عرض مشاركة واحدة
قديم 01-15-2008, 09:02 PM   #24 (permalink)
ابو ليان
مشرف الملتقى الاجتماعي
 
الصورة الرمزية ابو ليان

 









ابو ليان غير متواجد حالياً
افتراضي

اتفاقات "أوسلو" واستراتيجية جديدة للتوسع الاستيطاني

الإسرائيلي في المناطق المحتلة (1993 – 2003)



بحث ودراسة: حسن أيوب


مقدمة:

إن المتتبع لمسار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي يمكن أن يرى دون كبير عناء الخطورة الهائلة التي تشكلها البنية الاستيطانية الإسرائيلية/ اليهودية على مستقبل الشعب الفلسطيني ، وعلى احتمالات الوصول إلى تسوية سياسية سلمية لهذا الصراع الممتد. فقد شكل المشروع الاستيطاني واحدة من أهم ركائز الاحتلال العسكري الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بعد العام 1967 ، إن لم نقل بأنه الركيزة الأساسية. تطور هذا المشروع بعلاقة طردية مع تطور مراحل الصراع ، ومع استراتيجيات الدولة العبرية عبر مراحل تاريخية مختلفة، وبات المستوطنون والمستوطنات يشكلون حقيقة مادية وسياسية لا يمكن تجاهلها أو تناسيها عند الحديث عن أية تسوية ، بل أنهم أصبحوا بمثابة العقدة الأصعب في ملف قضايا التسوية الدائمة/ النهائية للصراع.

جاءت اتفاقيات "أوسلو" بتغييرات دراماتيكية على شكل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ، في الوقت الذي لم تتمكن من إحداث تغيير في جوهر هذا الصراع. فقد بقي الاحتلال احتلالاً وتواصلت سياساته في الاستيطان ومصادرة الأراضي الفلسطينية ، وتفجرت في طريق مسيرة "أوسلو" الكثير من الصدامات والانتكاسات التي بلغت ذروتها في اندلاع انتفاضة الأقصى . عجزت هذه الاتفاقيات - بحكم فلسفتها وبنيتها - عن استيعاب واحتواء محاور الصراع وتقديم حلول جذرية لها ، واكتفت بإجراءات مرحلية مؤقتة وشكلية، تاركةً قضايا الصراع الأكثر حساسيةً وعمقاً وتعقيداً إلى مراحل لاحقة من المفاوضات.

كان من أبرز عيوب ونقائص اتفاقيات "أوسلو"، ما يتعلق بالاستيطان، أولاً لجهة تأجيله ضمن قضايا التسوية الدائمة المرحلَة إلى مستقبل مجهول ، وثانياً لأن الاتفاقيات قدمت لإسرائيل ، بصورة مباشرة وغير مباشرة ، مبررات إضافية وغطاءً من "القانونية" لمواصلة وتصعيد عملية الاستيطان ، لتبلغ هذه العملية - كماً ونوعاً - في سنوات 1993 - 2003 ضعف ما حققته إسرائيل خلال ربع قرن من عمر الاحتلال في مجال المشروع الاستيطاني.

تهدف هذه الدراسة إلى تتبع واستكشاف العلاقة بين اتفاقيات "أوسلو" وآثارها على عمليات التوسع الاستيطاني الواسعة النطاق في السنوات العشر التي تلت توقيع هذه الاتفاقيات، من حيث الأوضاع الجديدة التي خلقتها على الساحة الفلسطينية – الإسرائيلية.

