التسجيل تعليمات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الاهداءات


العودة   منتديات حركات > .:+::][ القسم الـعــــام ][::+:. > حركات الشريعة والعقيدة الصحيحة

حركات الشريعة والعقيدة الصحيحة اسلاميات , مقالات إسلاميه , أحاديث نبويه , احاديث قدسية , الزكاه ، الطهاره


::: فضل الجهاد في سبيل الله (30-37) :::

اسلاميات , مقالات إسلاميه , أحاديث نبويه , احاديث قدسية , الزكاه ، الطهاره



::: فضل الجهاد في سبيل الله (30-37) :::

حركات الشريعة والعقيدة الصحيحة


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1 (permalink)  
قديم 01-23-2009, 08:55 PM
الصورة الرمزية مهاجر
 

 









افتراضي ::: فضل الجهاد في سبيل الله (30-37) :::

فضل الجهاد في سبيل الله (30-37)
كتبه


د . عبد الله قادري الأهدل
(30)

فضل الجهاد في سبيل الله
وفيه ثلاثة فروع
الفرع الأول: فضل الجهاد في القرآن الكريم.
الفرع الثاني: فضل الجهاد في السنة النبوية.
الفرع الثالث: فضل الجهاد من أقوال السلف.
تمهيد:
سبق الكلام على تعريف الجهاد في سبيل الله، وأنه شامل لنشاط المسلم كله مادام يبتغي به وجه الله، وسيأتي مزيد من البيان لذلك، إن شاء الله في فصل أنواع الجهاد.
وتصوُّر فضل الجهاد في سبيل الله لا يتم إلا بدراسة كل ما يتعلق به من نصوص في الكتاب والسنة وأقوال السلف فيه، وتاريخ المجاهدين من الأنبياء والدعاة إلى الله من أتباعهم، ثم بممارسة من أراد تصور الجهاد تصوراً كاملاً لكل أنواعه، حتى يكون ممَّن اختارهم الله شهداء من المجاهدين في سبيله، فيرى ما وعد الله به المجاهدين في كتابه، وفي سنة رسوله ، فيتمنى أن يحييه الله مرات عديدة ليجاهد في سبيل الله كل مرة.
أنالنا الله ذلك كله، وألهم شباب الإسلام في كل أنحاء الأرض للسير في طريقه، إنه على كل شيء قدير.
الفرع الأول فضل الجهاد في القرآن الكريم
لو أراد الباحث استقصاء فضائل الجهاد في القرآن الكريم بحسب شموله لكل نشاط المسلم، لتعذَّر ذلك عليه، لأن كل أَمْر أَمَر الله به على هذا، هو من الجهاد الذي يسعى المسلم لتطبيقه، وكل نَهْي نهَى الله عنه فتركه من الجهاد في سبل الله الذي يسعى المسلم للابتعاد عنه، وهكذا كل صفة حميدة، فالسعي للاتصاف بها من الجهاد في سبيل الله، وكل صفة ذميمة، فالاجتهاد في البعد عنها، هو من الجهاد في سبيل الله.
لهذا كان لا بدَّ من ذكر نماذج تتصل بالجهاد بمعناه الخاص، الجهاد في سبيل الله يحقق للأمة الإسلامية الخير على الأمم الأخرى، لأنه قمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لا فلاح للمسلمين إلا به، بل عاقبة المسلمين بدونه الخسران في الدنيا والآخرة. قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله، ولو آمن أهل الكتاب لكان خير لهم منهم المؤمنون، وأكثرهم الفاسقون، لن يضروكم إلا أذىً، وإن يقاتلوكم يُولُّكم الأدبار ثم لا ينصرون) [آل عمران: 110،111].
وقال تعالى: (ولْتَكُن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون) [آل عمران: 104].
وقال تعالى: (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) [العصر]
وقال: (يا أيها الذين آمنوا اتَّقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة، وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون) [المائدة: 35].
قال السرخسي: (فأما بيان المعاملة مع المشركين فنقول الواجب دعاؤهم إلى الدين، وقتال الممتنعين منهم من الإجابة، لأن صفة هذه الأمة في الكتب المنزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبها كانوا خير الأمم قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) الآية [المبسوط (10/2)].
وكما تفضل هذه الأمة الأمم الأخرى بهذه الصفة، يفضل المسلمُ المجاهدُ المسلمَ القاعدَ بهذه الصفة، كما قال سبحانه وتعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين – غير أولى الضرر – والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجةً، وكُلاًّ وعد الله الحسنى، وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً، درجاتٍ منه ومعفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً) [النساء 95-96].
(31)
المجاهدون يثابون على حركاتهم كلها
قال تعالى: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلَّفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يُصيبهم ظمأ ولا نَصَب ولا مَخْمصة في سبيل الله، ولا يطأون موطئاً يَغِيظُ الكفار، ولا ينالون من عدو نَيْلاً إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون وادياً إلا كُتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) [التوبة: 120-121].
ظاهر من الآيتين أن حركات المجاهدين في سبيل الله وسكناتهم وجوعهم وظمأهم وتعبهم ونفقاتهم صغرت أم كبرت، وإغاظتهم الكفار بأي نوع من أنواع الأذى المشروع الذي يلحقونه بهم، كل ذلك يكتبه الله لهم عملاً صالحاً ويجزيهم أحسن ما كانوا يعملون، لأن المجاهدين في سبيل الله لا يرغبون بأنفسهم عن نفس نبيهم التي بذلها طيلة حياته في سبيل ربه، وكذلك لا يرغبون بأنفسهم عن أنفس قادتهم المجاهدين الذين يبذلونها في سبيل ربهم مقتدين بنبيهم محمد ، لذلك كان لهم هذا الفضل العظيم الذي فضَّل الله كل دقيقة من عملهم وجليلة في سبيل الله ليغريهم بثوابه الشامل وفضله العميم.
(32)
تجارة رابحة
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلُّكم على تجارة تُنجيكم من عذاب أليم؟ تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يَغْفِرْ لكم ذنوبكم، ويُدخلْكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، ومساكن طيبة في جنّاتِ عدن، ذلك الفوز العظيم، وأخرى تحبونها نصرٌ من الله وفتح قريب، وبشِّر المؤمنين) [الصف: 10-13].
هذه التجارة هي التي يتمناها أولياء الله المجاهدون لتوصلهم إلى رضى ربهم، ورأس مالها الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله، وربحها غفران الله ودخول الجنات، يضاف إلى ذلك نصر الله لأوليائه على أعدائه.
وهي الصفقة المعقودة بين الله وبين عباده المؤمنين، كما قال تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون، وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم) [التوبة: 111].
المجاهد تاجر يتعامل مع الله الذي يشتري منه نفسه التي هو خالقها، وماله الذي هو مالكه ومعطيه، ويعطيه ثمن نفسه وماله الجنة نقداً لا نسيئة فيه، مضموناً لا خوف من فقده، لأن الله هو المشتري وهو الذي وعد به، وهل توجد تجارة مثل التجارة التي تكون مع الخالق سبحانه ؟
(33)
حفظ الحق وغلبة الباطل
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبُّهم ويحبُّونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ذلكم فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسعٌ عليمٌ، إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتولِّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) [المائدة: 54-56].
وقال تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا آمنا ولولا دَفْعُ الله الناس بعضًهم ببعض لَهُدِّمت صوامعُ وبيَعٌ وصلوات ومساجدُ يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرنَّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور) [الحج: 40-41]. (1)
فالجهاد في سبيل الله يظهر فضله عندما تأسن الأرض بكفر الكافرين وردة المرتدين وإفساد المفسدين، فإذا المجاهدون هم الذين يطاردون الكفر ويقضون على الردة، ويدفعون عن الحق ويغلبون الباطل، فيقوم في الأرض دين الله ويُؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر.
===========================
(1) فائدة مهمة: هذه الآيات الثلاث جاءت بعد آيات الحج من الآية 27 إلى الآية 38 من السورة، ويبدو لي أن فيها إشارة إلى أن المسلمين الصادقين المخلصين الذين يؤدون مناسك الحج أداء متقنا يُرضيِ اللهَ يكونون مؤهلين لأن ينصرهم الله على عدوهم الذي يعتدي عليهم، وهم جديرون بالدفاع عن تدنيس المعابد وتخريبها، سواء كانت مساجد أو غيرها من معابد أهل الكتاب، ويفهم من ذلك أن المسلمين الذين لا يتصدون لردع المعتدين على مساجدهم، لا يكونون أهلا لنصر الله تعالى، وقد يستنبط من الآيات أن المسلمين الذين يؤدون مناسك الحج ولم يدافعوا عن مساجدهم وأماكن العبادة من تخريب المعتدين،لم يتأثروا بعبادته تعالى في بيته الحرام، ولو تأثر حجاج بيت الله بعبادة الله في بيته المسجد الحرام، لما صبروا على أسر اليهود المسجد الأقصى قبلتهم الأولى ومسرى رسوله ، إلا إذا صدهم عن تحريره صاد، أوردهم عنه راد، كما هو الحال اليوم، حيث نرى الشعوب الإسلامية في القنوات الفضائية، يتظاهرون كأمواج البحر، يطالبون حكامهم بفتح الحدود لقاتلوا اليهود وينتصروا لإخوانهم المسلمين العزل الذين يشن العدو اليهودي عليهم بجيوشه وعدده الحربية، ويقتل صغارهم وكبارهم، ويهدم بيوتهم ومساجدهم، فلا يجدون من زعماء العرب إلا الإنكار اللساني الفاتر مع القدرة على غيره، والتفرج على مآسيهم، ومجاملة اليهود والنصارى المعتدين فإنا لله وإنا راجعون.
