باب تشبه الإخوان المسلمين باليهود والنصارى في تقليب الحقائق
إن أعداء الله من اليهود والنصارى شأنهم وعادتهم قلب الأمور عن حقيقتها , من ذلك قولهم : إن يد الله مغلولة , أي أنهم – عليهم لعنة الله – يصفون الله عز وجل بالبخل , تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً , قال الله عنهم : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) ) المائدة : 64 )
قال ابن كثير – رحمه الله –عند هذه الآية من تفسيره ( 3/75 ) : وقد رد الله عليهم ما قالوه , وقابلهم فيما اختلقوه , وافتروه وائتفكوه , فقال : (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ) . وهكذا وقع لهم فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة أمر عظيم , كما قال تعالى : (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) الآية , وقال تعالى : (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ) الآية . ثم قال تعالى : (يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ) أي : بل هو الواسع الفضل الجزيل العطاء الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه في ليلنا ونهارنا وحضرنا وسفرنا وفي جميع أحوالنا كما قال : (وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) والآيات في هذا كثيرة .
وقد قال الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله - : حدثنا عبد الرزاق , حدثنا معمر عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : { إنَّ يَمينَ الله مَلْأى لا يَغيضُها نَفَقَةٌ سَحَّاءُ الليلِ والنهار , أَرَأَيتُم ما أَنفَقَ مُنذُ خَلَقَ السمواتِ والأرضِ فإنَّهُ لم يَغُضْ ما في يَمينِهِ } قال : { وعَرشُهُ على الماءِ , وفي يَدِهِ الأخرى الفَيضُ – أو القَبضُ – يَرفَعُ ويَخفِضُ } – رواه البخاري برقم ( 7419 ) ومسلم برقم ( 993 ) .
وقال :(( يقول الله تعالى – يعني : في الحديث القدسي - : أنفق أُنفِق عليك ))أخرجاه في الصحيحين البخاري في التوحيد عن علي بن المديني , ومسلم فيه عن محمد بن رافع كلاهما عن عبد الرزاق به . اهـ .............
ومن قلبهم للأمور والحقائق قولهم : إن عزيراً ابن الله وإن المسيح ابن الله , قال الله تعالى ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ )) التوبة 30 – فهذا القول منهم ليس بصحيح بل هو قلب للحقيقة , وقد كذبهم الله تعالى فقال : ((ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ )) ويرد على ما اقترفوه من الكذب في حق الله عز وجل من نسبة الولد له سبحانه وتعالى عما يقولون . قوله تعالى : ((وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا )) الإسراء 111 – وقال : ((وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا )) مريم 88 – 95 ) وقال : ((وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا )) الجن 3 ) , وقال : ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) ) الإخلاص 1-4 )
ومن قلبهم للحقائق : إظهار بعض منافقيهم الإيمان عند المؤمنين , وعندما يأتون إلى بعضهم البعض يرجعون إلى ما كانوا عليه من الكفر , قال تعالى : ((وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ )) البقرة 76 ) .........................
وتقليب الأمور عن حقيقتها أيضا هي من أفعال المنافقين الذين يظهرون الإسلام , قال الله تعالى ((لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ )) التوبة 48 – وقال : ((وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ )) البقرة 14 –
أما نحن معشر المسلمين فلا يجوز لنا أن نسلك سبيل الكفار من يهود ونصارى ومنافقين من تقليب الحقائق والأمور عن حقيقتها لأن ربنا عز وجل قد نهانا عن ذلك , قال الله تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ )) الصف 2-3 )
وجه المشابهة :
للأسف الشديد فإنه قد ظهرت فرقة من فرق أهل البدع والزيغ والإنحراف في هذه الأزمنة ويدعون أنفسهم بالإخوان المسلمين يقومون بتقليد الكفار ويتشبهون بهم في كثير من أفعالهم , فاليهود والنصارى والمنافقون يقلبون الأمور عن حقيقتها كما تقدمت من الأدلة على ذلك , وهؤلاء كذلك يفعلون . وسوف أذكر أمثلة على ذلك منها :
قولهم : نحن نريد دولة إسلامية تكون مثل الخلافة الإسلامية الأولى . ولا ظهر لنا في حقيقة الأمر إلا وهم يدعون ليل نهار للديمقراطية , وكانوا من قبل يقولون : إنها كفر , ثم تحولوا وقالوا : تنقسم إلى قسمين : قسم كفري وقسم إسلامي كما تقدم من كلام الزنداني . فهذا تلاعب وتقليب للحقائق .
