الحلقة الثامنة والاخيرة
في الجمعة الخامسة للحصار وصلني نبأ استشهاد ابن عمتي رائد موسى نزال في مدينة قلقيلية، بقذيفة (أنيرجي) ظهر اليوم عندما أعادت هذه القوات احتلال المدينة، تمكنت والدتي من الاتصال بي عصر اليوم وتحدثت معى باكية قائلة (رشيد يسلم رأسك، ابن عمتك رائد، قتلوه.
عاش أسيرا في أقبية سجون الاحتلال لأكثر من أربعة عشرة سنة، كان صغيرا عندما اعتقل في إطار حملة هدفت اعتقال مجموعات للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في قلقيلية ولم يتجاوز عمره ستة عشرة ربيعا، خرج قبيل انتفاضة الأقصى بقليل تزوج وأنجب ابنا وحيدا أسماه (أسير)، وعاد ليكون مطاردا بين مدن الضفة الغربية لقوات الاحتلال وأجهزتها الأمنية التي بدأت تضيق عليه الخناق مجددا. ومع ذلك استطاع رائد أن ينشأ الذراع العسكري للجبهة العسكرية للجبهة الشعبية في منطقة قلقيلية، وأن يقض مضاجع الاحتلال في أكثر من موقعة.
ادعت قوات الاحتلال أن الشهيد رائد كان مسئولا عن مواد متفجرة تقدر 250 ضبطت في أحد منازل قلقيلية كانت في طريقها إلى إحدى البنايات التجارية في تل أبيب وتسمى عزرائيل، وادعت إسرائيل أن العملية كانت لو نفذت شبيه بعمليات التفجير في المركز التجاري في نيويورك ، وأن حجم الخسائر البشرية التي ستقع جراء هذه العملية بين 3000 و10000 قتيل وأن الخسائر المادية ستقدر بنحو 70 مليون دولار.
كانت قوات الاحتلال التي اجتاحت المدينة منذ فجر اليوم تقوم بعملية مطاردة واسعة النطاق للشهيد ورفاقة، من خلال مروحيات الأباتشي، وتمكنت عند ظهر اليوم من تضييق الخناق عليه في منطقة صغيرة ومغلقة، إلتجأ إلى أحد المنازل وتحصن فيه، ومع ذلك أمر رفاقه بالانسحاب لأنه سيغطي أنسحابهم وأستمرت المعركة بينه وبين قوات الاحتلال طيلة ثلث ساعة استخدمت فيها قوات الاحتلال قذائف الأنيرجا فسقط شهيدا وفاضت روحه إلى باريها.
تحدث شقيقه واصف بواسطة الهاتف الخلوى المشوش والذي أكاد أسمعه (رائد استشهد قصفوه بالقذائف أولاد الكلاب) وقطع الاتصال.
بكى قلبي المحاصر، ودمعت عيني التي تشاهد حجم مأساة شبعي.. فهذا طريد.. وهذا أسير وهذا شهيد، ولم يبق منزل فيه فلسطيني إلا وأصيب بنكبات الاحتلال.
وقفت أمام نافذة الجسر المؤدى بين غرفة الرئيس وقاعة المؤتمرات، لا لشيء سوى النظر لهضاب رام الله البعيدة، ولأتنفس الهواء المتسرب من شقوق أحدثها رصاص الاحتلال، لم أقف طويلا وإذا بقنابل الصوت والغاز يطلقها جنود الاحتلال على النوافذ مما اضطرني للتراجع مع من كانوا يمارسون لعبة تنفس الهواء الطلق إلى الداخل مرة أخرى.