الجهاد أفضل من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج فيه
قال تعالى: (أجعلتم سِقاية الحاجِّ وعِمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ؟! لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القومَ الظالمين، الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسِهم أعظمُ درجةً عند الله وأولئك هم الفائزون، يُبشرهم ربهم ربُّهم برحمةٍ منه ورضوانٍ وجناتٍ لهم فيها نعيمٌ مقيمٌ، خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم) [التوبة: 19-21].
فضل عمارة المساجد – ولاسيما بيت الله الحرام – عظيم عند الله تعالى، ولكنه يفضله الجهاد في سبيل الله، لأنه لولا الجهاد في سبيل الله ما عُمِرت المساجد، بل تُهدَّم ويصد عن سبيل الله فيها.
قال ابن القيم رحمه الله: (فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يستوي عنده عُمّار المسجد الحرام - وهم عُمارهُ بالاعتكاف والطواف والصلاة، هذه هي عمارة مساجده المذكورة في القرآن - وأهل سقاية الحاج، لا يستوون هم وأهل الجهاد في سبيل الله، وأخبر أن المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده، وأنهم هم الفائزون، وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات، فنفى التسوية بين المجاهدين وعُمَّار المسجد الحرام مع أنواع العبادة، مع ثنائه على عُمّاره بقوله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن باالله واليوم الآخر، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، ولم يَخْشَ إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) [التوبة: 18] فهؤلاء هم عمار المساجد ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند الله منهم) [طريق الهجرتين 623 طبع قطر].
وأي فضل أعظم من عبادة تحقق لصاحبها الرحمة والجنات والرضوان الذي هو غاية المؤمن ومطمح بصرة ؟
وإذا كانت هذه الآية تبشِّر المؤمن بهذا الفضل العظيم فإن آيات أخرى تنكر على المؤمن طلب هذا الفضل بدون الجهاد في سبيل الله: (أمْ حسبتم أن تدخلوا الجنة ولَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا منكم ويعلمَ الصابرين) [آل عمران: 142].
(34)
فوزٌ على كل حال
قال تعالى: (قل هل تربَّصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربَّص بكم أن يُصيبكم الله بعذابٍ من عنده أو بأيدينا، فتربَّصوا إنا معكم متربِّصون) [التوبة: 52].
المجاهدون في سبيل الله فائزون على كل حال، فإن انتصروا على عدوهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم وسبوا نساءهم وذراريهم، نالوا أجر قتالهم وعَزُّوا، وذَلَّ الكفر وأهله، فكانت حسنى لهم.
وإن كانت الأخرى فقُتِلوا هم في سبيل الله، نالوا الشهادة التي لا يعطيها الله إلا من اصطفاه، فكانت أعظمَ الحُسْنَيَين، بخلاف الأعداء الكفرة، فإنهم لا ينتظرون إلا إخزاء الله لهم وإذلالهم بانتصار أوليائهم عليهم – وذلك وبال عليهم – وعذاب الله لهم في نار جهنم وهو أشد وبالاً.
وإذا كان الجهاد في سبيل الله هذه حاله فوز على كل حال؛ فأيُّ فضل يوازي هذا الفضل وأي خسارة ينالها من فرط فيه ؟
هذا بالإضافة إلى خسارة عدو المجاهدين على كل حال كما مضى.
(35)
حياة غالية
قال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يُرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خَلْفهم ألاَّ خوف عليهم ولا هم يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يُضيع أجر المؤمنين) [آل عمران: 169-171].
يحدِّد الله آجال الناس كلِّهم في هذه الحياة، فيفارقونها، وتُواري أجسادهم في التراب، ولكن المجاهدين الذين يقتلون في سبيل الله لا تنقطع حياتهم، على الرغم أنهم في الظاهر يموتون كغيرهم وتُوارى أجسادهم التراب، بل ينتقلون إلى الحياة الحقيقية الغالية التي يجري عليهم الرزق الحقيقي الذي لا انقطاع له مثل حياتهم، ولا يصيبهم حَزَن ولا هم، بل هم في سرور مستمر واستبشار بمن وراءهم من المؤمنين الذين يتمنون لهم اللحاق بهم، واستبشار بنعمة الله وفضله وجزيل أجره ومثوبته.
والناس – في الدنيا – لا يشعرون بهذه الحياة الغالية، وذلك الرزق الدائم والاستبشار السار، ولكن عدم شعورهم لا يبيح لهم إنكار تلك الحياة، بل لا يبيح لهم أن يقولوا – قولاً –: إن الذين قتلوا في سبيل الله أموات: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء ولكن لا تشعرون) [البقرة: 154].
ويصبح الشهيد في موكب تتطلع نفوس المؤمنين بالله إلى مرافقته موكب الأنبياء والصديقين والصالحين: (ومن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً) [النساء: 69]، وكفى بذلك فضلاً.
(36)
ملائكة السماء تتجر في مع المسلمين في أسواق الجهاد !
قال تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلةٌ، فاتقوا الله لعلكم تشكرون. إذ تقول للمؤمنين ألن يَكفيكم أن يمدَّكم ربُّكم بثلاثة آلاف من الملائكة مُنْزَلين، بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مُسَوِّمين. وما جعله الله إلا بشرى لكم، ولتطمئن قلوبكم به، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم. ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبون فينقلوا خائبين) [آل عمران: 123 – 127].
وقال تعالى: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني مُمدُّكم بألف من الملائكة مُردِفين، وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم، وما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيزٌ حكيم) [الأنفال: 9-10].
وقال: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب، فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنانٍ) [الأنفال: 12].
وقال: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حُنَين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تُغْنِ عنكم شيئاً، وضاقت عليكم الأرض بما رَحُبَتْ ثم وَلِّيهم مُدْبرين، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها وعذَّب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين) [التوبة: 25-26].
وقال: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيراً) [الأحزاب: 9].
المجاهد في سبيل الله الذي هو بشر يأكل ويشرب ويجوع ويعطش ويتعب ويطيع ويعصي ويتوب، يلتقي في أرض المعركة أخوانا له جاءوا من الملأ الأعلى لا يعصون الله ما أمرهم، ولا يأكلون ولا يشربون ولا يعطشون ولا يجوعون، وما جعلت هذه الأرض مأوى لهم، وما كانوا في حاجة إلى أن يحيط بهم غبار المعارك الجهادية، ولكنهم علموا أن لهذا المجاهد سوقاً رابحاً وأراد ربُّه أن يريه هذا الإنسان الذي يشترك معه في الإيمان وقد جعله الله خليفة في الأرض، يصارع الباطل وأهله في سبيل الله، وشرع لأهل الملأ الأعلى أن يتعاونوا مع إخوانهم المؤمنين في الأرض على إحقاق الحق وإبطال الباطل بالقوة والبذل والتضحية، وأي فضل مثل هذا الفضل، يلتقي البشر وهم من سكان الأرض بالملائكة وهم من سكان السماء، في هذه الأرض متعاونين على طاعة الله مجاهدين في سبيله؟
ألا ما أربحها من سوق لا يتخلّف عنها ملائكة السماء !
(37)
شهادة بالدم
قال تعالى: (إن يمسَسْكم قَرْحٌ فقد مسَّ القوم قَرْحٌ مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلَم الله الذين آمنوا ويتخذَ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين) [آل عمران: 140].
يشرع الله لعباده أن يشهدوا له بالوحدانية، فيستجيب له عباده المؤمنون، وفي طليعتهم الملائكة وأولوا العلم من البشر: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم) [آل عمران: 18]
يشهد المؤمنون لله بالوحدانية بأقوالهم وأفعالهم كلها: (قُل إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أموت وأنا أول المسلمين) [الأنعام: 162-163].
ومن هؤلاء يصطفي الله لنفسه من بَفْضُل غيره من المؤمنين في أداء هذه الشهادة، أولئك هم المجاهدون الذين يشاركون المؤمنين في أداء الشهادة بالقول والعمل، ويزيدون عليهم فيشهدون بأن هذا الدين حق ببذل أموالهم وأنفسهم في سبيل الله، حتى تراق دماؤهم، فينالون الفوز بالجهاد في سبيل الله في الأرض، ويُبعثون يوم القيامة شاهدين بتلك الدماء، فهم شهداء لله على غيرهم من خلقه، كما أنه الله تعالى يكرمهم بالشهادة التي ينالون به من الفضل ما هو معلوم من نصوص القرآن والسنة التي مضى بعضها، وهي شهادة تثبت لكل ذي شك بأنها حق (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) [الحديد: 21، الجمعة 4].
المجاهدون لا يخذلون المظلومين !
قال تعالى: (فَلْيُقاتل في سبيل الله الذين يَشرون الحياة الدنيا بالآخرة، ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل أو يَغْلب فسوف نُؤتيه أجراً عظيماً، وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالمِ أهلها واجعل لنا من لَدُنا ولياً، واجعل لنا من لدُنْك نصيراً، الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً) [النساء: 74-76].
فأين يضع أنفسهم من خذلوا المستضعفين في فلسطين، مع قدرتهم على نصرتهم ؟؟!!