وسمعنا بعضهم يحذر من الإختلاط والتبرج والسفور , وما شعرنا إلا وهم يخرجون نساءهم للمشاركة في الإنتخابات ويوجبون ذلك على الناس , ويطالبون الشعب اليمني أن يجعل له مجلس شيخات , كما أن للأمريكان مجلس شيوخ , هكذا قال الزنداني وهو من كبارهم , وبحمد الله قد رد عليه شيخنا مقبل – رحمه الله – في شريط بعنوانه : (( الزنداني وشيخات اليمن ))
ورأيناهم يدعون للتبرعات وأنهم ينصرون بها المسلمين في شعب كذا ودولة كذا , ولا درينا إلا والعمائر تشيد وهكذا المزارع تشترى , ماذا يا قوم ؟ قالوا : (( والعاملين عليها ))
وبعضهم يزعم أنه يدعو لتوحيد الله وينفر عن الشرك به سبحانه ولا نظرنا في كتبه إلا وهو يقول : إن زيارة القبور والتبرك بها والطواف حولها أمر تذوق ولا شرك في ذلك . كالتلمساني ...
وسمعناهم وهم يصرخون ويصيحون ويحذرون من القوانين الوضعية , ولا رأينا بعضهم إلا وهو محاميا في تلك القوانين وهو التلمساني أيضا وكذا غيره .
وادَّعوا أنهم يحاربون الفساد والإنحلال الخلقي , ورأينا قادتهم من أشد الناس فسادا , فمنهم المغني والراقص والذي يتخلف عن صلاة الجمعة والجماعة من أجل مشاهدة الأفلام السينمائية وهو عمر التلمساني أيضا .
ومنهم من يحلق لحيته ويلبس لباس الكفار من بناطيل وكرفتات , ويقول : هذا تقدم ورقي وتطور , وبعد عن التشدد ...
ومن قلبهم لحقائق الأمور : ما قالوه : نحن ندعو النصارى ونتحاور معهم لقصد دعوتهم للإسلام , ولا علمنا إلا والقوم دعاة لوحدة الأديان .
فأي قلب للحقائق بعد هذه الأمور ؟ وأي فتنة أعظم من هذه الفتن ؟
إن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال : ( تجد من أشرِّ الناس يوم القيامة عند الله : ذا الوجهين , الذي يأتي هؤلاء بوجه , وهؤلاء بوجه ) رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة .
فلا يجوز لكم غش الناس وإيهامهم أنكم على الحق , وأنتم على الباطل , عليكم بالتوبة من هذه المعاصي والبدع والرجوع إلى الله , والتبرؤ من الحزبية المساخة التي مسخت فطركم , ولا توهموا الناس أني أُكَفِّرَكُم , لا أنا لا أُكَفِّرَكُم , بل أعتقد أنكم مسلمون عصاة مبتدعة إلا من كفره أهل العلم مثل : حسن الترابي .
وأعتقد أنه يوجد فيكم أناس يريدون الخير , إلا أنكم لبستم عليهم وظلمتموهم , فالله يحاسبكم على ظلمكم إياهم ويحملكم وزرهم قال الله تعالى : (( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ )
*نقلاً من كتاب وقفات مع تنظيم الإخوان المسلمين ( ص 184 – 190 ( مع بعض الإختصار اليسير ) تأليف الشيخ أبو عبد الله عبد الوهاب بن علي الحجوري / تقديم فضيلة الشيخ يحيى بن علي الحجوري ..
منقول