تذكرت إميلدا ماقاله ثينون : "هذا ما كنت أنتظر. إن هذا البلد صابون".. قال ذلك عندما وصله الخبر. لا يمكن لأحد أن يصدق ذلك. لا يمكن لأحد أن يتخيل ذلك عن أدالبيرطو.. شاب هادئ. مجد في دراسته، لم يكن "فاسقا". ماكانت لديه غير حبيبة واحدة، هجرها لأسباب مجهولة. قالت باميلا : هجرها بسبب فتاة أخرى، لاأدري. ولا أحد يعتقد ذلك. أنا نفسي لا أصدق..
كل شيء جاهز. لم تستطع إميلدا أن تتذكر أهي المرة الأولى، أم الثانية أم الخامسة، استعادت ملاحظاتها لائحة احتياجاتها للسفر، الحقيقة الصغيرة علبة الماكياج، الرسائل. النقود تذكرة السفر. المحفظة والكعك.
"ثينون" صامت. غير أن إميلدا تفضل أن يخرج من سكوته الآن حتى وأن أوجعها الرأس بموضوعاته الغريبة سكوته أشد إيجاعا، و"فيبي" ينظر بحزن. نظرته مسمرة في الصمت. كادت إميلدا أن تبكي، لكنها كبحت بكاءها. كانت تكبح دموعها أمام "ثينون" وأمام ابنتها باميلا، وأمام أي إنسان آخر. ولكنها لا تستطيع كبح دموعها أمام أختها، كانت تقول أنا عمود هذه الدار. أنا الرجل، أنا المرأة، أنا كل شيء علي أن أقوم بكل شيء، علي أن أطبخ وأنا أقوم بأشغال المنزل، علي أن أسهر على هذا البيت، وعلي أن أطلب ... لأن "ثينون" لا يقدر. لولا مرضه لكان "شيئا" آخر. ترك كل العبء علي، وعلي الآن أن أكون الأقدر في هذه الدار، لا حق لي في البكاء. ولا تصرف وفق الدور والموقع الذي صرت فيه وإلا فإن هذه الدار ستهوي وستغرق، الماسحة، محفظة النقود .. إميلدا بكت في منزل أختها ميلدريد. قالت لها، حسنا، يجب عليك أن "تتحركي" بشأن هذه القضية، زوجك مريض غير قادر على شيء، غير قادر على شيء كررت إميلدا وتنهدت في صبر، حقيقة –تابعت كلامها – لذلك اعتقد أن المسكين يتعذب أكثر، كان يحتج ضد الظلم ويدافع عن كل من طاله ظلم أو تعسف.
إن التقدم في العمر يهلك، وما يحمله من علل يهلك أكثر. يبدو الآن في صمته وكأنه ينخر روحه وأحشاءه. ماذا أفادني عملي في الحرس المدني، وها أنا متقاعد الآن – هكذا كان يقول – بعد أن خدم الدولة كل حياته تقريبا. لا شيء كرر بقناعة مرة، تلك كانت فكرته، حين وضع ورقة مكتوبة في عجين الكعك. ارتابت إميلدا أكان ذلك في الكعك الثاني أم الرابع، قال ثينون : من أجل ماذا كل هذا الجهد وكل هذا الزمن الضائع من التضحيات؟ إن الدولة لا تعترف ولا تجازي بقدر جسامة تفانينا في خدمتها. هذا ما يحصل دائما. دائما، ما أشتكي؟ وغرق من جديد في صمته.. معجون الأسنان، الصابون، المنديل، ملابس أد البيرطو. وبنطلون، قميص بثياب داخلية.. قالت لها ميلدريد، إنك الآن بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى كل طاقتك، بكت إميلدا مع أختها ميلدريد، تبكي كطفلة، تبكي في كل مكان حيث لا يراها أحد. ميلدريد وحدها التي رأت دموعها.
فيبي ينظر إلى الباب، لا أدري هل ينتظر لحظة دخول "ادا لبيرطو" أم لحظة خروجي، كأن هذا الحيوان يحس بالجو الرمادي الخاثر في هذه الدار. باميلا الوحيدة التي ألفت غياب "أدا لبيرطو". مازالت صغيرة، قالت إميلدا : "هذه حلوياتها. باميلا اشترت كيسا من الحلوى لتحملها إميلدا إلى أخيها" قالت لها "ميلدريد" : اذهبي إلى نائب كاتب الدولة في الداخلية. وإلى خوسي راميريث. إنه صديقي، قولي له : إنك أختي، إنه رجل طيب، يعمل في وزارة الدفاع، يستطيع مساعدتك، اذهبي إلى هنا وهنالك.