رد مع اقتباس
قديم 01-23-2009, 08:58 PM   #2 (permalink)
 
الصورة الرمزية مهاجر

 









مهاجر غير متواجد حالياً
افتراضي رد: ::: فضل الجهاد في سبيل الله (30-37) :::

فضل الجهاد في سبيل الله (38-46)

(38)
الفرع الثاني: الأحاديث الواردة في فضل الجهاد
حِرْصُ الصحابة على معرفة أفضل الأعمال وممارستها:
لقد كان أصحاب رسول الله – لشدة حرصهم على الإكثار من طاعة الله والاستزادة منها – يسألون رسول الله عن أفضل الأعمال التي تُرضي ربهم عنهم، فيجيب على أسئلتهم، وقد تختلف إجابته من شخص لآخر، أو من حالة لأخرى، إذ أن السائل قد ينقصه أداء عمل من الأعمال الصالحة، فيذكره الرسول حثاًّ على أدائه، وقد يكون المقام يقتضي أداء عمل آخر من الأعمال الصالحة لحاجة المسلمين إليه، فيذكره حثاً على أدائه، وقد يكون المقام يقتضي أداء عمل آخر من الأعمال الصالحة لحاجة المسلمين إليه، فيذكره في إجابته حضاً على القيام به.. وهكذا.
سأل ابن مسعود الرسول ، كما روى ذلك هو قال: (سألت رسول الله : قلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: (الصلاة على ميقاتها) قلت ثم أي ؟ قال: (ثم بر الوالدين) قلت ثم أي ؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) فسكت رسول الله ، ولو استزدته لزادني) [البخاري مع فتح الباري (6/3)، ومسلم (1/89)].
فقد جعل الرسول الجهاد في هذا الحديث في الدرجة الثالثة بعد حق الله، وحق الوالدين.
وفي حديث أبي هريرة ، قال: جاء رجل إلى رسول الله ، فقال: دُلني على عمل يعدل الجهاد، قال: (لا أجده)، قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر ؟) قال: ومن يستطيع ذلك ؟ قال أبو هريرة: (إن فرس المجاهد ليستنُّ في طِوَله [أي يذهب ويجيء في مرح ونشاط وهو مربوط في حبله، الفتح (6/5)]، فيكتب له حسنات) [البخاري رقم الحديث 2785، فتح الباري (6/4)، ومسلم (3/1498).
هذا الصحابي السائل كان يعلم فضل الجهاد، فأراد – والله أعلم – أن يدله الرسول على عمل يساويه يستطيع المداومة عليه في غير وقت الحرب. أو أنه إذا عجز عن مباشرة الجهاد الذي علم فضله يأتي بالعمل الذي يعدله وهو يقدر عليه، وفي كلتا الحالتين هو يدلُّ على حرص الصحابة م على زيادة العلم بالأعمال التي لها فضل كبير ليزاولوها وينالوا من الله ثوابها.
وقد أجابه الرسول بجوابين، كل منهما يدل على فضل الجهاد العظيم: الجواب الأول قوله: (لا أجده) أي لا أجد عملاً يعدل الجهاد وهو واضح في أفضلية الجهاد على ما سواه من الأعمال.
الجواب الثاني قوله: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر ؟)، وهذا الجواب كذلك يدل على أفضلية الجهاد على ما سواه من الأعمال، لأن القيام المستمر الذي لا فتور معه، والصيام المتواصل الذي لا إفطار معه عير مستطاعَيْن، كما أجاب بذلك السائل رسول الله : (ومن يستطيع ذلك ؟) وأقره الرسول على هذا الجواب. وقد نهى هو عن إجهاد النفس في القيام والوصال في الصيام، وإنما أراد أن يبين للسائل أن الاستمرار في القيام بالأعمال الصالحة مجتمعة – لو كانت مستطاعة – قد تعدل الجهاد، وفي هذا ما فيه من بيان فضل الجهاد في سبيل الله.
قال الحافظ: (وهذه فضيلة ظاهرة للمجاهد في سبيل الله تقتضي ألاَّ يعدل الجهادَ شيء من الأعمال)، وقال أيضاً: (قال القاضي عياض: اشتمل حديث الباب على تعظيم أمر الجهاد، لأن الصيام وغيره مما ذكر من فضائل الأعمال قد عدلها كلها الجهاد، حتى صارت جميع حالات المجاهد وتصرفاته المباحة معادلة لأجر المواظب على الصلاة وغيرها، ولهذا قال : (لا تستطيع ذلك) [الفتح (6/5)].
يضاف إلى ذلك تعقيب أبي هريرة : (إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات)، والظاهر أن القاضي عياض يشير إلى هذا بحالات المجاهد وتصرفاته المباحة.
وفي حديث أبي سعيد الخدري ، قال: قيل يا رسول الله أي الناس أفضل ؟ فقال رسول الله : (مؤمن يجاهد بنفسه وماله) قالوا: ثم من؟ قال: (مؤمن في شِعْب من الشِعاب، يتقي الله ويَدَع الناس من شره) [البخاري،مع فتح الباري (6/6)، ومسلم (3/1503)].
في هذا الحديث – كذلك – يبدوا حرص الصحابة على التنافس في الأعمال الصالحة التي هي أحب إلى الله، والسؤال هنا عن أفضل الناس، ولا يكون أفضل الناس إلا إذا أتى بأفضل ما يحبه الله ورسوله، وإجابة الرسول واضحة في تعظيم الجهاد في سبيل الله حيث جعل المؤمن المجاهد هو أفضل الناس. بخلاف المؤمن المتقي الذي قَصَر نفسه على نفسه – أي إن أعماله الصالحة لا تتعداه إلى غيره – فإنه جاء في الدرجة الثانية، ثم إن هذا المؤمن المتقي الذي انزوى في شِعْب من الشِّعاب لا يكون له هذه الدرجة الثانية إلا إذا كان لابد من الانزواء مثل أن يكون الزمن زمن فتنة بين المسلمين، [راجع فتح الباري (6/84)]،وإلا فإن الاختلاط بالناس ونصحهم مع تقوى الشخص في نفسه أفضل من المتقي المنزوي بدون سبب.
وفي حديث عائشة ا، قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد ؟ قال: (لَكُنَّ أفضل الجهاد، حج مبرور) [صحيح البخاري، مع فتح الباري (6/4)].
وفي الحديث دلالة واضحة على فضل الجهاد وتعظيمه من وجوه:
الوجه الأول: تطلُّع النساء إلى ما سبقهن به الرجال من هذا الفضل.
الوجه الثاني: قول عائشة ا: نرى الجهاد أفضل العمل وإقرار الرسول لقولها.
الوجه الثالث: قوله : (لَكُنَّ أفضل الجهاد، حج مبرور) قيَّد كَوْن الحج أفضل الجهاد بكونه للنساء: (لَكُنَّ) وفي هذه زيادة تأكيد لكون الجهاد أفضل الأعمال لغير النساء.
وفي حديث أنس ، قال: كُنَّا مع النبي في سفر، فمنا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار، أكثرنا ظلالاً صاحب الكِساء، ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصُوَّام وقام المفطرون، فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله : (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) [البخاري مع فتح الباري (6/84)، ومسلم (2/788)].
ويظهر في هذا الحديث فضل من قام بالخدمة في الغزو وهو مفطر، على من صام وعجز عن الخدمة لمشقة الصوم.
قال الحافظ رحمه الله: (بالأجر، أي الوافر، وليس المراد نقص أجر الصوم، بل المراد أن المفطرين حصل لهم أجر عملهم ومثل أجر الصوام لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصُوَّام) إلى أن قال: (قال ابن أبي صُفْرة: فيه أن أجر الخدمة في الغزو أعظم من أجر الصيام، قلت: وليس ذلك على العموم) [فتح الباري (6/84)].
قلت: هو كذلك في كل حالة تشبه هذه الحالة: من قام بأعمال الغزو كان أفضل ممن قام بعبادة لازمة شغلته عن عمل الغزو، لأن الجهاد أفضل العمل لا سيما في مثل هذا الوقت الذي يكون المسلمون أحوج فيه إلى التعاون في أعمال الجهاد. والله أعلم.
  رد مع اقتباس
قديم 01-23-2009, 08:59 PM   #3 (permalink)
 