تتناول ا لدراسة بداية الخلفية التاريخية للمشروع الاستيطاني بإيجاز، ونقاش للإطار النظري – السياسي الذي نما فيه هذا المشروع وأهدافه مرتبطةً بمراحل تطوره وما استند إليه من خطط، ثم فحص الأجواء التي سبقت توقيع الاتفاقيات فيما يخص الوضع والحسابات الإسرائيلية فيما يتعلق بالمشروع الاستيطاني عشية الاتفاقيات، وتحديداً في العام 1992 ووصول "اسحق رابين" إلى مكتب رئاسة الوزراء في إسرائيل على رأس حزب العمل. وتعرض الدراسة للعلاقة بين الاتفاقيات وبين مواصلة إسرائيل لعملية التوسع الاستيطاني من خلال: عرض نصوص وبنود الاتفاقيات خاصةً ما يتعلق منها بالاستيطان والأرض والحدود والأمن (لجهة وجود أو عدم وجود نصوص) ، والاستراتيجية التفاوضية الإسرائيلية، ومن ذلك كله كيف استثمرت إسرائيل الاتفاقيات لتسويغ و"تشريع" وتمرير سياسات الاستيطان. تتناول الدراسة كذلك عوامل أخرى ذات صلة مباشرة بالاتفاقيات وبمعادلة الصراع عموماً، وتأثير هذه العوامل في إطار الاتفاقيات، على عملية الاستيطان، وتتمثل هذه العوامل في عوامل داخلية إسرائيلية منها صعود اليمين واليمين المتطرف والمستوطنين في الحياة السياسية في إسرائيل، وتعاقب الحزبين الكبيرين (الليكود والعمل) في الحكم. وعامل خارجي يتمثل في دور الولايات المتحدة الأمريكية وموقف الإدارات الأمريكية من قضية الاستيطان. وتقدم الدراسة الكثير من المعطيات الكمية حول أعمال التوسع الاستيطاني في السنوات العشر بعد اتفاقيات "أوسلو"، وذلك اعتماداً على عدة مصادر، واعتمدت الدراسة على المؤشرات الرئيسة التالية: زيادة أعداد المستوطنين، حجم الاستثمارات في البنية الاستيطانية وعملية بناء الوحدات السكنية في المستوطنات، وفي الجزء الأخير من الدراسة أضيف مؤشرين آخرين هما: بناء "البؤر الاستيطانية" وإنشاء الجدار الفاصل.

مصطلحات الدراسة:

يرد في هذا البحث عدد من المصطلحات التي تتباين معانيها ومدلولاتها بحسب الجهة التي تستخدمها، أو تبعاً للغرض من وراء تناولها، إنها ذات دلالات سياسية وجغرافية وعملية هامة، تتحدد مقاصدها في البحث كما يلي:

الوحدة السكنية: غرفة أو مجموعة غرف بتراكيب دائمة أو مؤقتة أقيمت لأغراض السكن، ولها مدخل مستقل أو منفصل، وبها يقاس حجم التوسع الاستيطاني داخل حدود مستوطنة ما.

المناطق: حيثما ترد كلمة "المناطق" فإنها تكون في سياق اقتباس من المصدر، وهي تشير إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 عدا القدس، باعتبار أن من يستخدم كلمة "المناطق" لا يقصد أن يشمل القدس ضمنها.

الاستيطان: نقصد به المشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي اليهودي على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما في ذلك مدينة القدس، ما لم يرد في السياق خلاف ذلك.

المستوطنة: أرض مخصصة للاستعمار الاستيطاني اليهودي المدني أو شبه العسكري، والذي أقيمت عليه هذه المواقع في حدود العام 1967، ولا نستخدم كلمة مستعمرة لأنها لا تحمل المعنى المتوخى من حيث مدلولاتها اللغوية، ومن حيث محتواها السياسي، إذ أن المشروع الصهيوني هو مشروع استعماري استيطاني "كولونيالي"، والحديث لا يدور عن مستعمرات بل عن مستوطنات استعمارية، ندلل عليها اختصاراً بكلمة "مستوطنة".

البؤر الاستيطانية: بناء مدني أو شبه عسكري لم يتم إقرار إقامته "رسمياً" من قبل سلطات الاحتلال، إلا أنها تحظى ببنية تحتية، وحماية عسكرية، وهي في واقع الأمر عمليات بدء إنشاء لمستوطنات جديدة. نطلق كلمة "بؤر" للإشارة إلى هذه المواقع التي أقيمت منذ العام 1996 وحتى العام 2003، في أعقاب دعوة "أريك شارون" المستوطنين لاحتلال التلال المجاورة لمستوطناتهم.

مجلس "يشع": المجلس الاستيطاني لمستوطنات الضفة الغربية وقطاع غزة، وكلمة "يشع" هي اختصار لثلاث كلمات باللغة العبرية تعني :"يهودا والسامرة وغزة"، وقد أنشئ المجلس عام 1979 كأحد ثمار مرحلة "غوش إيمونيم" وبمثابة مأسسة لهذه الحركة.

