الموضوع: مدرسة الزوجات
عرض مشاركة واحدة
  #1 (permalink)  
قديم 01-20-2008, 08:52 PM
الصورة الرمزية لوركا
لوركا لوركا غير متواجد حالياً
مشرف الملتقى الثقافي و الأدبي
 

 








افتراضي مدرسة الزوجات

مَدرسَةُ الزَّوْجاتِ


صديقي
يخيل إلي أنني إليك أنت أكتب، فأنني لم أسطر يوميات من قبل، ولم أفلح إلا في كتابة بعض الخطابات، ولولا أنني أراك كل يوم لكنت ولا ريب قد كتبت إليك.
على أنه إذا قدر لي الموت قبلك، وهذا ما أرجوه لأن الحياة دونك لا تبدو لي إلا جرداء، فسوف تقرأ هذه السطور.
وسوف يخيل إلي أنني إذ أتركها لك لا أفارقك الفراق كله.
ولكن كيف نفكر في الموت، والحياة كلها أمامنا؟ مذ عرفتك، أعني مذ أحببتك، تتراءى لي الحياة جميلة نافعة وقيمة حتى أنني لا أريد أن أضيع منها شيئاً.
سأحفظ في هذه الكراسة كل فتات سعادتي، وهل لي عمل يومي، بعد انصرافك عني، سوى أن أعود فأحيا خاطفة اللحظات الماضيات و سوى أن أتمثلك حاضراً؟ قبل أن ألتقي بك كنت أتألم، وقد ذكرت لك ذلك، كنت أتألم لشعوري بأن حياتي تتقضى بلا عمل، لم يكن عندي ما هو أشد عبثاً من مشاغل هذه الحياة الاجتماعية التي كان يدفعني إليها والداي دفعاً والتي ما أزال أرى صديقاتي يسعدن بها السعادة كلها.

حياة كهذه لا إيثار فيها ولا غاية لها لم تكن من المحتمل أن ترضيني.

أنت تعرف أنني فكرت جدياً في أن أكون ممرضة أو راهبة أقف نفسي على خدمة المساكين، كان والداي يهزان كتفيهما إذا ما حدثتهما في ذلك، وكانا على حق في أن يفكرا في أن هذه النزعات سوف تتلاشى متى لقيت الرجل الذي يمكنني التعلق بحبه.

لمَ يأبى اليوم والداي الإقرار بأنك ذلك الرجل؟ أترى كيف لا أحسن التعبير! هذه العبارة التي أكتبها باكية تبدو لي مروعة.
لم استعدت قراءتها؟ لا أدري أكنت في يوم ما قد أحسن الكتابة، على أية حال لن يكون ذلك وأنا أتلمس الإتقان.
قلت أنني قبل التقائي بك كنت أبحث لحياتي عن هدف، والآن أنت هدفي وشغلي وحياتي، ولم يعد لي مطلب عداك.
أنا أعلم أنني منك وبك أستطيع أن أخلص من نفسي أحسن ما بها، فعليك إذن إرشادي وهدايتي إلى الجميل والخير، وإلى الله وأسأله أن يمدني بعونه كيما أنتصر على معارضة والدي، وحتى يكون لسؤالي إياه وقع الأثر..
ها أنذا أدون صلاتي الضارعة هذه: ((رب لا تلزمني معصية والدي.أنت تعلم أنني أحب روبير وليس في طاقتي أن أكون لمن سواه)).

الحق أنني لم أدرك ما قد يكون هدف حياتي إلا منذ الأمس فقط، نعم لم أدرك ذلك إلا بعد هذا الحديث الذي جرى بيننا في حديقة التويلري إذ أظهرني على الدور الذي تقوم به المرأة في حياة عظماء الرجال.
لشد ما أنا جاهلة… فلقد نسيت لسوء حظي ما ضربه لي من أمثلة لذلك، على أنني أذكر هذا وهو أن حياتي كلها يجب أن تخصص له من الآن حتى تهيىء له أداء رسالته المجيدة.
ليس هذا بطبيعة الحال ما قاله لي، لأنه متواضع، ولكن هذا ما فكرت أنا فيه فإنني به فخورة.
ثم إنني أعتقد أنه على تواضعه يعرف تماماً قدر نفسه ولم يخف عني أنه واسع الطموح.
قال لي في ابتسامة ساحرة: ليس غرضي أن أبلغ مطامعي وإنما غرضي العمل على أن تنتصر المباديء التي أمثلها.
ليته أتيح لوالدي أن يسمعه. ولكن والدي في كل ما يتصل بروبير، شديد العنت حتى لقد يرى في قول روبير ما يسميه….لا! لا أريد أن أكتب ذلك.

كيف لا يدرك أن عبارات كهذه لا تسيء إلى روبير وإنما تسيء إليه؟ إن ما أحبه بصفة خاصة في روبير، هو أنه لا يتهاون مع نفسه قط، ولا يفوته مطلقاً ما يتحتم عليه نحوها، ويخيل إلى أن الغير جميعاً بالقياس إليه يجهلون ما هو حري لأن يدعى كرامة، وفي وسعه بها أن يسحقني إن شاء، إلا أنه يعنى إذا ما خلونا إلى أنفسنا بألا يشعرني بها قط، بل أراه أحياناً يسرف بعض الإسراف إن خاف أن أشعر أنني فتاة صغيرة بالقياس إليه فإذا به في هذه الحال يهزل كالأطفال.

ولقد لمته بالأمس على ذلك وإذ ذاك اتخذ مظهراً فيه جد كثير، وتمتم في شيء من الحنين فاتن:
ما الرجل إلا طفل هرم. وكان قد جلس إزاء قدمي ووضع رأسه على ركبتي.
من دواعي الأسى حقا أن تذهب هباء عبارات بهذا الظرف، عبارات أحياناً ما تكون بعيدة المرمى، مليئة بالمعنى.
وعهد علي أن أضمن هذه الكراسة جل ما أمكن تدوينه منها، وأنا واثقة من أنه سوف يسر إذا ما وجدها فيما بعد.
لقد فكرنا في كتابة هذه اليوميات على أثر هذا الحديث خاصة.

لا أدري لم أقول ذلك في صيغة الجمع فهذه الفكرة، كغيرها من جيد الفكر، إنما ترجع إليه هو، وموجز القول أننا تعاهدنا على أن يكتب كل منا على حدة ما سماه هو قصتنا، فأما ما يتعلق بي، فإن الأمر يسير لأنني لا أحيا إلا به، وأما فيما يتعلق به فلا ثقة عندي في أن يبلغ ما يريد، وإن توفر له الوقت، وإني لأكره أن يشغل فكره بهذه اليوميات أكثر مما ينبغي.
ولقد حادثته طويلاً في أنني أدرك تمام الإدراك أن له مهنته وآراءه وحياته العامة، وفرضٌ على حبي ألا يقف في سبيلها، وأنه إن صح أن يكون هو كل حياتي فليس بسائغ أن أكون أنا كل حياته.

يشوقني أن أطلع على ما دونه بيومياته في هذا الصدد، ولكننا أقسمنا قسماً عظيماً ألا يطلع أحدنا الآخر على يومياته.
قال وهو يقبلني، لا على جبيني وإنما تماماً فيما بين عيني كما يروقه أن يفعل: أنه على هذا الشرط فقط يمكنه أن يكون صادقاً فيما يكتب.
على أننا اتفقنا أن من مات منا أولاً خلف الآخر يومياته: ولما قلت في شيء من البلاهة ((إن هذا أمر طبيعي)) قال هو بلهجة فيها جد كثير: ((لا، لا، إنما علينا أن نتفق على أن لا نتلف هذه اليوميات)).
كنت تبسم حين قلت أنني لن أجد ما قد أدونه في هذه اليوميات.
وها أنا قد ملأت بها فعلاً أربع صفحات.
أجد مشقةً جسيمة في أن أرد نفسي عن استعادة قراءتها، فإذا ما استعدتها وجدت مشقة أكبر في أن أرد نفسي عن تمزيقها.
وما يدهشني حقاً إنما هي هذه المتعة التي بدأت ألقاها في كتابتها.

أندريه جيد
ترجمة صبري فهمي
رد مع اقتباس
 


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287