الصورة الرمزية مهاجر

 









مهاجر غير متواجد حالياً
افتراضي رد: ::: فضل الجهاد في سبيل الله (30-37) :::

(39)
درجات المجاهدين
وفي حديث أبي هريرة ، قَال قال رسول الله : (من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها) فقالوا: يا رسول الله أفلا نبشِّر الناس ؟ قال: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة) [البخاري مع فتح الباري (6/11)].
بيَّن الرسول في هذا الحديث حداً أدنى يقف عنده من أراد دخول الجنة غير منافِسٍ في درجاتها العُلاَ، وهو أن يؤمن بالله ورسوله، ويقيم الصلاة ويصوم رمضان، ولو لم يجاهد في سبيل الله، وحداً أعلى لمن طمحت نفسه إلى الفردوس والمنافسة في الدرجات العُلا.
وعندما سمع الصحابة م الشِّقَّ الأول من الحديث فرحوا به وطلبوا من الرسول أن يأذن لهم بأن يبشروا الناس بذلك، فانتقل بهم إلى ما هو أعظم وأفضل، وهو بيان درجات المجاهدين التي لا ينالها غيرهم من الصنف الأول.
وليس في الحديث تسوية بين الجهاد وعدمه، كما توهم بعض العلماء من قوله : (جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها) بل فيه أن أصل دخول الجنة مضمون له جاهد أو لم يجاهد، وهذا هو الحدّ الأدنى كما مضى، أما الحدّ الأعلى فقد ذكره بقوله: (إن في الجنة مائة درجة) الحديث، وهذه علة لترك التبشير، أي لا تبشِّروهم بما سبق، لئلا يتركوا الأفضل وهو أن في الجنة مائة درجة.. الخ
كما بين ذلك الحافظ مستدلاً برواية الترمذي ونصها: (قلت يا رسول الله ألا أخبر الناس ؟ قال: (ذر الناس يعملون، فإن في الجنة مائة درجة) قال الحافظ فظهر أن المراد لا تبشر الناس بما ذكرته من دخول الجنة لمن آمن وعمل الأعمال المفروضة عليه، فيقفوا عند ذلك ولا يتجاوزوه إلى ما هو أفضل منه من الدرجات التي تحصل بالجهاد [فتح الباري (6/12)].
(40)
الجنة تحت ظلالا السيوف
عن عبد الله بن أبي أوفى ، كتب إلى عمر بن عبيد الله حين خرج إلى الحروريَّة: أن رسول الله في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس، فقال: (يا أيها الناس لا تمنَّو لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) [البخاري رقم 3024، فتح الباري (6/156) ومسلم (3/1362)].
وأي فضل أكبر من هذا الفضل ؟ يصول المجاهد ويجول في حومة الوغى وهو يعلم أنه يتجوَّل في عرصات الجنة تحت ظل سيفه وسيف عدوه، وما أن يسقط في هذه الأرض حتى يرى مقعده في الجنة وتظِله الملائكة [سيأتي هذان المعنيان قريباً].
==== يتمنى الرجوع إلى الدنيا ليكرر الشهادة الغالية ! =======
عن أبي هريرة عن النبي قال: (انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يُخرجه إلا الإيمان بي وتصديق برسلي، أن أُرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خَلْف سريَّة، ولوددت أني أُقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أُقتل، ثم أحيا ثم أُقتل) [البخاري مع فتح الباري (1/92) ومسلم (3/1497)].
وعن أنس بن مالك عن النبي قال: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة) [البخاري رقم 2817، فتح الباري (6/32) ومسلم (3/1498)].
فالمجاهد – كما يظهر من حديث أبي هريرة – رابح على كل حال، انتصر على عدوه فعاد إلى بيته غانماً مأجوراً، أم استشهد فدخل الجنة، وهذه الأخيرة هي الكرامة التي ميَّز الله بها الشهيد حيث لا يتمنى أحد غيره أن يحييه الله فيقتل مراراً، لما رأى من الخير العظيم المترتب على الشهادة في سبيل الله، لا بل أن رسول الله صاحب المقام المحمود الذي ما كان يقعد خَلْف سراياه إلا إشفاقاً على أمته بأن تكلِّف نفسها الخروج في كل سرية مثله فيشق ذلك عليها، إنه ليتمنَّى أن يقتل ثم يحيا ثم يقتل في سبيل الله حباً في كرامة الشهادة عند الله، قال الحافظ: (قال ابن بطال: هذا الحديث – حديث أنس – أجل ما جاء في فضل الشهادة) [فتح الباري (6/33)].
أي شيء نشتهي ؟!
عن مسروق قال سألنا عبد الله – هو ابن مسعود – عن هذه الآية: (ولا تحسبنَّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يُرزقون) [آل عمران: 169] قال: أما إنَّا قد سألنا عن ذلك فقال: (أرواحهم في جوف طير خُضر، لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلع إليهم ربهم اطِّلاعةً، فقال: تشتهون شيئاً ؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ؟! ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا) [مسلم (3/1502)].
(41)
وإنه في جنة الفردوس
عن أنس ، قال: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي ، فقالت: يا رسول الله، قد عرفتَ منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى تر ما أصنع، فقال: (ويحك أو هَبِلْتِ ؟ أَوَ جنةٌ واحدة هي ؟ إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس) [البخاري مع فتح الباري (6/25)].
اللون لون الدم والريح ريح المسك
عن أبي هريرة عن النبي ، قال: (كل كَلْمُ يُكْلَمُه المسلمُ في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت تفجَّر دماً، اللون لون الدم والريح ريح المسك) [البخاري مع فتح الباري (1/344) ومسلم (3/1496)].
ينطلقون في الغرف العلا من الجنة
عن نعيم بن همار الغطفاني أن رجلاً سأل النبي أي الشهداء أفضل ؟ قال: (الذين إن يُلْقَوا في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك ينطلقون في الغرف العلا في الجنة، ويضحك إليهم ربهم، وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه) [أحمد (5/287) قال البنَّا في الفتح الرباني (13/30): وقال الهيثمي رجال أحمد وأبي يعلى ثقات]
نقد الثمن !
عن قيس الجُذامي – رجل كانت له صحبة – قال: قال النبي : (يعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه: يُكفَّر عنه كل خطيئة، ويُرى مقعده في الجنة، ويُزوَّج من الحور العين، ويُؤمن من الفزع الأكبر ومن عذاب القبر، ويُحلَّى حُلة الإيمان) [أحمد (4/200) قال البنَّا في الفتح الرباني (13/30): أخرجه ابن سعد وسنده جيد].
قال الحافظ: (وروى ابن ماجة من طريق شِهْر بن حَوْشَب عن أبي هريرة قال: ذُكر الشهيد عند النبي ، فقال: (لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجاته من الحور العين، وفي يد كل واحدة منهما حُلة خير من الدنيا وما فيها). ولأحمد والطبراني من حديث العبادة بن الصامت مرفوعاً: (إن للشهيد عند الله سبع خصال – فذكر الحديث، وفيه: - ويُزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين) إسناده حسن، وأخرجه الترمذي من حديث المقدام بن مَعْدِ يكرب، وصححه) [فتح الباري (6/15-16)].
(42)
لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة
عن عتبة بن عبد السُّلمي – وكان من أصحاب النبي – قال: قال رسول الله : (القتلى ثلاثة: رجل مؤمن قاتل بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل، فذلك الشهيد المفتخر) وفي رواية الممتحن [رجَّح هذه الرواية البنا في الفتح الرباني (13/32)] في خيمة الله تحت عرشه، لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة. ورجل مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا، وجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل، مُحيت ذنوبه وخطاياه، إن السيف محَّاء الخطايا، وأُدخل من أي أبواب الجنة شاء، فإن لها ثمانية أبواب، ولجهنم سبعة أبواب، وبعضها أفضل من بعض. ورجل منافق جاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدو قاتل في سبيل الله في ظاهر أمره حتى يقتل، فإن ذلك في النار، السيف لا يمحوا النفاق) [أحمد (4/185)، قال البنا: وإسناده جيد، وانظر الجهاد لابن المبارك (1/30)].
تُظِلُّه الملائكة بأجنحتها
عن جابر قال: لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثواب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي ينهونني، والنبي لم يَنْهَه، وقال النبي : (لا تبكِه مازالت الملائكة تظلُّه بأجنحتها حتى رفع) [البخاري مع فتح الباري (7/374)].
م وأرضاهم
عن أنس رضي اله عنه، قال: بعث النبي أقواماً من بني سليم إلى بني عامر في سبعين، فلما قدموا قال لهم خالي: أتقدمكم، فإن أمَّنُوني حتى أبلغهم عن رسول الله ، وإلا كنتم مني قريباً، فتقدَّم فأمَّنوه، فبينما يحدثهم عن النبي ، إذ أومئوا إلى رجل منهم، فطعنه فأنفذه، فقال: (الله أكبر، فُزْت وربِّ الكعبة) ثم مالوا على بقية أصحابه فقتلوهم إلا رجل أعرج صعد الجبل، قال همام – أحد رجال السند – فأراه آخر معه، فأخبر جبريل عليه السلام النبي أنهم قد لقوا ربهم م وأرضاهم،فكُنا نقرأ: أن بلِّغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، ثم نسخ بعد. فدعا عليهم أربعين صباحاً على رَعْل وذَكْوان وبني لحيان وبني عُصَيّة، الذين عَصُوا الله ورسوله [البخاري رقم 2801، فتح الباري (6/18) ومسلم (3/1511).
ورضا الله هو غاية ما يسعى إلى حصوله المؤمنون.
دار الشهداء !