ابحثي عن فلان وفلان. قولي لهم أن زوجك عمل في الحرس المدني. وابنك كان أفضل تلميذ في المدرسة والثانوية. حظي بجوائز، ونال شهادات... احملي الشهادات. من يدري، ابحثي عن خوان بلد يراما، إنه من أقاربا. أبوه ابن عم جدنا، في مثل هذه الحالة عليك أن تلجئ إلى جميع الناس. وذلك الرجل صاحب موقع ممتاز. قولي لهم كذا وكذا. كأنني لا أدري ما أقول وربما في هذه الظروف يتخدر المرء من دون أن يدري. الحقيقة، أنني منذ اليوم الذي توصلت فيه بالخبر، وأنا أعيش في بلاهة تامة، عندما أخبروني أحسست بطعنة في صدري". أجهدت إميلدا نفسها واستعادت قوتها وفي الحين هيأت الأكل، القهوة، هيأت غطاء، واشترت سجائر. جاءت إلى مكاتب القسم السياسي. لم يسمحوا لها بمقابلة "أد البيرطو" : من فضلكم أيمكنكم تسليمه هذه الحاجيات؟ نعم، ليس لدينا مانع، قالت إميلدا : إنه الأكل فقط، قهوة وسجائر، إن التفتيش يا سيدتي عمل نقوم به كل يوم ولا يسمح بإدخال أية ورقة مكتوبة ولا رسائل، ولا صحف يومية ولا جهاز راديو.
ثينون في المنزل غاضب وحزين : هذا ما يحدث دائما، دائما هكذا، كأن الإنسانية لم تبرح مكانها، لازالت كما كانت منذ القدم بالرغم من التقدم العلمي والتقني، بالرغم من صعود المزيد من المدارس والجامعات. والمزيد من المفكرين، لازالت الإنسانية في نفس مكانها القديم، طريقتها في العيش، في العمل، في التفكير، لازالت كما كانت منذ القدم، منذ آلاف السنين الطموح، السلطة، الحب، الحقد، الإنسانية نقطة ملتصقة باللانهائي، لا تمضي إلى أية جهة، إنها هناك، هذا هو كل شيء.
في اليوم الموالي طبخت إميلدا طعامها مبكرا وذهبت رفقة باميلا إلى القسم السياسي حاملة سلة الطعام، قالوا لها : سيدتي ابنك ذهبوا به إلى العاصمة، وسألتهم إميلدا نفس سؤال الأمس، عن الأسباب، وبأي حق اعتقلوه. وما أسباب ترحيله إلى العاصمة. أجابوها : ! لا نعلم أي شيء، إنها أوامر عليا. قالت إميلدا : كيف يمكن ذلك؟ قلنا لك سيدتي. نحن لا نعلم شيئا، إنها أوامر صادرة عن السلطات العليا. ونحن ما علينا إلا التنفيذ. إنها أوامر من الوزارة ، عليك أن تبحثي عنه هناك، كأن أفواههم مغطاة بالحجارة.
ماذا فعل أدالبيرطو؟ سألت نفسها لم تلاحظ عليه أبدا أي نشاط غريب عن حياته الطلابية. ولم تسمعه أبدا يتحدث ولو بالتلميح في السياسة.
تذكرت طفولته، كانت تملك ألبوما مليئا بالصور عن ماضيه منذ أن كان عمره شهرا. ولكي تصون مستقبله وتؤمن على مصيره كانت قد فتحت حسابا له في صندوق التوفير. هكذا كانت تقول. عندما علم ثينون بالخبر السيئ عن نقل "أدالبيرطو" إلى العاصمة علق على ذلك.
لا نعرف قوانين الحكومة، لأنها ليست صادرة عن المحكومين، ولسنا مؤهلين لفهمها، باميلا تدندن كعادتها بصوت خفيض، إميلدا أعدت كل شيء، كل شيء جاهز الملابس، الحقيبة والكعك، ومنذئذ أصبحت باميلا الطباخة الرسمية للمنزل. وذهبت مع خالتها "ميلدريد" لتوديع "إميلدا" في محطة الحافلات. سافرت تلك الليلة، بعد أن اشترت الفواكه والخبز المحشو، توجهت إلى وزارة الداخلية وقدمت بطاقة تعريفها، وبعدما أعلنت لهم عن سبب مجيئها إلى الوزارة، قام الموظفون بالتفتيش في بعض اللوائح، وقالوا لها، سيدتي، لا يوجد أحد يحمل هذا الاسم، في المكاتب التابعة لنا. إن جاؤوا به من داخل البلاد فربما حملوه إلى زنازين القسم السياسي وقريبا يبعثون إلينا بالمحضر والتقرير عن السوابق. نعم، نعم، طبعا، بإمكانك الذهاب إلى هناك.
