قطعة من روحي اضعها بين ايديكم خصيتكم بها ياال الحب رغبتا مني في اطلاع اهل الحب عليها .
كنت أجمع حاجياتي على عجل من خزانتي في الجامعة فقد كان علي أن أسلم مفاتيحها لمكتب الشؤون قبل ظهرذلك اليوم حين وقع المظروف في يدي , مظروف عادي هو , أبيض مستطيل لا يلفت الأنتباه و لم يكتب عليه شيء , أي شيء , و قد كنت على عجلة من امري فوضعته في الصندوق مع بقية الأغراض دون أن أفكر في ذلك السؤال المهم : من أين جاء هذا المظروف إلى خزانتي و من وضعه ؟؟ لابد انني حينها كنت غارقا في نشوة التخرج و لم افكر أبدا ان الحياة قد تخبىء لنا بعض المفاجآت هنا او هناك ..حين عدت الى البيت وضعت الصندوق الصغير كله داخل احد الأدراج و أحكمت إغلاقه بالمفتاح و خرجت مسرعا لشراء بعض الحاجيات , كيف نسيت امر المظروف بهذه السرعة ؟ ببساطة لأنني كنت مسافرا نهاية ذلك الأسبوع إلى بلاد بعيدة لإكمال الدراسة الأمر الذي جعلني مفعما بالأحلام مشغولا بالتحضير للسفر مستعجلا على ركوب الطائرة مهملا للتفاصيل الصغيرة التي قد تشغل ذهني بلا طائل , كاالإنشغال برسالة وجدتها في خزانتي ارسلت من مجهول .. كنت سعيدا ... و السعادة هي الأسم الأجمل والشكل الأحلى و النسخة المحسنة من الأنانية ..سافرت بعد اسبوع , و تركت في احد ادراج مكتبي علامة استفهام كبيرة ,ناسيا تماما كل ما له علاقة بالموضوع ...بعد سنةعدت و لأول مرة لزيارة الأهل و البلاد , و طبعا كنت قد شفيت من أكثر حماسي و معظم نشوتي , و قد تبخرت كل الأحلام تاركة مكانها ارقاما و حسابات ..كنت قد شفيت الى الأبد من وهم السعادة الأبدية .. والحياة الجميلة .. و شفيت نهائيا من العجلة ...بعد ايام من السلامات و المجاملات والمفاطيح و جدت نفسي فجأة و حدي .. اخيرا هدأت العاصفة و عاد الجميع لممارسة حياته الطبيعية .. البيت خالي إلا من صوت ذكرياتي فيه , استيقظت يومها ضجرا ملولا متثاقلا, وقضيت نصف النهار و أنا أبحث عن شيء اضيع فيه وقتي , حينها خطر لي ان أسترجع ايامي في الدراسة و الجامعة وقد كنت احتفظ بكل اوراقي و اشيائي و تذكاراتي في ادراج مكتبي خاصة أن احدا لا يستعمل هذا المكتب غيري, مفاتيح الأدراج ؟؟ لابد انني وضعتها في مكان ما .. وجدت المفاتيح بعد بحث ليس بطويل .. جلست و بدأت بفتح البوابات القديمة التي صدأت اقفالها , و قد كنت ابتسم بحنين لكل هذه الأشياء العزيزة التي كانت مهمة جدا يوما ما اما الآن فقد تقاعدت ووضعت في دار العجزة .. اخيرا : هذا الصندوق الورقي الذي جمعت اغراضه في اخر يوم لي في الجامعة , اتسعت ابتسامتي وانا ازيل غطاءه و ابعثر ما فيه برفق ... بهدوء و حياء ظهر أمامي ذلك المظروف , ابيضا مستطيلا خجلا , كنت قد نسيت امره تماما , و إستغرقت بعض الوقت لأتذكر بالضبط كيف وصل الى هذا الصندوق , و لأول مرة منذ سنةوعشرة ايام .فكرت أن افتحه و أعرف ما فيه , مزقت غلافه و فردت الورقة المطوية بعناية واذ بي أمام الأسطر التالية ( انت لا تعرفني ...و لكنني أعرفك جيدا .. اعرف اسمك و اسماء اصدقائك و هواياتك ... أعرف نوع عطرك ومطربك المفضل .. أعرف أحلامك و أعرف أفراحك و أحزانك ..