عن سمرة قال: قال النبي : (رأيت الليلة رجلين أتياني، فصعدا بي الشجرة، وأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل، لم أر أرَ قط أحسن منها، قال: أمَّا هذه الدر فدار الشهداء) [البخاري رقم 2791، فتح الباري (6/11)]
(43)
الأوسمة النبوية للمجاهدين:
1-سيف من سيوف الله
عن أنس أن النبي ، نعى زيداً وجعفر وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: (أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب – وعيناه تذرفان – حتى أخذها سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم) [البخاري رقم 3952، فتح الباري (7/287)].
إذ كان من يُسَمَّونَ بالقواد العظام من عُبَّاد الدنيا والطغاة والجاه والثناء يستبسلون في بعض المعارك مع أعدائهم لينالوا رتباً عسكرية، أو تُخلَّد ذكراهم – كما يقولون – بإطلاق أسمائهم على بعض الشوارع في المدن أو غير ذلك مما يرونه تكريماً لهم؛ فإن المجاهد المسلم ينال أشرف ثناء وينال أعلى الأوسمة الإلهية والنبوية، ثناء صدق ووسام شرف، وهاهو ذا أحد أبطال الإسلام وقادته العظام حقاً ينال هذا اللقب النبوي الخالد على مدى الدهر: (سيف من سيوف الله) وهو وسام يناسب العمل الذي قام به خالد ، لأن وظيفته كانت الجهاد في سبيل الله، فناسب أن يلقب بسيف الله، لأنه أذل أعداء الله وانتصر عليهم بمقارعته لهم بالسيوف فإذا ذكره المسلمون على ألسنتهم لم يذكروا اسمه أولاً، وإنما يذكرون هذا اللقب الذي أكرمه الله به على لسان رسوله ، فيقولون: سيف الله خالد.
ولو لم يكن خالد أبلى في سبيل الله بلاءً حسناً وقاد جيوش الإسلام للجهاد في سبيل اله لما حاز هذا الشرف وما نال هذا الوسام النبوي العظيم.
2- يا ابن ذي الجناحين !
وينتقل المجاهد إلى جوار ربه وينال رضوانه، وينال أقاربه التكريم من أجله.
وقد كان ابن عمر ما إذا سلَّم على ابن جعفر قال له: (السلام عليك يا ابن ذي الجناحين) [البخاري رقم 3709، فتح الباري (7/75).
بعد أن هنأه الرسول باستشهاد أبيه وما ناله من تكريم الله بقوله: (هنيئاً لك، أبوك يطير مع الملائكة في السماء)، قال الحافظ: (أخرجه الطبراني بإسناد حسن. وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (رأيت جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة) أخرجه الترمذي والحاكم، وفي إسناده ضعف لكن له شاهد من حديث علي عند ابن سعد، وعن أبي هريرة قال: (مر بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة، وهو مُخضَّب الجناحين بالدم) أخرجه الترمذي والحاكم بإسناد على شرط مسلم، وأخرجه أيضاً هو والطبراني عن ابن عباس مرفوعاً: (دخلت البارحة الجنة، فرأيت فيها جعفر يطير مع الملائكة) وفي طريق أخرى عنه أن جعفر يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه، وإسناد هذه جيد، وطريق أبي هريرة في الثانية قوي إسناده على شرط مسلم) [فتح الباري (7/76)].
المجاهدة أولى بالتكريم من ذات النسب !
عن ثعلبة بن أبي مالك أن عمر بن الخطاب قسَّم مُروطاً بين نساء من نساء أهل المدينة، فبقي منها مِرْط جيد، فقال له بعض من عنده: (يا أمير المؤمنين، أعْطِ هذا بنت رسول الله – يريدون أم كلثوم بنت علي -) فقال عمر: (أم سليط أحقُّ به من نساء الأنصار ممَّن بايع رسول الله – قال عمر: فإنها كانت تَزْفُر لنا القِرَب يوم أحد) [البخاري رقم 4071، فتح الباري (7/366)]
فقد قدّم عمر أم سليط على زوجه أم كلثوم حفيدة رسول الله إكراماً لها على خدمتها في الغزو.
(44)
الثناء على القوم بكثرة شهدائهم
عن قتادة قال: ما نعلم حيّاً من أحياء العرب أكثر شهيداً أغر يوم القيامة من الأنصار، قال: (وحدّثنا أنس بن مالك أنه قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون) [البخاري رقم 4078، فتح الباري (7/374)].
=== فضل المجاهدين من الملائكة ===
عن رافع الزُّرَقي قال: جاء جبريل إلى النبي فقال: (ما تعدّون أهل بدر فيكم؟) قال: (من أفضل المسلمين – أو كلمة نحوها -) قال: (وكذلك من شهد بدراً من الملائكة) [البخاري رقم 3992، فتح الباري (7/311)].
الملائكة الذين اشتركوا في معركة بدر مع المسلمين خيار الملائكة، كما أن الصحابة الذين شهدوا خيار المسلمين كما ورد ذلك صريحاً في بعض الروايات، سأل جبريل النبي كيف أهل بدر فيكم ؟ قال: (خيارنا) قال: (وكذلك من شهد بدراً من الملائكة هم خيار الملائكة) [فتح الباري (7/313) فالمجاهدون من الملائكة أفضل ممَّن سواهم.
الزمن يسير والأجر كبير !
عن أنس بن مالك عن النبي قال: (لَغدوةٌ في سبيل الله أو رواحة خير من الدنيا وما فيها) وفي رواية من حديث أبي هريرة: (خير ممَّا تطلع عليه الشمس وتغرب) [البخاري رقم 3792، فتح الباري (6/13)، ورقم 2793 أيضاً، ومسلم (3/1499).
يخرج المجاهد في سبيل الله خَرْجة واحدة في أول النهار، أو خَرْجة واحدة في آخره، فتكون خرجته الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها، أي عمل يعدل هذا العمل؟ وأي نشاط يقوم به الإنسان ينيله هذا الفضل الكبير؟.
وليس المراد من الحديث المفاضلة بين الدنيا وما فيها وبين الغدوة الواحدة أو الروحة الواحدة في سبيل الله، بمعنى أنهما يشتركان في الخير وتفضل الغدوة أو الروحة على الدنيا في الخير، كما قد يتوهَّم ذلك، لأن الدنيا لا تساوي ذرة من الجنة.
قال الحافظ: (قال ابن دقيق العيد [إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (4/504) بحاشية العدّة للأمير الصنعاني، وما نقله الحافظ ليس مطابقاً تماماً لنص ابن دقيق العيد وإن كان المعنى واضحاً فيه]: يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون من باب تنزيل المُغَيَّب منزلة المحسوس تحقيقاً له في النفس، لكون الدنيا محسوسة في النفس مستعظمة في الطباع، فلذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا لا يساوي ذرة مما في الجنة).
والثاني: أن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها، لأنفقها في طاعة الله تعالى. قال- القائل هو ابن حجر -: ويؤيد هذا الثاني ما رواه ابن المبارك في كتاب الجهاد [الجهاد (1/34)] من مرسل الحسن، قال: بعث رسول الله جيشاً فيهم عبد الله بن رواحة فتأخَّر ليشهد الصلاة مع النبي ، فقال له النبي : (والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم).
والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا، وتعظيم أمر الجهاد، وأن من حصل له من الجنة قَدْرَ سَوْطٍ يصير كأنه حصل له أمر أعظم من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات؟ والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا، فنبه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا [فتح الباري (6/14)].
أمن دائم ورزق مدرار وعمل صالح مستمر
عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله قال: (رباطُ يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضعُ سَوْط أحدكم من الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والرَّوْحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة خيرٌ من الدنيا وما عليها) [البخاري رقم 2892، فتح الباري (6/85)].
وعن سلمان قال: سمعت رسول الله يقول: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقه، وأُمن الفتَّان) [مسلم (3/1520)].
مرابطة المجاهد في ثغر من ثغور المسلمين لحماية البلاد الإسلامية من الأعداء، أو للانقضاض عليهم عند الحاجة؛ لها منزلة عظيمة عند الله تعالى، فهي خير من الدنيا وما عليها يحوزها المؤمن فينفقها في طاعة الله، لا بل إن رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، يضاف إلى ذلك أن رزقه دائم لا ينقطع، وأمنه مستمر، لا يخاف من موت ولا نصب ولا غير ذلك، وهذا جزاء من الله للمجاهد الذي اقتحم المكاره وألقى بنفسه في المخاوف والأتعاب من جوع وعطش وغيرهما.
قال النووي رحمه الله: (هذه فضيلة ظاهرة للمرابط، وجَرَيان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصة به لا يشاركه فيه أحد، وقد جاء صريحاً غي غير مسلم: (كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمى له إلى يوم القيامة) [شرح النووي على مسلم (13/61)] وقوله : (وأجري عليه رزقه) موافق لقول الله تعالى في الشهداء: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) [آل عمران: 169]، والأحاديث السابقة أن أرواح الشهداء تأكل من ثمار الجنة) [شرح النووي على صحيح مسلم (13/16)].
وقال ابن قدامة رحمه الله في تفسير معنى الرباط وبيان فضلة: (معنى الرباط، الإقامة بالثغر مقوِّياً للمسلمين على الكفار، والثَّغر كل مكان يخيف أهله العدو ويخيفهم.
وأصل الرباط من ربط الخيل، لأن هؤلاء يربطون خيولهم، كلٌ يُعِدُّ لصاحبه، فسُمِّي المقام بالثغر رباطاً، وإن لم يكن فيه … وأفضل الرباط المقام بأشد الثغور خوفاً، لأنهم إليه أحوج، ومقامه به أنفع..) [المغني (9/203) وما بعدها].
  رد مع اقتباس
قديم 01-23-2009, 08:59 PM   #4 (permalink)
 