في القسم السياسي لا أحد أعطاها جوابا أو معلومات عن مكان وجود "أدالبيرطو"، لا نعرفه ولا يوجد لدينا، أي طالب جامعي، من الداخلية؟ ! أعطوك معلومات خاطئة أو ربما ثمة خطأ، لكن هنا، لا يوجد، ربما ذهبوا به إلى "بانوبطيكو". هل بحثت عنه هناك؟ أحيانا إما لضيق المكان، وإما لأسباب خاصة يرسلونهم إلى هناك، تذكرت كلام أختها ميلدريد : ستعترض طريقك مشاكل، ستصطدمين بصعوبات جمة، الطريق لن يكون سهلا، لا تيأسي. اعلم أن لك إرادة، لكن ثمة ظروف تقهر الهمم الفاترة لا تكوني كئيبة تذكري أن لديك بنتا وزوجا.
وصلت إلى بانوبطيكو كلها أمل. كانت خيبتها كبيرة حين لم تجده هناك، لا يا سيدتي، لا يوجد هنا. لا تلحي، لا ندري شيئا، لو كان هنا لما حرمناك من مقابلته. ولكنه غير موجود.. عليك أن تبحثي في الوزارة، ألا يعلمون أين هو؟ ليس الذنب ذنبنا.. شعرت إميلدا بقلق رهيب، كأن شيء في لحمها يؤلمها ألما أقوى من أي ألم جسدي أو معنوي، أين هو أدالبيرطو؟ -سألت نفسها – لا بد أن يعلم أحدهم مكان وجوده، سجنه، قالت ذلك وهي في الشارع، بدموع لا تكبح. لا يمكن أن يغيب، أن يفقد الإنسان هكذا في بلد متحضر وفي اكتمال القرن العشرين.
قال ثينون : إذا كان أدالبيرطو قد انضم إلى حركة سياسية فأنا لا أعلم لماذا فعل؟ لماذا لم يحدثني في هذه الأمر؟ كل حركة ثورية بلا جدوى، قبل أن تبلغ منتصف الطريق تفقد فعاليتها.. تتجمد وتضيع تضحيات، غير مجدية يبذلها البعض أو آلاف الأشخاص، بعدها يلقى بهم في عالم النسيان.
في الوزارة من جديد : كم مرة؟ كم مرة صعدت الدرج؟ عشرة؟ عشرون؟ ثلاثون مرة؟ بعد ذلك علمت بوجود زنازين في سراديب تلك البناية، وتصورت وجود ابنها في تلك اللحظة قريبا منها ببضعة أمتار تحت حراسة مشددة، طلبت المقابلة من جديد، انتظرت. طال انتظارها مئات الساعات وهي جالسة على كرسي لعلها تقابل كاتب الدولة أو نائبه أو الوزير نفسه. كثير من الناس ينتظرون ويتنافسون من أجل مقابلة الوزير. وعندما يبدو أن دور أحدهم قد وصل. فإن ذلك يصادف إما ساعة إقفال المكاتب، أو وصول شخصية ودخولها دون طلب مقابلة ولا انتظار، ليظل هناك إلى الأبد، وأحيانا يخرج الوزير لأن الرئيس استدعاه، أو يخرج في مهمة، أو ببساطة لا يحضر إلى مكتبه النهار بكامله.
لم تحصل إميلدا على مقابلة السيد الوزير لكنها قابلت نائب الكاتب العام، قال لها ببرود : أكيد لأن ثمة خطأ، أو التباسا. إن ابنك يوجد في مكان إقامته، كما اتضح يا سيدتي، إن ابنك لا يوجد هنا، لا يوجد اسمه في أية لائحة من لوائحنا، ارجعي إلى بلدتك لا أعتقد بوجوده في مكان آخر.
خلال عودتها استحالت حسرتها وكربتها دما يسري في عروقها، واستحال لحمها آلاما. بكت باميلا، وبعد ذلك دندنت بأغنية. وذرفت ميلدريد دموعها في صمت. قال ثينون، إننا نعيش بشكل دائري. هناك تسلسل وانسجام حميم ما بين زمن الأحداث القديمة وأحداث اليوم. كأن نقطة ما توقفت في التاريخ. توقفت عند اللانهائي. تلك النقطة هي الهوية، هي الأمس واليوم والغد. ذلك يعني أن أي حدث إنما يتكرر حدوثه مع كل دورة تاريخية.