أعرف سكناتك و حركة يدك التلقائيه اثناء الكلام و طريقتك في التفكير ..أنا اعرفك .. و لا اعرف أحد سواك ..منذ رأيتك اول مرة اول يوم تأتي فيه لبلدتنا . ساهما مفكرا في أمر ما عرفت إنني لن اتحرر ابدا ..كم مضى من الوقت على هذه اللحظة النادرة ؟؟خمسة اشهر ؟؟ ربما اكثر بقليل او اقل بقليل من يهتم ... المهم انني منذ ذلك اليوم لم أفارقك بنظري و لا بقلبي ..اينما كنت . كنت لتجدني حولك في مكان ما ..و حين لا تكون موجودا اكون حيث تكون عادة في تلك البلده التقط بقايا وجودك عن الأرضية و المقاعد ..و لكنك ابدا لم تشعر بوجودي .. ابدا لم ترني ..انت حتى لا تعرف اسمي , انا , انا التي اعرف عنك كل شيء ..و الآن اسمع انك ستسافر .. هل حقا ستفعل ؟؟و أنا ؟؟ماذا افعل بكل هذه الفوضى التي ستخلفها في قلبي ورائك ..وهذه النيران التي اشعلتها , من سيطفئها ..أأعزي نفسي بقولي انك لو عرفتني لأحببتني ؟؟؟و لكن قلبي لا يقبل تساؤلي هذا .. لذلك فأنا اعطيه فرصة ليكون سعيدا متيقنا ... او يائسا دون أي عزاء ..انا أعرف انك ستسافر نهاية هذا الأسبوع لذلك سأكون في إنتظارك في تمام الساعة السابعة مساء يوم الثلاثاء في ذلك المنتزه الصغير قرب منزل والدك .. سأنتظر ساعة واحدة ..إن لم تأتي فسأعرف وحدي ان الأمر ما كان ليهمك ابدا .. او ان قلبك متعلق بأخرى .. و لكن على الأقل حينها لن ابحث عن اي وهم و لن اشعر بأي ندم ..هل احبك ؟؟!!كلا .... فهذه مرحلة قطعتها منذ زمن ..)) إنتهت الرسالة !! كنت انظر إلى الورقة التي بيدي بذهول تام , ثم بدأ ذلك الشعور ينسحب ببطء تاركا قبضة من الحسرة تعتصر قلبي و السؤال الوحيد الممكن يطرح نفسه بألحاح : من هي؟؟!! بسرعة و إرتباك كنت اقطع الغرفة جيئة و ذهابا و افرك جبهتي مفكرا : من !!لا أذكر احدا .. لا أذكر احدا .. لم اعد اذكر سوى بعض الوجوه المشوشة دون اسماء .. و الآن و انا أحاول ان اتذكر تتفلت كلها من قبضتي فأجد نفسي لا اذكر شيئا على الأطلاق !!نظرت الى الساعة بحرقة فوجدتها منتصف الخامسة , اليوم هو الأحد و التاريخ يزيد عن تاريخ الرسالة بأكثر من سنة وعشرة ايام فهل يعقل ان .... ؟؟ ارتديت ثيابي على عجل ونزلت مسرعاواتجهت الى المطار الى بلدة والدي وعندما وصلت الساعه الحادية عشر ضهرا الان , اين قالت الرسالة ؟ المنتزه قرب منزل والدي ؟ اظن انني أعرف المكان .. وصلت الى المكان في تمام السابعة , كما كان مفترضا , نظرت حولي , لا شيء سوى الهدوء يخيم على كل شيء .. قالت ستنتظر ساعة و كذا سأفعل ..اخترت مقعدا ظاهرا و اخرجت الرسالة من جيبي و اخذت اقرئها مرارا .. علي اجد فيها شيئا يدلني على صاحبتها .. الخط .. الأسلوب .. شيء ما ذكر بين السطور ... بقايا عطر .. ... و لكن لا شيء ... عقلي عاجز عن مساعدتي و ذاكرتي تقف صامتة .. اسأل نفسي ماالذي جئت ابحث عنه ؟؟ ماذا ظننت نفسي سأجد ؟؟كم من الوقت مر ؟؟ ساعة .. اثنتان .. ثلاث ساعات ... لا أزال منتظرا و لكن الليل لم يأتني إلا بنسمات باردة و عطر ليلة حزينة ..