الصورة الرمزية مهاجر

 









مهاجر غير متواجد حالياً
افتراضي رد: ::: فضل الجهاد في سبيل الله (30-37) :::

(45)
فضل المجاهد في أي موقع من ساحات المعركة
عن أبي هريرة عن النبي قال: (طوبى لعبدٍ آخذٍ بعِنان فرسه في سبيل الله، أشعثَ رأسهُ، مغبَّرةٍ قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شُفِّع له يُشفَّع) [البخاري رقم 2887، فتح الباري (6/81)].
أثنى الرسول على المجاهد في سبيل الله الذي لزم سلاحه وأعدَّ نفسه لذلك، حتى اغبرَّ جسمه، وانتفش شَعره، لبعده عن الترف والتنعم والراحة، ومظهره الذي لا وجاهة فيه، أثنى عليه الرسول أينما كان عمله ما دام في سبيل الله، حارساً أم في مؤخرة الجيش، وطوبى اسم للجنة ونعيمها [راجع النهاية في غريب الحديث (3/141)].
وعن عائشة ا قالت: كان النبي سَهِر، فلما قدم المدينة، قال: (ليت رجلاً من أصحابي صالحاً يحرسني الليلة) إذْ سمع صوت سلاح، فقال: (من هذا؟) فقال: أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك، ونام النبي [البخاري رقم الحديث 2885، فتح الباري (6/81) ومسلم (4/1875)].
أثنى على من يحرسه من أصحابه بصفة الصلاح، وذو الصلاح في اصطلاح الشرع من نماذج القدوة الحسنة التي أثنى الله على من رافقها في صراطه المستقيم: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء، والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) [النساء: 69].
قال الحافظ: (ورد في فضل الحراسة عدة أحاديث ليست على شرط البخاري منها حديث عثمان مرفوعاً: (حرس الليلة في سبيل الله خير من ألف ليلة يُقام ليلها ويصام نهارها) أخرجه ابن ماجة [(2/924) ولكن لفظه: (من رابط ليلة في سبيل الله سبحانه كانت كألف ليلة صيامها وقيامها) واللفظ المقارب لما ذكره الحافظ هو من حديث أنس (2/925)] والحاكم [(2/81) ولفظه كما ذكر الحافظ إلا أن فيه (أفضل) بدل (خير)]، وحديث سهل بن معاذ عن أبيه مرفوعاً: (من حرس وراء المسلمين متطوعاً لم يَرَ النار بعينه إلا تَحلّة القسم) أخرجه أحمد [(3/437) من حديث معاذ بن أنس الجهني].
وحديث أبي ريحانة مرفوعاً: (حُرِّمت النار على عين سهرت في سبيل الله) أخرجه النسائي [(6/13) ولفظه: (حُرِّمت عين على النار سهرت في سبيل الله)]، ونحوه للترمذي عن ابن عباس [الترمذي رقم الحديث 1690 تحفة الأحوذي، وقال الشارح وأما حديث أبي ريحانة فأخرجه أحمد ورواته ثقات … والحاكم وقال: صحيح الإسناد كذا في الترغيب، تحفة الأحوذي (5/269)]، وللطبراني في حديث معاوية،ولأبي يَعْلَى من حديث أنس، وإسنادها حسن، وللحاكم عن أبي هريرة نحوه [فتح الباري (6/83)].
والمراد من الحديث أن الحارس في الجهاد لا تمسه النار، وإنما خص العين لأن يمنعها عن الإغماض بنوم أو سِنَة، فنالت شرف الذكر.
  رد مع اقتباس
قديم 01-23-2009, 09:00 PM   #5 (permalink)
 
الصورة الرمزية مهاجر

 









مهاجر غير متواجد حالياً
افتراضي رد: ::: فضل الجهاد في سبيل الله (30-37) :::

(46)
فداك أبي وأمي
عن عبد الله بن الزبير قال: كنت يوم الأحزاب جُعِلْتُ أنا وعمر بن أبي سلمة في النساء، فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثاً، فلما رجعت قلت: يا أبتي رأيتك تختلف، قال: أو هل رأيتني يا بني ؟ قلت: نعم قال كان رسول الله قال: (من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم) فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله بين أبويه، فقال: (فداك أبي وأمي) [البخاري رقم الحديث 3720، فتح الباري (7/81)، ومسلم (4/1879)].
لقد كان من النادر أن يجمع الرسول لأحد أبويه، فيقول: (فداك أبي وأمي)، وكان الذي يُعطاها يتلذَّذ بها ويذكرها على سبيل الاعتزاز والإكرام، فهي من الأوسمة النبوية التي استحقها المجاهد في سبيل الله، وقد نالها الزبير ، وهو ينفِّذ رغبة الرسول في جميع المعلومات عن العدو، وهذا من الأدلة الواضحة على فضل أي عمل يؤدِّيه المسلم في باب الجهاد في سبيل الله. فليهنأ الزبير بهذا التكريم، وليقتد به من أراد فضل الله وثوابه في أخذ الحذر من العدو وجمع المعلومات عن كيده المسلمين، وليخسأ من سلك السبيل الأخرى سبيل التجسس على المسلمين لأعداء الله.
جبريل لم يضع السلاح !
عن عائشة ا، قالت: أُصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حِبّان بن العَرِفة، رماه في الأكحل، فضرب النبي خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلما رجع رسول الله من الخندق وضع السلاح، واغتسل، فأتاه جبريل عليه السلام وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: (قد وضعت السلاح ؟ والله ما وضعتُه، اخرج إليهم) قال النبي : (فأين ؟) فأشار إلى بني قريظة، فأتاهم رسول الله فنزلوا على حكمه، فرد الحكم على سعد، قال: (فإني أحكم فيهم أن تُقتل المقاتلة، وأن تُسبى النساء والذريَّة، وأن تقسم الأموال) [البخاري رقم الحديث 4117، فتح الباري (7/407)، ومسلم (3/1389)].
إن عملاً يجتمع عليه أهل السماء بأهل الأرض من عباد الله لإعلاء كلمة الله لهو أفضل الأعمال وأعلاها، وإذا كان جبريل عليه السلام لا يضع سلاحه، بل يواصل التحريض لأولياء الله على أعدائه، ويخوض غمار المعارك حتى يغطِّي الغبار رأسه فينفضه بيده؛ إذا كان جبريل يفعل ذلك ويحرص على الجهاد في سبيل الله، وهو مجبول على طاعة الله، فما بالك بفضيلة هذه العبادة العظيمة وكيف يزهد في الجهاد أهل الأرض من المسلمين، وفيه عزهم، وفي تركه ذلهم ومهانتهم؟.
من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله
وممَّا يُظهر فضل الجهاد في سبيل الله هدفه العام الذي شرع من أجله، عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي ، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) [البخاري رقم 2810، فتح الباري (6/27) ومسلم (3/1512)].
فالذي يجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، لا لمغنم، ولا لذكر ورياء، ولإعلاء كلمة الله يتحقق به كل خير ويُقضى به على كل شر. الذي يجاهد لذلك لا شك يحوز فضلاً لا يحوزه إلا من سلك سبيله.
التوقيع