ذهبت إميلدا مع أختها ميلدريد إلى القسم السياسي في بلدتها، وقال لها الموظفون : ألا يوجد في العاصمة ؟ غريب أمره ! أما هنا فغير موجود.
بإمكاننا إدخالكما – إذا أردتما – لمعاينة الزنازين، لا يوجد هنا. في تلك الليلة، يوم اعتقاله. حضر رجال الشرطة المفوضون من طرف الوزارة وذهبوا به. إنها أوامر السلطات العليا. قالوا لنا إنهم سيحملونه إلى العاصمة "لاباث" لربما ذهبوا به إلى مركز من مراكز الاعتقال "بكوشا بامبا" أو "أور ورو"، لابد أن يكون هناك.
قالت إميلدا لثيون : غدا سأسافر إلى كوشا بامبا، ومن هناك سأنتقل إلى "أور ورو". ونامت لتستريح من وطأة التعب، وفي تلك الليلة حلمت إميلدا. حلمت أنها تعاني من الجوع، أحست بألم في لحمها بسبب بلوى العواصف التي تجلدها مع كل فجر، وأحست بشتاءات كثيرة متراكمة في عظامها، وبخلاياها تتحول وتمتزج بالإسمنت والحديد، كما أحست بأمطار جليدية قارسة تبلل جسدها العاري، وببرق ورعد ينفجر في جلدها. لياليها كانت مخثرة بالخوف والفزع. وتوسلت أن يبزغ الفجر الذي لن يبزغ أبدا. تلمست في العتمة الغبار، وكثيرا ما ظنت أنها قد تحولت غبارا. شعرت بنهر من رياح النار والجليد تجري في ذاتها وتوقظها، لم تنم بقية الليل، وقالت لنفسها، إن ذلك الحلم لم يكن غير ثمرة حالتها النفسية وخيالها المتشائم، أجهدت نفسها لتعتقد أن أدالبيرطو يوجد في مكان آمن، وأنهم يعاملونه معاملة أي إنسان آخر. لأنهم إخوان في الأرض. وفي الوطن الذي شهد ميلادهم. إخوان من الدم والجنس الآدمي، إخوان من آدم وحواء، وأخيرا إخوان حبا في الله. ولكن ظلام الغرفة أدخل الارتياب إلى نفسها. أشعلت ضوء المائدة الصغيرة. قالت لها ميلدريد : اصنعي كعكا آخر لتحمليه إلى أدالبيرطو، حتى لا تفقدي التفاؤل والثقة ... التفاؤل يعين عزيمتك وجسدك، وحتى يمر كل شيء على ما يرام.
من جديد تلك الطقوس التي تسبق ساعات السفر. الكعك، الحقيبة، الملابس. ثيون صامت في كرسيه، باميلا تراقب الفرن، فيبي ملقى على الأرض ينظر إلى تلك اللوحة الرمادي. من الفضاء تنزل كتلة صمت جيلا تيني. توترت أعصاب إميلدا بسبب شعور مسبق بأن هناك صرخة داخل الغرفة، داخل الصمت نفسه، تثقب مسامعها، تلك الصرخة جعلت الكلب فيبي يحرك رأسه وينظر إلى الباب. كسر ثينون ذلك الصمت المثقل. وقال: إن الثورة تشبه السهم في حركته إذا أطلق نحو الفضاء، الكل يعتقد أن السهم سيصل إلى مكان ما، وهو اعتقاد زائف. إن السهم لا يتحرك. إذا قسمنا الزمن وفي كل لحظة احتل فيها السهم نقطة في الفضاء، فإن الحيز الذي تشغله تلك النقطة يوضح لنا أن السهم لا يتحرك.
سافرت إميلدا إلى "كوشا بامبا" ومن هناك إلى "أورورو"، ولم تحصل على أية معلومات عن "ادا البيرطو" في كلتا المدينتين. ومن أورورو انتقلت إلى "لاباث" بحثت عن الأشخاص الذين نصحتها أختها ميلدريد بطلب مساعدتهم. تأخرت في ذلك ثلاثة أيام، لم يكن العثور عليهم سهلا. إما لأنهم غيروا مكان سكناهم، وإما بسبب خروج غير متوقع، أو لغيابهم عن المدينة. لم ينفعها اللقاء بهم في شيء. قال لها أحدهم : نحن الذين نعمل في الحكومة، لا يسمح لنا أن نتدخل في قضية أي معتقل سياسي. وقال لها آخر : آسف، أود مساعدتك، لكنني أملك مطبعة كبيرة، وسيكون من المخاطرة حتى ولو قمت بمجرد زيارة ابنك، ومع ذلك، سأحاول مساعدتك بشكل أو بآخر، هل تحتاجين إلى نقود ؟.