المساحة المشغولة: هي المساحة من الأرض التي يقوم عليها أي نشاط استيطاني: بناء، مرافق عامة، مناطق صناعية أو زراعية، منشآت وخلافها. ولا تدلل على الحجوم الفعلية للأراضي المصادرة أو التابعة للمستوطنات.

الأراضي المحتلة أو الأراضي الفلسطينية: هي الأراضي التي احتلتها إسرائيل نتيجة حرب الخامس من حزيران عام 1967.

بناء قيد الإنشاء: الوحدات السكنية والمرافق والمنشآت الاستيطانية التي لم يكتمل بناؤها بعد.

مسيرة التسوية: هي المصطلح البديل لتعبير "مسيرة السلام" باعتبار أن ما جرى حتى اليوم من مفاوضات هو خوض في قضايا تسوية سياسية وليس عملية سلام.

أوسلو: للتدليل اختصاراً على الاتفاقيات التي وقعت بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في العاصمة النرويجية أوسلو، وملاحق هذه الاتفاقيات: أوسلو 2 (الاتفاق المرحلي)، واتفاقية القاهرة واتفاقية الخليل وتفاهمات شرم الشيخ.



البنية الاستيطانية: هي جملة المنشآت والمشاريع الاستيطانية المدنية والصناعية والزراعية والسياحية والبنية التحتية وكل المرافق المدنية وشبه ا لعسكرية، المأهولة وغير المأهولة، التي تشكل الجسم الاستيطاني.

م.ت.ف: منظمة التحرير الفلسطينية.





الفصل الأول
المشروع الاستيطاني في الأراضي المحتلة: تاريخه وأهدافه الرئيسة


تاريخ المشروع الصهيوني بمعناه الواسع هو عبارة عن "سلسلة من الوقائع المفروضة من خلال الاستيلاء على الأرض والاستيطان"1. فقد قام الكيان الصهيوني، وتجسيده السياسي دولة إسرائيل، ليس فقط على المناطق المهودة التي حددها قرار التقسيم لسنة 1947 فحسب، بل أيضاً في منطقة الجليل التي كان يفترض أن تكون جزءاً من الدولة العربية، وفي مناطق أخرى في وسط فلسطين، وفق القرار المذكور رقم 181. وينبغي الالتفات إلى أن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية كلها (1967 و1948)، بقي مشروعاً يهودياً صرفاً يعكس رؤيا أيديولوجية تغلف الأهداف التوسعية الاستراتيجية للدولة العبرية .

مع الاحتلال الإسرائيلي للمناطق العربية عام 1967، حدث تطور أساسي جديد وهام فيما يتعلق بإمكانيات استكمال المشروع الصهيوني وتوسيع رقعته الجغرافية، إذ أصبحت فلسطين بكاملها، إضافةً إلى مناطق عربية أخرى واقعة تحت السيطرة الإسرائيلية والاحتلال العسكري الإسرائيلي، ومنذ ذلك التاريخ "بدأ إنشاء المستعمرات الاستيطانية على الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة"2.

لم تكن هذه البدايات للمشروع الاستيطاني مستقلة أو معزولة عن سياق سياسي جديد، وعن أسئلة استراتيجية برزت أمام صناع القرار في إسرائيل، وكان السؤال المركزي يدور حول: ما الذي تريد إسرائيل أن تصنعه في المناطق المحتلة؟ وما هي خياراتها لمستقبل هذه المناطق، ودور الاستيطان في تحديد هذا المستقبل؟

تبلورت المقاربات الإسرائيلية للإجابة عن هذه الأسئلة على شكل خيارين:

الأول: ضم الأراضي المحتلة الجديدة إلى دولة إسرائيل، وهذا ينطوي على ضم مئات آلاف الفلسطينيين إلى إسرائيل، الأمر الذي سيشكل إخلالاً صريحاً وخطيراً بالميزان الديمغرافي الإسرائيلي وطابعها اليهودي .

الثاني: إبقاء السيطرة العسكرية الإسرائيلية على هذه الأراضي دون ضمها ، وذلك لتحقيق أهداف بعيدة المدى تتعلق بهامش المساومة الذي ستتيحه أي احتمالات للتسوية مع الدول العربية.

فكرة "أرض إسرائيل الكاملة" في هذه المرحلة، لم تظهر كواحدة من الخيارات غداة حرب 1967، إلا أن تفكيراً إسرائيلياً مبكراً بالسيطرة الدائمة على المناطق المحتلة كخيار استراتيجي كان في طور التبلور. وكان محور هذا التفكير يتجسد في رؤية مركزية تقول بعدم إفساح المجال لوجود أي جيوش عربية غربي نهر الأردن، وعدم السماح بقيام دولة فلسطينية أو أي كيان سياسي فلسطيني مستقل في المناطق المحتلة، ولتحقيق ذلك ينبغي تسخير حضور عسكري وأمني وبشري في هذه المناطق على شكل مواقع عسكرية " ناحال "[ طليعة الشبيبة المقاتلة ] ومستوطنات مدنية وشبه عسكرية. ووفق هذه الرؤية التاريخية "كانت المستعمرات تمثل التعبير العملي عن مجهود قومي إسرائيلي يرمي إلى الحؤول دون تقرير الفلسطينيين لمصيرهم غربي نهر الأردن، فالمستعمرات أكثر من أي تعبير آخر عن السياسة الإسرائيلية، هي الدليل الأساسي على نيات إسرائيل في المناطق".3



الأسس النظرية – السياسة للاستيطان
من أجل مباشرة المشروع الاستيطاني، استكمالاً لما بدء به، فإن الاستيلاء على الأرض كان على الدوام شرط مسبق وضروري للاستيطان، لذلك فقد أحاط الفكر الصهيوني الأرض بهالة من القداسة التوراتية من خلال تشديد هذا الفكر على العلاقة الثلاثية المزعومة التي لا تنفصم عراها، والمستمدة من الديانة اليهودية بين "الله والشعب والأرض"، كما رفع هذا الفكر عالياً قيمةً توراتيةً أخرى هي "افتداء الأرض" كفريضة دينية.4

هذا الخطاب السياسي الفكري المستند إلى التعاليم التوراتية والروايات الميثولوجية جرى ترجمته عملياً عبر المشروع الاستيطاني، وإن كان حزب العمل، الذي دشن المشروع الاستيطاني عبر الاستيطان في القدس والخليل والأغوار، أقل "توراتيةً" في النمط العام لمشروعه الاستيطاني، فإن عهد حكم "الليكود" الذي وصل إلى الحكم عام 1977، أدخل تغييراً جوهرياً في وجهة ونطاق المشروع الاستيطاني، وكانت علامته الأبرز هي عملية صعود حركة "غوش إيمونيم" الاستيطانية التي كانت الذراع الفاعلة للاستيطان في إطاره الأوسع. رأت هذه الحركة في انتصار 1967 "إشارةً إلهيةً" بالاستيطان في "أرض إسرائيل" باعتبار الاستيطان "فوق وأبعد من الالتزام الأيديولوجي، فهو عقيدة مركزية في الصهيونية، يقر بها حزب العمل أيضاً".5

لم يكن التباين في برنامجي حزبي العمل والليكود بشأن استراتيجية التوسع الاستيطاني تبايناً جوهرياً أو نوعياً، فمنطلقاته الأساسية بقيت واحدة مع اختلاف في مدى وحجم وأولويات هذا المشروع، وفي إطار هذا التباين يمكن حصر 3 توجهات سياسية نظرية تدعم رؤية استراتيجية لمستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة:

التوجه الأول: يرى أن مستقبل الأراضي المحتلة يتحدد في إطار حل يقوم على "تسوية إقليمية" جغرافية تستند إلى اقتسام هذه الأراضي، وإبقاء إسرائيل على وجودها العسكري والبشري في مناطق الاستيطان الاستراتيجية كما رسمتها خطة "آلون"، هذه كانت رؤية حزب العمل التي تعاملت مع الاستيطان كمشروع "وظيفي".

التوجه الثاني: كان للجيش الإسرائيلي رؤية خاصة مثلها قادة الجيش وعلى رأسهم "موشيه ديان"، وتستند هذه الرؤية على مشروع التقاسم "الوظيفي الواسع" مع الفلسطينيين دون التفريط بالأرض والإبقاء على الوجود الإسرائيلي الدائم في الأراضي الفلسطينية. هذه الرؤية جسدت توجهات الجناح المتشدد في حزب العمل "الصقور"، والتي عبر عنها "ديان" بقوله: "من دون المستوطنات تصبح القوات الإسرائيلية جيشاً أجنبياً يحكم شعباً أجنبياً "، معبراً عن المكانة المعول على الاستيطان لعبها كمبرر رئيس للاحتلال وبقاء الجيش الإسرائيلي في المناطق المحتلة. وقد أطلق "ديان" لاءاته الخمس المعبرة عن هذه الرؤية:6

· غزة لن تكون مصرية.