//



//
  رد مع اقتباس
قديم 01-23-2009, 09:01 PM   #6 (permalink)
 
الصورة الرمزية مهاجر

 









مهاجر غير متواجد حالياً
افتراضي رد: ::: فضل الجهاد في سبيل الله (30-37) :::

فضل الجهاد في سبيل الله (47-50)





(47)

الفرع الثالث ذكر بعض أقوال السلف الصالح في فضل الجهاد والترغيب فيه
لقد كان أصحاب رسول الله ومن تبعهم بإحسان على علم تام بفضل الجهاد في سبيل الله وعظمته، وذلك ما حدا بهم إلى التسابق إليه والتنافس فيه.
قال الضحاك في قوله تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) [البقرة: 216] قال: (فنزلت آية القتال فكرهوها، فلمَّا بيَّن الله عز وجل ثواب أهل القتال وفضيلة أهل القتال، وما أعدَّ الله لأهل القتال من الحياة والرزق لهم؛ لم يؤثر أهل اليقين بذلك على الجهاد شيئاً، فأحبوه ورغبوا فيه حتى إنهم يستحملون النبي ، فإذا لم يجدوا ما يحملهم تولَّوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَناً ألا يجدوا ما ينفقون، والجهاد من فرائض الله) [الجهاد لابن المبارك (1/66)].
وقال سيف الله خالد بن الوليد الذي ذاق حلاوة الجهاد في سبيل الله – بعد أن ذاق الإيمان بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً – وقضى حياته كلها مجاهداً، وأخذ يقارن بين مُتَع الحياة ممثِّلاً لها بعروس هو لها محب، أو بغلام بُشِّر به، والجهاد في سبيل الله، فيرى في هذا متعته وقرة عينه، قال : (ما من ليلة يُهدَى إليّ فيها عروساً أنا لها محب، أو أُبشَّر فيها بغلام، أحب إلي من ليلة شديدة البرد، كثيرة الجليد في سرية أصبِّح فيها العدو) [نفس الكتاب (1/91)].
وقال عمرو بن عتبة بن فَرقْد: (سألت الله عز وجل ثلاثاً فأعطاني اثنين، وأنا انتظر الثالثة: سألته أن يزهِّدني في الدنيا فما أبالي ما أقبل منها وما أدبر، وسألته أن يقوِّيني على الصلاة فرزقني منها، وسألته الشهادة فأنا أرجوها) [نفس الكتاب (2/112)].
تأمل كيف كانوا يسألون الله التوفيق لأداء الشعائر التعبدية والجهاد في سبيل الله ونيل الشهادة على حد سواء، وقارن بين هؤلاء وأهل الزوايا الذين لا يبالون أرتفعت راية الحق أم راية الباطل ؟ ويكتفون بترديد بعض الهمهمات التي يزعمون أنها ذكر لله، وطغاة الباطل يقودون البشر إلى عبادة غير الله، أهؤلاء عُبَّاد لله فعلاً ؟!؟
انظروا هذا الجهاد فالزموه !
عن جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يقول: (لما حضر الناس باب عمر وفيهم سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن حرب وتلك الشيوخ من قريش، فخرج آذنه، فجعل يأذن لأهل بدر، لصهيب وبلال، وأهل بدر، وكان والله بدرياً، وكان يحبهم وكان قد أوصى بهم)، فقال أبو سفيان: " ما رأيت كاليوم قط، إنه يؤذن لهذه العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا!! " فقال سهيل بن عمرو – ويا له من رجل ما كان أعقله – " أيها القوم، إني والله لقد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضاباً فاغضبوا على أنفسكم، دعي القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم، أما والله لمَا سبقوكم به من الفضل فيما لا ترون أشد عليكم فوتاً من بابكم هذا الذي تنافسونهم عليه، ثم قال: أيها القوم، إن هؤلاء القوم سبقوكم بما ترون فلا سبيل لكم – والله – إلى ما سبقوكم إليه، وانظروا هذا الجهاد فالزموه عسى أن يرزقكم شهادة، ثم نفض ثوبه فلحق بالشام، فقال الحسن: (صدق – والله – لا يجعل الله عبداً أسرع إليه كعبد أبطأ عنه) [الجهاد (1/85-86)].
(48)
أبت البحوث
وكان كبار الصحابة م يغزون وقد شاخوا، فيشفق عليهم الناس، وينصحونهم بالقعود عن الغزو، لأنهم معذورون، فيجيبونهم أن سورة التوبة تأبى عليهم القعود، ويخافون على أنفسهم من النفاق إذا ما تخلَّفوا عن الغزو.
عن جُبَير بن نُفَير قال: (جلسنا إلى المقداد بن الأسود بدمشق وهو يحدِّثنا وهو على تابوت ما به عنه فضل، فقال له رجل: لو قعدتم العام عن الغزو ؟ قال: أبت البحوث – يعني سورة التوبة – قال الله تبارك وتعالى: (انفروا خفافاً وثقالاً) [التوبة: 41] قال أبو عثمان: " بحثت المنافقين " [الجهاد (1/88)].
قال ابن قدامة: (قال الأشرم: قال أحمد: لا نعلم شيئاً من أبواب البر أفضل من السبيل. وقال الفضيل بن زياد: سمعت أبا عبد الله – وذُكر له أمر العدو – فجعل يبكي ويقول: ما من أعمال البر أفضل منه. وقال عنه غيره: ليس بعد لقاء العدو شيء. ومباشرة العدو بنفسه أفضل الأعمال والذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن الإسلام وعن حريمهم فأي عمل أفضل منه ؟ الناس آمنون وهم خائفون، قد بذلوا مهج أنفسهم) [المغني (9/199)].
وقال السرخسي: (وقد كان رسول الله تارة يخرج وتارة يبعث غيره، حتى قال: (وددت ألا تخرج سرية أو جيش إلا وأنا معهم، ولكن لا أجد ما أحملهم ولا تطيب أنفسهم بالتخلُّف عني) [راجع صحيح مسلم (3/1497)]، (ولوددت أن أقاتل في سبيل الله تعالى حتى أقتل ثم أُحيا ثم أقتل) [راجع صحيح مسلم أيضاً (3/1497)] ففي هذا دليل على أن الجهاد وصفة الشهادة في الفضيلة بأعلى النهاية، حتى تمنى ذلك رسول الله مع درجة الرسالة. والآثار في فضيلة الجهاد كثيرة وقد سمّاها الرسول سنام الدين) [المبسوط (10/3) وراجع جامع العلوم والحكم لابن رجب ص 336، الطبعة الثانية – الحلبي].
وفي حواشي تحفة المحتاج: (والأصل فيه الآيات الكثيرة والأحاديث الصحيحة والشهيرة، وأخذ منها ابن أبي عصرون أنه أفضل الأعمال بعد الإيمان، واختاره الأذرعي، وذكر أحاديث صحيحة مصرِّحة بذلك، أوَّلها الأكثرون بحملها على خصوص السائل أو المخاطب أو الزمن) [حواشي تحفة المحتاج على شرح المنهاج للنووي (9/211)].
(49)
وقال ابن تيمية مشيراً إلى بعض فضائل الجهاد – في سياق دعوته الناس إلى قتال التتار -: (ولهذا كان الجهاد موجباً للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم، كما دل عليه قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهديَّنهم سبلنا) [ العنكبوت: 69] فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى، ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر، فإن الحق معهم، لأن الله يقول: (والذين جاهدوا فينا لنهديَّنهم سبلنا) [ العنكبوت: 69].
وفي الجهاد أيضاً حقيقة الزهد في الحياة الدنيا وفي الدار الدنيا، وفيه أيضاً حقيقة الإخلاص، فإن الكلام فيمن جاهد في سبيل الله، لا في سبيل الرياسة ولا في سبيل المال، ولا في سبيل الحميِّة، وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله لله ولتكون كلمة الله هي العليا.
وأعظم مراتب الإخلاص تسليم النفس والمال للمعبود كما قال تعالى: ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيَقتُلون ويُقتَلون) [التوبة: 111]. والجنة اسم للدار التي حوت كل نعيم أعلاه النظر إلى الله، إلى ما دون ذلك ممَّا تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مما قد تعرفه وقد لا تعرفه، كما قال تعالى: فيما رواه عنه رسوله : (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) [مجموع الفتاوى (28/42) والحديث في مسلم (4/2174)].
(50)
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي !
هذا، ولو أراد الباحث تتبُّع نصوص فضل الجهاد من الكتاب والسنة والواقع التاريخي لكان ذلك جديراً بمؤلف خاص، ولكنه أراد في ختام هذا المبحث أن يحدو بالمسلمين إلى هذا الفضل العظيم والتسابق فيه، فأحس بالعجز عن أن يؤثِّر حُداؤه، لأن الحادي الذي يؤثر حداؤه لا بدّ أن يكون من أهل المعنى الذي يحدو بالناس إليه، والباحث ليس كذلك، ويأبى الله أن يكون هذا من باب التواضع، ولكنه الواقع وما للواقع من دافع، لذلك عاد الباحث إلى أحد أئمة الجهاد فوجد بغيته عنده مما حدا به في زاد المعاد.
قال ابن القيم رحمه الله: (وأخبر سبحانه أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وأعاضهم عليها الجنة، وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضل كتبه المنزلة من السماء، وهي: التوراة، والإنجيل، والقرآن. ثم أكّد ذلك بإعلامهم أنْ لا أحد أوفى بعهده منه تبارك وتعالى، ثم أكّد ذلك بأن أمرهم بأن يستبشروا ببيعهم الذي عاقدوه عليه، ثم أعلمهم أن ذلك هو الفوز العظيم. فليتأمل العاقد مع ربه عقد هذا التبايع ما أعظمه وأجله، فإن الله عز وجل هو المشتري، والثمن جنّات النعيم والفوز برضاه والتمتع برؤيته هناك)..
والذي جرى على يده هذا العقد أشرف رسله وأكرمهم عليه من الملائكة والبشر، وأن سلعة هذا شأنها لقد هيئت لأمر عظيم وخطر جسيم:
قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهَمَل
مهر المحبة والجنة بذل النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، فما للجبان المعرض المفلس وسَوْم هذه السلعة. بالله ما هزلت فيستامها المفلسون، ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون، لقد أقيمت للعرض في سوق من يزيد، فلم يَرْض ربها لها بثمن دون بذل النفس فتأخر البطَّالون، وقام المحبون ينتظرون أيهم يصلح أن يكون نفسه الثمن، فدارت السلعة بينهم ووقعت في يد (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) [المائدة: 54].
لما كثر المدّعون للمحبة طولبوا بإقامة البيّنة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادّعى الخلي حرفة الشجي، فتنوّع المدّعون في الشهود، فقيل لا تثبت هذه الدعوى إلا بينة: (قا إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) [آل عمران: 31]، فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع الرسول في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البيّنة، وقيل لا نقبل العدالة إلا بتزكية (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) [المائدة: 54] فتأخر أكثر المدعين للمحبة وقام المجاهدون، فقيل لهم: إن نفوس المحبِّين وأموالهم ليست لهم فسلموا ما وقع عليه العقد (فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) [التوبة 111] وعقد التبايع يوجب التسليم من الجانبين، فلما رأى التجار عظمة المشتري، وقدر الثمن، وجلالة قدر من جرى عقد التبايع على يديه، ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد، وعرفوا أن للسلعة قدراً وشأناً ليس لغيرها من السلع، فرأوا من الخسران البيِّن والغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة تذهب لذاتها وشهواتها، وتبقي تبعتها وحسرتها، فإن الفاعل ذلك معدود في جملة السفهاء؛ فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضاء واختياراً من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك.
فلما تمّ العقد وسلّموا المبيع قيل لهم: قد صارت أنفسكم وأموالكم لنا، والآن فقد رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعاف أموالكم معها: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون) [آل عمران: 169] لم نبتع منكم بنفوسكم وأموالكم طلباً للربح عليكم، بل ليظهر أثر الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاء عليه أجلُّ الأثمان، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمن.
التوقيع