قررت إميلدا زيارة مختلف مراكز الاعتقال. سألها شرطي من شباك نافذة القسم السياسي، ما اسم ابنك ؟ أدا لبيرطو بيغا. لنر، نعم يوجد هنا، قال ذلك وهو ينظر إلى أوراق في يده، أحست إميلدا بالدم يتدافع إلى وجهها. وشعرت بفرح عارم، فاض بغزارة من جميع مسام جلدها. ه... هل أستطيع أن أراه ؟ نعم، طبعا، يمكنك مقابلته لمدة ثلاث دقائق فقط، هل معك إذن بالزيارة ؟ إذا ماذا ؟ لا، ليس معي. أين يمكن لي الحصول عليه ؟ في الوزارة. استقلت إميلدا سيارة أجرة، أسرع من فضلك، حركة المرور، الازدحام، السيارة غير قادرة ... التزمير، الساعة الثانية عشرة. عندما وصلت ألفت المكاتب مغلقة، يا سيدتي ارجعي يوم الإثنين ومن جديد عاودتها تلك الكآبة الفظيعة، استقلت سيارة أجرة أخرى، وعادت إلى بناية القسم السياسي، ألا يمكن رؤيته بأي شكل من الأشكال ؟ رأت الناس يدخلون بورقة الإذن لمقابلة أقاربهم المعتقلين. صاح شرطي : "ويلفريدو سانشيث" أمه تطلبه. لا يا سيدتي، لا يمكن. وهل بإمكانكم تسليمه بعض الأشياء حملتها إليه ؟ نعم، طبعا نسلمها له. قالت لهم إميلدا : سأعود حالا، ذهبت واشترت علب سردين، بسكويت، علب السجائر، عصير الفواكه، عجين محشو، حليب معلب، زبدة، جبن، خبز، زيتون، لحم مجفف، مربى، تفاح، موز، برتقال، لحم خنزير محشو، كل هذه الأشياء سلمتها لشرطي من شباك النافذة مع الحلوى التي اشترتها باميلا. والكعك اليابس. وملابس أدا لبيرطو، تنفست إميلدا في هدوء، كان عليها أن تنتظر يوم السبت وغدا الأحد طيلة النهار.
من أجل من يا سيدتي ؟ سألوا إميلدا – عندما حضرت إلى الوزارة في الساعة الأولى من صباح يوم الإثنين طالبة الإذن بالزيارة – لزيارة اد البيرطو بيغا. أين يوجد ؟ في القسم السياسي. لنر السلسلة "س" بيغا، با، با، با، ... لا يوجد هنا أي شخص يدعى بيغا. غير ممكن. صرخت إميلدا مذعورة. لجأت إلى أعلى موظف. الربع أو الخامس في هرم سلم الوزارة. أنا بنفسي سلمت لهم يوم السبت مواد غذائية لابني. لمن سلمتها يا سيدتي ؟ لشرطي هنا. ما اسمه ؟ لا أدري. لا أعرف إسمه. قلت لك لا أدري. تعرفي عليه يا سيدتي وأخبرينا. لأن اسم ابنك لا يوجد في اللوائح التي لدينا. لا يوجد أي محضر أو تقرير حول هذا الاسم. أنت تعانين ربما من الأوهام أو الهذيان أو من خدعة عقلية. وقد يكون هناك خطأ في القسم السياسي.
أسرعت إميلدا بقلق إلى القسم السياسي. لا يا سيدتي لا يوجد لدينا أي طالب جامعي يدعى أدا لبيرطو بيغا وأين هو الشرطي الذي استقبلني يوم السبت ؟ أي شرطي ؟ شرطي أسمر. نحيل عمره ما بين الثلاثين والخامسة والثلاثين. ما اسمه ؟ لا أدري ... لا أدري ... لكنه قال لي أن ابني موجود هنا، وهو الذي تسلم مني أكياسا بالملابس والمواد الغذائية. أيتها السيدة. هؤلاء –الشرطة- جاء دورهم فتم نقلهم إلى داخل البلاد. لن يعودوا إلا بعد اثني عشر يوما. ارجعي بعد ذلك وحاولي التعرف عليه ومواجهته... لقد قال إن ... لا ... لا يا سيدتي لا وجود له هنا.
قال ثينون : الجميع يقول سيكون المستقبل أفضل، سيكون مختلفا. دون أن ينتبه أحد إلى أننا لن نبلغ المستقبل مطلقا.
وسفر آخر ... إعداد الكعك أضحى شبيها بطقس ديني ... رأت إميلدا في مكاتب الوزارة مشاهد كأنها من المسرح الدراماتيكي، شاهدت لوحات ذات انطباع مؤلم: نسوة ببكين ويتوسلن. بعضهن "يتذللن" أمام موظف أعرج، انهضي أيتها السيدة. لا تبكي هنا، لم لم تراقبي ابنك بنفسك. بإمكانك الآن وضع ابن آخر... انهضي أيتها السيدة وإلا أدخلناك أنت أيضا إلى الزنزانة. أنتن تتآمرن على الحكومة، ببكائكن ونحيبكن تتوخين تقديم صورة مشوهة عن سمعة البلاد والحكومة القائمة بأفضل المساعي من أجل هذا البلد. غالبت إميلدا غيظها وقررت حتى لا تنحط إلى هذه الدرجة قهر إبائها، وأخيرا جاء دورها لتقابل نائب الكاتب العام، قال لها : الحقيقة يا سيدتي، لاشيء يعرف عن الطالب الجامعي أدالبيرطو بيغا اسطرادا. ولأنه لا يوجد أي تقرير في أي دفتر من دفاتر المكاتب التابعة لنا، فمن البديهي أن يكون قد تم إطلاق سراحه، بعد ساعات قليلة من اعتقاله إثر ثبوت عدم مشاركته في أعمال مناهضة للحكومة، نعتقد يا سيدتي، ونيتنا حسنة. أن ابنك قد يكون فر مع فتاة. وأظن أنهما يعيشان الآن متخفيين في مكان ما. وسيظهران فيما بعد، لا تشغلي بالك كثيرا. الأفضل أن تعدي شيئا لرجوعه، مثلا، لتعدي مهدا له. وإذا كنت ما تزالين شابة فإنك ستصبحين جدة. هكذا هم شباب اليوم.
علمت إميلدا بإطلاق سراح "ويلفريدو سانشيت". تذكرت هذا الاسم. يجب أن يكون قد تعرف على أدا لبيرطو. قال لها سانشيت ما يلي : نعم يا سيدتي، تعرفت على أدا لبيرطو بيغا. إنه شاب ظريف وطيب جدا. قضيت معه خمسة عشر يوما أو ربما أكثر. وفي إحدى الليالي جاؤوا إليه في منتصف الليل وذهبوا به. كانوا ينقلوننا من سجن إلى آخر. لا أعلم أين يوجد الآن. الأكل ؟ عاد جدا. لا. لم يكن لديه غطاء وملابس. لقد وصل بدون أي شيء، أنت بعثت له بالأكل والملابس ؟ معلبات وسجائر ؟ لا يا سيدتي. خلال المدة التي قضيتها معه لم يتوصل بأي شيء على الإطلاق...آ... هم. الآن أتذكر، توصل بكيس من الحلوى.
الكعك، الحقيبة، باميلا تدندن، قال ثينون : التاريخ واحد لا يتغير. منذ فجر الإنسانية يوجد الطموح إلى السلطة، الخيانة، والجريمة، قابيل ودم أخيه يحيا فينا إلى الأبد. لم تتبدل سوى الثياب. تحدث جريمة ويظن الناس أنها حدث جديد، أو متكرر، ولا أحد يفطن إلى أنها نفس الجريمة التي حدثت في العام الماضي، أو العقد الماضي أو القرن الماضي ... أو العهد السالف يخالونها تكرارا ما. بينما الحقيقة أنها الجريمة نفسها التي حدثت منذ القدم. إنهم يخالون أن ثمة تشابها مدهشا لأن نفس الحدث يجري مع جريان الزمن.
أثناء سفرها أخذته سنة نوم، وأحست باختلاج تشنجي رهيب وبغيض. كادت تصيح. استيقظت ظانة أن الحافلة هوت في حفرة أو فراغ في الطريق. كادت تصيح. نظرت إلى الأمام. نظرت إلى الطريق المضاءة بإنارة الحافلة، وأحست بطعم مر. كأن سائلا حمضيا. عصيرا مختمرا يحك فم معدتها. حاولت أن تهدئ نفسها. أن تعاود نومها... ألغت الأمر عسيرا.. شعرت بأزيز محرك الحافلة. شاهدت أطيافا بلا دلالة. وبلا علائق. عنكبوت يخلف صفا من البيض لا يحصى، شاحنة تزميرها مساوق مع النفير الذي كان في مسامعها، تخطو في مكان مظلم، البيض يتكسر ويتفتق ويتحول إلى خراء، الحافلة تمضي إلى الوراء جارفة الدجاج والقطط والكلاب.
من خوف هذه الحيوانات خرج طائر وحلق عاليا، عاليا جدا، وفجأة أضحى للطائر إشراق وتوهج وسقوط، اصطدام الطائر بالأرض جعل إميلدا تشعر بالرعشة في جسدها، واتخذ –الطائر- حجم نبوة. صارعت إميلدا بكل طاقتها وقوة عقلها ما كانت تريد حاسة مجهولة إظهاره لها في مشكل حسرة وضيق لا يمكن تفسيرهما. وانتابها إحساس بتفسخ لحمها شيئا، فشيئا وبتسارع أيامها، وتراكمها، متزاحمة في الدم كيما تتحول إلى كائنات متناهية الصغر في المأزق الشديد. تلتهم أعصابها... أحست بظلام يتحول صخرة في حنجرتها. ظلت إميلدا تجهد نفسها لتخلق في كيانها قناعة بأن أدا لبيرطو موجود في مكان ما، سجينا، أو ربما مختبئا بعد هروبه، هروبه، وقلبه يخفق بفرح أسرته العارم، خاصة فرحها هي. تمنت لأدا لبيرطو مسكنا في الضحى. كي يظهر يوما ما مع الشمس المشرقة. وبعد الحزن الذي اعتراها أحست بأن أدا لبيرطو لم يعد يسكن سوى أفكارها، ما استطاعت التحمل أكثر وانفجرت بكاء أمام موظف بالوزارة.
أنت أيضا، لا بد أن لك أبناء، افعل هذا من أجلهم، قل لي أين يوجد ولدي أدا لبيرطو، أتوسل إليك... كانت إميلدا قد قامت بأسفار كثيرة. لم يبق أمامي غير خطوة أخيرة، تأدية الثمن. لا نقود معي، ولكن في حوزتي دفتر توفير أدا لبيرطو بصفتي أمه أستطيع سحب الرصيد بعد مساع صغيرة.
كان ثينون قد أثار انتباهها إلى كثرة الأسفار قال لها : يبدو أن قضية الولد ليست سوى وسيلة للسفر. أن الولد قد يكون ميتا، صاحت إميلدا ساخطة، لا، لا، ليس ميتا لم تستطع تمالك نفسها طبعا، بما أنها تعاني من اتهاب المفاصل بسبب الروماتيزم فإنك تحركت أكثر من اللازم للحصول على حرية ابني، وكأنني في غير حاجة للسفر ويغدو من السهل لديك الاعتقاد أنه ميت.
طيب، "صوفيا إميلدا"، حسب الاتفاق الذي بيننا، على أن أخبرك بما يلي :
بحثت في قضية ابنك. لم أعثر على معلومات كثيرة، ولا على وثائق مهمة، إن رجال الشرطة الذين كانوا هنا منذ ثلاث سنوات قد أقيلوا من مهامهم، أو تم نقلهم إلى مدن داخل البلاد. أريد أولا أن أعرض عليك الملف الذي حصلت عليه، وعلي أن أعيده إلى موضعه مع الفجر، أنظري، أحدهم كتب بالأحمر هنا وبحروف بارزة : "انتبه"، وهنا بعض الأوراق الهامة : في هذه الورقة، أحدهم باع ابنك باعتباره عضوا قياديا نشيطا في منظمة "ح.ت.و"، وفي حياته كطالب يبدو غير ذي أهمية وغير مؤذ، لا يتدخل في التجمعات العامة، ولكنه يعمل في السرية، فغرت إميلدا عينيها :
دعني أرى. لاحظت نوع حروف الآلة الكاتبة. حروف صغيرة ومتزاحمة، مائلة مع رموز كبيرة، وأخطاء في الفراغات بين الحرف والحرف. إنها نفس حروف الآلة التي كتبت بها رسالته كانت قد أرسلتها حبيبة أدا لبيرطو السابقة، حيث طلبت منه أن يعيرها بعض الكتب، ناعتة إياه فيها بـ "طائري" الحبيب...
وهذه ورقة أخرى، تعرفت إميلدا عليها، إنها نفس الورقة التي كتبها ثينون ووضعها في عجين الكعك.
ابني العزيز أدا لبيرطو :
لا أعلم أصحيح أنك قمت بنشاط سياسي، إذا كانت التهم الموجهة إليك واهية. فعليك بالصبر، إن أمك جالت كثيرا كي تنال حريتك، وبعد وقت قصير سترى سترى (مكرر) نفسك معنا. وبصفتي خادما سابقا في الحرس المدني لهذا الوطن، سيعمل بعض الأصدقاء على إطلاق سراحك قريبا. وإذا كانت مشاركتك حقيقية فعليك أن تتصرف كرجل جدير بالتربية التي منحناك، أظنك اعتنقت مثلا عادلة، وفي هذه الحال من الأفضل أن تعض لسانك حتى تقطعه قبل أن تبيع رفاقك وأصدقاءك.
