]() الإعلانات النصية | |||