· الجولان لن يكون سورياً.

· القدس لن تكون عربية.

· لن تقوم دولة فلسطينية.

· لن نهجر المستعمرات التي أقمناها.



وفي ضوء هذا التوجه فإن على إسرائيل أن تستوطن في جميع أنحاء "المناطق"، وتمنح الفلسطينيين قدراً من الحكم الذاتي لا يتعارض مع مصالح إسرائيل.



التوجه الثالث: يعبر عن فكر "أرض إسرائيل الكاملة" كاستراتيجية سياسية تقوم على ضم جميع المناطق المحتلة لإسرائيل والاستيطان فيها. ظهرت هذه الفكرة أولاً في أوساط المثقفين الصهيونيين الأشكناز (الغربيين) العلمانيين، من الجناح المتشدد في حزب العمل، الذين نشروا عريضة في أيلول 1967 تطالب "بمنح المواطنة والمساواة التامة لسكان المناطق" لكي يصبحوا مواطني أرض إسرائيل الكبرى، مع ضم جميع المناطق التي احتلت بحرب 1967". هكذا بدأ عملياً الخطاب الكولونيالي في السياسة الإسرائيلية بعد 1967. 7

استراتيجية "أرض إسرائيل الكبرى" جسدت فكر حزب الليكود والأحزاب الصهيونية التي على يمينه، إضافة إلى مجلس "يشع". وجدت هذه الأحزاب فرصتها المواتية عام 1977 جراء وصول الليكود إلى سدة الحكم في إسرائيل، الذي جلب معه دفعاً نوعياً للمشروع الاستيطاني من خلال ما اتبعه الليكود من سياسات استيطانية توسعية، رافقها بروز حركة "غوش إيمونيم" الاستيطانية. اعتبر "مناحيم بيغن"- رئيس الوزراء الإسرائيلي عام 1977- الاستيطان في جميع أرجاء أرض إسرائيل بمثابة "تعبير عن الهوية الدائمة للصهيونية ورؤياها الخلقية"، ورأى أنه لا يوجد ثمة تمييز أساسي بين سياسات الاستيطان التي انبعثت في فترة قيام الدولة [إسرائيل] وتلك التي نجمت عقب الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة والجولان في حزيران 1967. "فالاستيطان السابق كما اللاحق هو تثبيت لم يستكمل بعد للسيادة اليهودية على فلسطين".8

رؤية الليكود انعكست على شكل عمليات توسع استيطاني أفقي وعمودي في أنحاء الأرض الفلسطينية، في ضوء العمل الحثيث على تأمين إسرائيل ووجودها المحصن المتمدد استناداً إلى منطق العمق الأمني والتوسع الآمن. تجاوزت سياسات الليكود ما أسسه حزب العمل استيطانياً مستنداً إلى مقاربة التقاسم الإقليمي والوظيفي، فقسم المشروع الاستيطاني لمناطق أولوية استيطانية قصوى ومناطق أقل استراتيجية. خيارات الليكود واليمين كانت مغايرة لجهة الاستيطان في كل مكان في الأرض الفلسطينية، وعموماً فإن المشترك بين هذه السياسات (عمالية أم ليكودية)، هو أن الاستيطان في نظر الحكومات والمخططين الإسرائيليين هو مسألة وجودية أكثر مما هو مسألة أمنية، وليس معنى ذلك أن وجود إسرائيل مهدد بأي معنى، بل يعني أن وجود إسرائيل ينبغي له أن يتعزز ويتجذر بالتمدد والتحصن التوسعي من خلال الاستيطان.



مراحل المشروع الاستيطاني
تمثل مراحل المشروع الاستيطاني تجسيداً للرؤى الإسرائيلية المختلفة للاستيطان ومكانه في الإستراتيجية الإسرائيلية، ويمكن الرصد لهذه المراحل من خلال عدد من المشاريع التي أطلقها أو تبناها كل من الحزبين الكبيرين في إسرائيل (الليكود والعمل) في فترات حكمهما المتعاقبة منذ العام 1967.

المرحلة الأولى: 1967 – 1976
أقيمت المستوطنات في هذه المرحلة بصورة انتقائية ضمن سياسة استيطان كيفية، فتركزت المستوطنات في محيط مدينة القدس واللطرون والخليل ومنحدرات الأغوار، وذلك بوحي من خطة "آلون". وقد أقيمت في هذه المرحلة 39 مستوطنة منها 35 في الضفة الغربية، وبلغ معدل البناء 1 – 6 مستوطنات في كل سنة، ويمثل حجم الاستيطان في هذه المرحلة 23% من الحجم الكلي للاستيطان حتى العام 1977. 9

كان مشروع "آلون" أبرز مشاريع حزب العمل الاستيطانية، وهو في جوهره مشروع للتسوية السياسية مع الدول العربية، وهدف المشروع إلى ضم أجزاء معينة من الأرض المحتلة إلى إسرائيل عبر إقامة سلسلة مستوطنات عليها. تتركز هذه المستوطنات في غور الأردن، مدينة القدس، البحر الميت، وعلى امتداد منطقة اللطرون وجبل الخليل وصحراء "يهودا". اعتبر "آلون" أن المستوطنات الإسرائيلية يجب أن تقام في ضوء الأهمية الاستراتيجية لمتطلبات الأمن، وكحافز للنضال السياسي من أجل حدود آمنة.10

المرحلة الثانية: 1977 – 1984
كانت العلامة الفارقة لهذه المرحلة هي وصول حزب الليكود إلى الحكم عام 1977، واستلام حركة "غوش إيمونيم" لزمام المبادرة الاستيطانية، وفي سياق سياسي جاء متزامناً مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، وإخلاء مستوطنات شبه جزيرة سيناء في سياق هذه الاتفاقية. شهدت هذه الفترة طفرة في التوسع والبناء الاستيطاني في أنحاء الأرض المحتلة، وأطر هذه الطفرة جملة من الخطط والمشاريع أهمها : مشروع شارون، مشروع دروبلس ومشروع غوش إيمونيم.

تأسست في هذه المرحلة 102 مستوطنة رسمية منها 93 في الضفة الغربية، وبوتيرة 6 – 18 مستوطنة في السنة، ومثل حجم الاستيطان في هذه المرحلة 60% من إجمالي البنية الاستيطانية.11

الأبرز بين المشاريع الاستيطانية في هذه المرحلة كان مشروع "دروبلس"، الذي كان بمثابة خطوة هائلة إلى الأمام نحو تمزيق التواصل الإقليمي للمجتمع الفلسطيني، وتوجيه ضربة استباقية إلى فرص امتلاك الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره بحرية، وسعت هذه الخطة عن سابق تصور إلى ضرب الأساس المادي لأي كيانية سياسية فلسطينية قد تنشأ في المستقبل، أما مشروع "غوش إيمونيم" فقد دشن عهد الاستيطان في عمق المناطق الفلسطينية، وفي مواقع تجنبتها كل المشاريع الأخرى12، الأمر الذي شكل البداية العملية والجدية لخلق مجتمعين على الأرض المحتلة أحدهما "مجتمع الأسياد" (المستوطنين بما يتمتعون به من إمكانيات وموارد ومكانة قانونية متميزة )، والآخر "مجتمع العبيد" الذي يتعرض للسلب والتجريد من الحقوق والأرض. شكل الاستيطان في عمق المناطق الفلسطينية الأرضية المادية، وضخ الحياة في فكرة ضم المناطق المحتلة لإسرائيل. وبالرغم من أن عملية الضم لم تتم بإطار "القانون" والترسيم إلا أن نتائج هذه العملية الاستيطانية الواسعة شكلت ضماً بحكم الأمر الواقع للأراضي الفلسطينية من دون الوقوع في محظور إسرائيلي هو بروز دولة ثنائية القومية إذا ما حصل الضم رسمياً وقانونياً. وتميزت هذه المرحلة بخصائص نوعية محددة شكلت تحولاً مفصلياً في المشروع الاستيطاني. 13

1- تزايد الاتجاه نحو الاستيطان الحضري (المدني).

2- زيادة ثقل رأس المال المستثمر في المستوطنات، ودخول رأس المال الخاص إلى ميدان العمل الاستيطاني.

3- انتشار الاستيطان في محيط المدن الفلسطينية الكبرى مثل نابلس، وفي وسط التجمعات السكانية مثل الخليل.

المرحلة الثالثة: 1985 – 1990

في هذه المرحلة عادت وتيرة التوسع الاستيطاني من حيث الكم، إلى ما يشبه المرحلة الأولى، وقد يكون السبب في ذلك هو تناقص المساحات المناسبة والمواقع المواتية للاستيطان عند أخذ البعدين القانوني والجغرافي بعين الاعتبار، إضافةً إلى تضارب الرؤى بين جناحي الائتلاف الذي حكم إسرائيل في هذه المرحلة (الليكود والعمل)، هذا إلى جانب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987.

تأسس في هذه المرحلة 21 مستوطنة رسمية منها 17 في الضفة الغربية، وبمعدل بناء 1 – 5 مستوطنات في السنة، وتمثل المستوطنات التي بنيت في هذه المرحلة 12% من مجمل حجم البناء الاستيطاني14. خلال هذه السنوات خصصت الحكومة الإسرائيلية نحو 300 مليون دولار/ سنة لتطوير وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، ومقابل عدد المستوطنين القليل ( أقل من 70 ألف مستوطن في الضفة عدا القدس)، بني 1000 – 2000 وحدة سكنية في كل عام، فازداد عدد المستوطنين بين أعوام 1983 – 1990 بنسبة 80%، وتوسعت طاقة البناء في جميع المستوطنات وبخاصة في "مستوطنات الضواحي" التي تقع على مسافة قريبة من مراكز إسرائيل التجارية والسكانية، وذلك لخلق حقائق جغرافية ولوجستية و بشرية تجعل أي تقسيم إقليمي للضفة الغربية أمراً مستحيلاً من الناحية العملية.15



خلاصة القول أنه:

قبيل توقيع اتفاقية "أوسلو" عام 1993 كان المشروع الاستيطاني قد قطع شوطاُ طويلاُ نحو التكريس كواقع مادي يصعب تجاوزه في أي تسوية محتملة مع الفلسطينيين، وأصبح يشكل حقائق ديمغرافية وإقليمية – جغرافية ماثلة، إلى جانب ما يحمله من مضامين عسكرية وأمنية. إلا أن حجم وبنية المشروع الاستيطاني بقيت دون المستوى الذي طمح إليه المخطط الإسرائيلي البعيد المدى كما تبرز في المشاريع الاستيطانية المختلفة، فقد هدفت هذه المشاريع إلى جلب مليون مستوطن للسكن في ا لمناطق المحتلة حتى العام 1986، ولم يصل عددهم عام 1992 إلى أكثر من 110,000 مستوطن في الضفة الغربية و 140,872 في مدينة القدس و 4,300 قي قطاع غزة، موزعين على 164 مستوطنة.

أما فيما يتعلق بالجهاز الاستيطاني نفسه فقد لاحظ " دافيد نيومان" أن هذا الجهاز على درجة كبيرة من التباين والتنوع، وبحكم الاضطرابات السياسية والمتغيرات السريعة في الصراع، فإن توفير الموارد لمواصلة العمل التوسعي وتزويد جهاز الخدمات أمر يزداد صعوبة. عدد المستوطنات كبير، وجزء منها هو مستوطنات صغيرة كثيرة متناثرة ومتنافسة فيما بينها على تجمع قليل من ا لمستوطنين وعلى الموارد، وبخاصة في المناطق البعيدة والأقل جذباً للمستوطنين، ، فأكثر من

نصف المستوطنات تسكنها أقل من 40 عائلة لكل مستوطنة، وهذه المستوطنات بحاجة دائمة للدعم الحكومي الكبير، وهذا يشهد على ضعف الجهاز الاستيطاني كحل يحقق أهدافاً سياسيةً على المدى البعيد16. الأمر الذي طرح أمام إسرائيل عشية "أوسلو" السؤال حول كيفية إعطاء دفع حاسم للمشروع الاستيطاني باتجاه تحقيق هذه الأهداف السياسية في ظل التسوية على أساس الاتفاقيات الموقعة؟
التوقيع

<font size=4><font color=#ff6347>[align=center]يا زهرة النيران في ليل الجليل .... اما فلسطين واما النار جيلا بعد جيل....[/align]</font></font>

  رد مع اقتباس
 


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287