إنني فخور بك.
يعانقك أبوك،
حسب ما توصلت إليه، بعد التحقيق الذي قمت به أن ابنك قد تم حمله في طائرة، ومن المحتمل أن يكونوا القوة وسط الغابة، أو في بحيرة "تيكيكاكا". لا أعلم من أعطى هذا الأمر.
أقفل الرجل الباب بالمتراس. بعد أن جلست إميلدا على كرسي فتحت محفظة النقود. أخرجت حزمة نقود ورقية، ومن فئة مئة كان دفتر أدا لبيرطو داخل محفظتها مع أشيائها الشخصية.
-إنك لا تزالين شابة يا دونيا إميلدا أعتقد أنك أنجبت هذا الولد حين كان عمرك ثماني عشرة سنة بالتأكيد.
-ألا تكفيك هذه النقود التي أمنحها لك ؟ بإمكاني أن أزيد..
-الاتفاق هو الاتفاق، وأنا وفيت بما وعدتك به، لم تتفوه بشيء في تلك اللحظة، انتظر الرجل أن تهدأ وتكف عن البكاء، بكت إميلدا طويلا وبعد ذلك هدأت، ظلت هادئة، اقترب الرجل منها. أغمضت إميلدا عينيها وركزت الإحساس في لحظة أخرى، في فضاء آخر سمعت صوت الباب وهي تفتح، هزة خفيفة أثارت قوتك. كان ذلك في الفجر، ما بين الثالثة والخامسة. فتحوا باب زنزانتك... صوت يأمرك. تهيأ بسرعة، أنت جاهز. في الواقع، ليست لديك حقيبة ولا غطاء. كنت تنام بملابسك وحذائك. متقوقعا على الأرض... نهضت، ها أنت جاهز. نفضت بعض التبن عنك. أخرج. يأمرك صوت... سرحت شعرك بيديك... تتصور أشياء عديدة : سينقلونك إلى سجن آخر. أو إلى الاستنطاق من جديد، مع العذاب المعتاد كل فجر، أو ربما سيكون لديك موعد مع تجربة جديدة مؤلمة، لينتزعوا منك اعترافات جديدة. إنك تتناقض. أو لا تريد الإدلاء بكل ما تعرف، يظنونك تتحدث عن أمور أخرى لتضللهم، ولا تدري أأنت الأحمق أم هم. يذهبون بك خارج السجن يصعدونك إلى "فرغونيت"، تستبعد فكرة الاستنطاق. وتخالهم ينقلونك إلى سجن آخر.
-أتريدين أن أطفئ الضوء يا إميلدا ؟ ألا تقولين شيئا ؟.
السفر في الفرغونيت يمكن أن تكون له، في هذه الساعة، أغراض أخرى. كأن يطبقوا عليك قانون الفرار إلى مكان خال، وفق اتجاه الفرغونيت، تفطن إلى أن مكان الوصول هو المطار. يأمرونك بالصعود إلى الطائرة، آنذاك تعتقد أنهم يتجهون بك إلى المنفى، لتمنح حق اللجوء السياسي في الخارج. اختلطت عليك الأمور، تقلع الطائرة، لا تدري شيئا عن مدة الطيران. وفق مواقف وأحاديث الذين يحرسونك. ثمة تلميحات وإشارات يسهل عليك التقاط فحواها. تتنبه إلى مصيرك المفزع الرهيب، في الحين نفسه يخاطبك أحدهم : اخلع ثيابك.. أخلع ملابسي شيئا فشيئا. مثل تمثال يتحرك، وعندئذ يقولون لك : جاهز !... هذا أفضل مكان... لا أدري، لم اعتراني خوف رهيب وبدأت في الارتجاف أنا الذي اعتقدت دائما أنني قوي يفتحون البويبة ويخاطبونني : الق بنفسك يا خراء ! الريح تصفر بعنف. أبصر الظلام، بعيدا يبدو ضوء الفجر ضئيل. أصارع ... أمسك... بأي شيء أمامي أتشبث ... أمسك برجل أحدهم. يتصبب مني عرق بارد. يضربونني، أرخيت يدي... إنهم أقوى مني... يطبقون علي ... أصيح وأنا على حافة الجنون ... يدفعونني. الفجر هو قبري.
César Verduguez كاتب من بوليفيا