الاستيطان في محافظة بيت لحم
تشرين ثاني 2001
جاد إسحق و عيسى زبون
مقدمة:
إن قضية الاستيطان (الاستعمار) والمستعمرات (المستوطنات) كانت ولا تزال من ابرز قضايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. حيث أن إسرائيل ومنذ قيامها باحتلال الضفة الغربية و قطاع غزة عام 1967, دأبت على إنشاء وبناء المستعمرات في الضفة الغربية و قطاع غزة في سياسة مبرمجة رامية إلى تعزيز وجودها على هذه الأرض والقضاء على أي إمكانية لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة المتصلة جغرافيا والمستدامة إقتصاديا.
بالرغم من قرارات الشرعية الدولية ومجلس الأمن الدولي وخصوصا قرار446 ( 22 مارس 1979) الرافضة لسياسة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة والتي تعتبر بناء المستعمرات في الأراضي المحتلة عملا غير قانوني وخرقا فاضحا للأعراف والمواثيق الدولية, إلا أن إسرائيل ومنذ اليوم الأول لاحتلالها العسكري للضفة الغربية وقطاع غزة شرعت في بناء المستعمرات ضمن نهج سياسي واضح من اجل السيطرة على الأرض ومصادرها الطبيعية. وتستعرض هذه الدراسة مدى ما تعرضت له محافظة بيت لحم من إعتداءات إستيطانية منذ عام 1967 حتى الان.
الموقع الجغرافي واستخدامات الأراضي:
تمتاز محافظة بيت لحم بمكانتها التاريخية والدينية الخاصة حيث مدينة بيت لحم والتي تعتبر من اقدم المدن الفلسطينية وما لها من مكانة دينية خاصة كونها المدينة التي ولد فيها السيد المسيح عليه السلام. هذا بالإضافة لقربها من مدينة القدس الشريف وما يحمله هذا القرب من أهمية جغرافية واعتبارات إقتصادية وسياسية تؤخذ بالحسبان.
تقع محافظة بيت لحم على بعد 8 كيلومتراً إلى الجنوب من مدينة القدس وتبلغ مساحتها 607,858 كم2 (607858 دونم), حيث يحدها من الشرق البحر الميت ومن الغرب إسرائيل (الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948) ويحدها من الشمال محافظة القدس ومن الجهة الجنوبية والجنوبية الغربية محافظة الخليل.
وتتباين تضاريس المحافظة من الهضاب المرتفعة والتي تصل في ذروتها إلى 900م فوق سطح البحر في رأس بيت جالا وحتى أدنى ارتفاع وهو 412 م تحت سطح البحر عند البحر الميت، الأمر الذي أدى إلى التنوع المناخي الواضح من خلال التباين في درجات الحرارة وكميات الأمطار مع التغير في الارتفاع عن سطح البحر.
بلغ عدد سكان محافظة بيت لحم عام 1999 حوالي 132090 نسمة (الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني, 1999) موزعين على 71 تجمعاً سكانياً من ضمنها المدن الرئيسية الثلاث (بيت لحم, بيت ساحور وبيت جالا) و65 بلدة وقرية بالإضافة إلى ثلاث مخيمات للاجئين (مخيم الدهيشة, مخيم عايدة ومخيم العزة) ويسكن هذه المخيمات ما يقارب 10600 لاجئ.
الوضع الجيو سياسي :-
في 13 أيلول عام 1993 وقعت منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل اتفاقية إعلان المبادئ, والتي نصت على فترة انتقالية مدتها 5 سنوات, وفي الرابع من أيار عام 1994 وقعت اتفاقية أوسلو الأولى(غزة وأريحا) حيث تم نقل مناطق من الضفة الغربية وقطاع غزة إلى السيادة الوطنية الفلسطينية, وفي 28 أيلول 1995 وقعت اتفاقية أوسلو الثانية وتم نقل مناطق جديدة من الضفة الغربية وقطاع غزة إلى السيادة الوطنية الفلسطينية وكانت من ضمنها محافظة بيت لحم, حيث قسمت المحافظة إلى عدة مناطق كما يلي :-
منطقة أ: حيث تكون سيادة فلسطينة مطلقة.
منطقة ب: حيث إدارية خاضة السلطة الوطنية الفلسطينية وأمنيا لأسرائيل.
منطقية ج: حيث السيادة الامنية والإدارية لاسرائيل.
وفي أيار من العام 2000 وتبعا لاتفاقية شرم الشيخ تم نقل أجزاء جديدة من المحافظة إلى السيادة الوطنية الفلسطينية من ضمنها منطقة جديدة تسمى محمية طبيعية.الجدول (1) يوضح تقسيم محافظة بيت لحم تبعاً لاتفاقية شرم الشيخ أيار,2000. والجدول (2) يعرض التوزيع السكاني في محافظة بيت لحم.
بداية ونشأة الاستيطان في محافظة بيت لحم:
إن الممارسات الإسرائيلية على الارض في هذه المحافظة لم تقتصر على مصادرة الارض وتفريغها من أصحابها الشرعيين بل تعدى ذلك الى إعادة ترسيم للحدود الإدارية التي كانت قائمة في عهد المملكة الاردنية الهاشمية, حيث قامت إسرائيل بإجراء تعديلات ادارية على حدود المحافظات بهدف إلغاء محافظة القدس حيث تم اقتطاع ما مساحته 163,225 دونم من محافظة القدس وضمها الى محافظة بيت لحم, وكذلك اقتطاع 133,944 دونم من محافظة الخليل وضمها الى محافظة بيت لحم في حين قامت باقتطاع 106,546 دونم من أراضي المحافظة وضمها الى محافظة أريحا وكذلك إقتطاع 18,048 دونم من المحافظة وضمها الى حدود بلدية القدس التي هي الاخرى اعيد ترسيم حدودها بعد إحتلالها عام1967.
تعود بداية الاستيطان في هذه المحافظة إلي عقد الستينات من القرن السابق أي بعد قيام إسرائيل باحتلال الضفة الغربية مباشرة, فكانت مستعمرة كفار عتصيون من أول المستعمرات الإسرائيلية التي غرست في الأرض الفلسطينية بعد حرب حزيران عام 1967, ثم أخذ الاستيطان بالانتشار كالسرطان, يغتصب الأرض في هذه المحافظة ضمن سياسة وإستراتيجية مبرمجة من اجل خدمة الأهداف الإسرائيلية ومن ضمنها مشروع ما يسمى بالقدس الكبرى. حيث بلغ عدد المستعمرات في العام 2000 على ما يزيد على 21 مستعمرة بمساحة 15112 دونم أي ما يعادل 2,5 % من مساحة المحافظة ويسكن هذه المستعمرات حوالي 52308 مستوطن.
ملاحظة:
-1 المستعمرات المدرجة في الجدول هي المستخرجة من نظام المعلومات الجغرافي المحوسب
-2لم تدرج مساحات بعض المستعمرات التي لم تعرف بأسماء في نظام المعلومات الجغرافية. وهذه المستعمرات لم تشكل أكثر من 7% من المساحة الكلية للمستعمارات المسجلة في نظام المعلومات الجغرافي.
ترافق عملية إنشاء المستعمرات الكثير من الخطوات الأساسية لتهيئة المنطقة المقترح أن تقام عليها المستعمرة مثل شق الطرق الالتفافية والتي لا تخدم إلا الأهداف التوسعية للمستعمرات من ناحية, ومن ناحية أخرى من أجل توفير الأمن للمستوطنين الذين يستخدمونها, حيث يتوفر لكل شارع التفافي 75م " منطقة حرام" تمتد على جانبين الشارع ممنوع التصرف فيها لأي غرض كان.
يوجد في محافظة بيت لحم العديد من الطرق الالتفافية التي تم إنشائها والتي بلغ أطوالها 32 كم, والتي ما زالت قيد الإنشاء أو المخطط لإنشائها والمتوقع أن تصل أطوالها الى 30 كم, ولو أخذنا بعين الاعتبار "المنطقة الحرم " المخصصة لكل شارع لوجدنا ان 9300 دونم معضمها من الاراضي الزراعية قد تمت مصادرتها لهذا الغرض أي ما يعادل 1.5 % من المساحة الاجمالية للمحافظة.
لقد كان لهذه الطرق الالتفافية الدور الكبير في فرض الحصار على هذه المحافظة, وتقطيع أوصالها كما هو حال الشارع الالتفافي رقم 60 حيث عزل منطقة الريف الغربي عن باقي أنحاء المحافظة والتهم حوالي 5000 دونم من أراضي قرية الخضر. هذا بالإضافة إلى الطرق الالتفافية المخطط إنشائها في منطقة الريف الشرقي من المحافظة كالشارع الالتفافي رقم 80 والذي أقرته السلطات العسكرية الإسرائيلية وجمد العمل به مؤقتا.
بالنظر إلى الخارطة رقم (4), نرى أن الاحتلال ركز نشاطه الاستيطاني في منطقة كفار عتصيون وذلك من اجل تعزيز الوجود الإسرائيلي في هذه المنطقة تمهيدا لضمها لاسرائيل أو لما يعرف بالقدس الكبرى والسيطرة على مواردها الطبيعية من مياه جوفية وأراضي زراعية, ومن جهة أخرى لمنع التطور والامتداد العمراني ومنع التواصل الجغرافي بين هذه المحافظة ومحافظة الخليل.
"إن بداية الاستيطان في هذه المنطقة قد بدأ مباشرة بعد حرب حزيران من عام 1967 واستمرت خلال سنوات الاحتلال الماضية وما زالت مستمرة لغاية الآن, حيث بلغ عدد المستعمرات في هذا التكتل الاستيطاني 11 مستعمرة من بينها 10 مستعمرات في محافظة بيت لحم ومستعمرة واحدة تقع ضمن حدود محافظة الخليل وهي مستعمرة مجدل عوز, وتحتوي هذه المستعمرات على ما يقارب 20000 وحدة سكنية في حين بلغ عدد المستوطنون في هذه الكتلة الاستيطانية حوالي 22246 مستوطن.
التوسع الاستيطاني في المحافظة:-
منذ توقيع اتفاقية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل عام 1993, زادت إسرائيل من هجمتها الاستيطانية الشرسة على الأرض الفلسطينية دون استثناء ولم تكن محافظة بيت لحم بمعزل عن هذه السياسة, بل إن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كثفت من نشاطها الاستيطاني في هذه المحافظة حيث تم مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية من اجل توسيع وبناء المستعمرات, وتركزت هذه الهجمة الشرسة في منطقة كفار عتصيون والدليل على ذلك أن حجم بعض المستعمرات قد زاد الى الضعف أو الضعفين والبعض الآخر قد زاد إلى خمسة أضعاف