//



//
  رد مع اقتباس
قديم 01-23-2009, 09:01 PM   #7 (permalink)
 
الصورة الرمزية مهاجر

 









مهاجر غير متواجد حالياً
افتراضي رد: ::: فضل الجهاد في سبيل الله (30-37) :::

تأمل هنا قصة جابر، وقد اشترى منه بعيره ثم وفّاه الثمن وزاده ورد عليه البعير، وكان أبوه قد قتل مع النبي في وقعة أحد، فذكَّره بهذا الفعل حال أبيه مع الله، وأخبره أن الله أحياه وكلّمه كفاحاً. وقال: يا عبدي تمنَّ علي.فسبحان من عظم جوده وكرمه أن يحيط به علم الخلائق، فقد أعطى السلعة وأعطى الثمن، ووفَّق لتكميل العقد، وقبل المبيع على عيبه، وأعاض عليه أجلَّ الأثمان، واشترى عبده من نفسه بماله، وجمع له بين الثمن والمُثَمَّن، وأثنى عليه ومدحه بهذا العقد، وهو الذي وفقه الله له وشاءه منه:
فحيهلا إن كنت ذا همة فقد ========= حدابك حادي الشوق فاطو المراحلا
وقل لمنادي حبهم ورضاهمُ ============== إذا ما دعا لبيك ألفا كواملا
ولا تنظرِالأطلال من دونهم فإن ========== نظرتَ إلى الأطلال عُدْنَ حوائلا
ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ============ ودَعه فإن الشوق يكفيك حاملاً
وخُذ منهمُ زادا إليهم وسِرْ على ========== طريق الهدى والحب تصبح واصلاً
وأحيِ بذكراهم شراك إذا دانت =========== ركابك فالذكرى تعيدك عاملاً
وإما تخافنَّ الكلال فقل لها ============= أمامك وِرْدُ الوَصل فابغي المناهلا
وخُذْ قبساً من نورهم ثم سِرْ به ============ فنورهم يهديك ليس المشاعلا
وحيِّ على وادي العراك فقِلْ به =========== عساك تراهم ثَمَّ إن كنت قائلا
وإلا ففي نعمانَ عندي معرف الـ ========= ـأحبة فاطلبهم إذا كنت سائلا
وإلا ففي جمع بليلته فإن ============== تفُتْ فمني يا ويح من كان غافلا
وحيِّ على جنات عَدْن فإنها ============== منازلك الأولى بها كنت نازلاً
ولكن سباك الكاشحون لأجل ذا ========= وقفتَ على الأطلال تبكي المنازلا
وحيّ على يوم المزيد بجنة الـ ========= ـخلود فجد بالنفس إن كنت باذلاً
فدَعْها رسوماً دارساتٍ فما بها ============= مقيل وجاوزها فليست منازلا
رسوماً غَفَت ينتابها الخَلْق كم بها =========== قتيل وكم فيها لذا الخلق قاتلا
وخُذْ يمنة عنها على المنهج الذي ============= عليه سرى وفد الأحبة آهلا
وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة =========== فعند اللقاء الكد يصبح زائلا
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ============ ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا
لقد حرك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية والهمم العالية، وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية، وأسمع الله من كان حيا، فهزه السماع إلى منازل الأبرار، وحدا به في طريق سيره، فما حطت به رحاله إلاّ بدار القرار، فقال: (انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة، ولولا أن أشقّ على أمتي ما قعدت خَلْف سرية، ولوددت أني أُقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا) انتهى كلام ابن القيم من [زاد المعاد في هدي خير العباد (2/66-67)].
وساق رحمه الله بعض الأدلة على فضل الجهاد في سبيل الله.
كتبه


د . عبد الله قادري الأهدل

http://www.saaid.net/Doat/ahdal/index4.htm
التوقيع


//



//
  رد مع اقتباس
قديم 01-30-2009, 09:38 PM   #8 (permalink)
افتراضي رد: ::: فضل الجهاد في سبيل الله (30-37) :::

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags - تاق )
3037, الله, الجهاد, سبيل, فضل


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر رد
::: حكم الجهاد في سبيل الله ::: مهاجر حركات الشريعة والعقيدة الصحيحة 4 02-27-2009 09:50 PM
::: لكل من حدثته نفسه بالجهاد في سبيل الله ::: مهاجر حركات الشريعة والعقيدة الصحيحة 9 02-21-2009 09:32 PM
::: الجهاد في سبيل الله (8-10) ::: مهاجر حركات الشريعة والعقيدة الصحيحة 1 01-30-2009 09:40 PM
::: أبدية الجهاد في سبيل الله (24-29) ::: مهاجر حركات الشريعة والعقيدة الصحيحة 1 01-30-2009 09:37 PM


الإعلانات النصية


الساعة الآن 07:09 AM.


 
RSS 1 | RSS 2 | PHP | XML | ROR | URLLIST | HTML
Sitemap XML | sitemap-1.php | Sitemap URLLIST | Sitemap PHP
sitemap-1.xml | sitemap.mht | sitemap.html
Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd