تأمل هنا قصة جابر، وقد اشترى منه بعيره ثم وفّاه الثمن وزاده ورد عليه البعير، وكان أبوه قد قتل مع النبي في وقعة أحد، فذكَّره بهذا الفعل حال أبيه مع الله، وأخبره أن الله أحياه وكلّمه كفاحاً. وقال: يا عبدي تمنَّ علي.فسبحان من عظم جوده وكرمه أن يحيط به علم الخلائق، فقد أعطى السلعة وأعطى الثمن، ووفَّق لتكميل العقد، وقبل المبيع على عيبه، وأعاض عليه أجلَّ الأثمان، واشترى عبده من نفسه بماله، وجمع له بين الثمن والمُثَمَّن، وأثنى عليه ومدحه بهذا العقد، وهو الذي وفقه الله له وشاءه منه:
فحيهلا إن كنت ذا همة فقد ========= حدابك حادي الشوق فاطو المراحلا
وقل لمنادي حبهم ورضاهمُ ============== إذا ما دعا لبيك ألفا كواملا
ولا تنظرِالأطلال من دونهم فإن ========== نظرتَ إلى الأطلال عُدْنَ حوائلا
ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ============ ودَعه فإن الشوق يكفيك حاملاً
وخُذ منهمُ زادا إليهم وسِرْ على ========== طريق الهدى والحب تصبح واصلاً
وأحيِ بذكراهم شراك إذا دانت =========== ركابك فالذكرى تعيدك عاملاً
وإما تخافنَّ الكلال فقل لها ============= أمامك وِرْدُ الوَصل فابغي المناهلا
وخُذْ قبساً من نورهم ثم سِرْ به ============ فنورهم يهديك ليس المشاعلا
وحيِّ على وادي العراك فقِلْ به =========== عساك تراهم ثَمَّ إن كنت قائلا
وإلا ففي نعمانَ عندي معرف الـ ========= ـأحبة فاطلبهم إذا كنت سائلا
وإلا ففي جمع بليلته فإن ============== تفُتْ فمني يا ويح من كان غافلا
وحيِّ على جنات عَدْن فإنها ============== منازلك الأولى بها كنت نازلاً
ولكن سباك الكاشحون لأجل ذا ========= وقفتَ على الأطلال تبكي المنازلا
وحيّ على يوم المزيد بجنة الـ ========= ـخلود فجد بالنفس إن كنت باذلاً
فدَعْها رسوماً دارساتٍ فما بها ============= مقيل وجاوزها فليست منازلا
رسوماً غَفَت ينتابها الخَلْق كم بها =========== قتيل وكم فيها لذا الخلق قاتلا
وخُذْ يمنة عنها على المنهج الذي ============= عليه سرى وفد الأحبة آهلا
وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة =========== فعند اللقاء الكد يصبح زائلا
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ============ ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا
لقد حرك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية والهمم العالية، وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية، وأسمع الله من كان حيا، فهزه السماع إلى منازل الأبرار، وحدا به في طريق سيره، فما حطت به رحاله إلاّ بدار القرار، فقال: (انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة، ولولا أن أشقّ على أمتي ما قعدت خَلْف سرية، ولوددت أني أُقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا) انتهى كلام ابن القيم من [زاد المعاد في هدي خير العباد (2/66-67)].
وساق رحمه الله بعض الأدلة على فضل الجهاد في سبيل الله.