المحاصرون واصلوا حياتهم الصعبة، ويتأملون أن ينتهي هذا الحصار البغيض، زميلي علي صوافطة من وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) كان متكدرا نوعا ما رغم أنه أظهر رباطة جأش حقيقية في الحصار، كان موعد زواجه الذي حدده مع خطيبته وأهلها قد مر وهو محاصر، وكان الموعد حدد يوم الخميس الموافق 11/4، ولم يعد علي إلى أهل خطيبته المنتظرة، وكيف يعود وهو يواجه الموت في كل لحظة، كان علي قد انقطع عن التدخين بتدخل من خطيبته سائدة، ولكنه عاد إلى التدخين، لا بل أصبح شغوفا للبحث عن سيجارة ينفث فيها همومه وشوقه لخطيبته سائدة التي تحاول دائما الاطمئنان عن خطيبها وفتى أحلامها، ولكن كان الاحتلال بدباباته ومجنزراته يقفون لأحلامها بالمرصاد. طمأنته بعض الشيء فالحديث بدأ يتسرب عن وجود اجتماعات بين الجانبين الفلسطيني واللجنة المشتركة والتي تضم بريطانيين وأميركيين، وأن هناك انفراجا ما قد يحدث في أي لحظة، أتحدث إليه والشك يخامرني من التوصل إلى أية نتائج ملموسة على الأرض بخصوص فك الحصار، لا بل أن المسائل تزداد تعقيدا بالنسبة لقضية المهد.
كان غبره من قوات الـ(17) متضايقا لأنه بحاجة إلى حمام حقيقي حتى يزيل الأوساخ التي علقت به طوال أيام الحصار، قلت له (الرئيس لم يستحم طوال أكثر من 22 يوما متواصلا ولم يغير ملابسه التي بدا عليها الاتساخ، واضطر للذهاب إلى حمامه وتدبير بعض كميات المياه القليلة ليستحم لأن الدكتور أشرف الكردي طبيه الخاص حضر من الأردن برفقة وزير الخارجية الأردني مروان المعشر للكشف عنه وليطمئن على وضعه الصحي، فأصبر كما صبر الرئيس عرفات).
أسماء تعلق بذهنك دائما ماجد السلمي، الياسيني، ضبع، أبو الليل، النقيب سعيد وغسان، ومحمد دعاجنة، والشرطي فايز، ونبال، وفادى، ومحمد، وأسد، وهاتى، هؤلاء وغيرهم من صناع الصمود في زمن القحط هذا، كانوا يجترعون المعجزات، نعم كانوا حالمون بوطنهم وهم على استعداد لاجتراع المعجزات، وكيف لا وأنت ترى أحد الموظفين في مكتب الرئيس إبراهيم الأدريسي، يؤثر غيره على ذاته حتى في بعض كسرات الخبز من مخصصه، يرفض أن ينام على مرتبة وغيره بحاجة إليها.
مساء يوم الأحد 28/4 وصل إلى مقر الرئيس عرفات القنصلان الأميركي رونالد شليكر والبريطاني جيفرى آدم، علمت أنهما يحملان خطة مشتركة، ولكن لم يرشح عنها أي تفصيلات، لكنها حملت بكل تأكيد تصورات عن حل لقضية المحاكمين بقتل الوزير المتطرف زئيفي، وتضمنت هذه الخطة أن يخضع المعتقلين لأشراف أميركي ـ بريطاني مشترك في أحد السجون الفلسطينية، ورشح أن يكون سجن أريحا هو السجن المرشح.
في هذا الاجتماع اتفق على أحضار لجنة من الخبراء من الخارج لمناقشة التفاصيل مع لجنة فلسطينية، ترأسها الوزير ياسر عبد ربه، وبعد أنتهاء الأجتماع أحضر الرئيس القنصلين البريطاني والأميركي للغرفة التي يتواجد بها المعتقلون المحاكمون بقتل زئيفي.
مساء الاثنين 29/4 كان مقررا أن يلتقي الرئيس عرفات بأعضاء اللجنة الفنية، ولكن استعيض عن هذا اللقاء، بلقاء آخر عقده معهم الوزير ياسر عبد ربه، وخالد سلام (محمد رشيد) المستشار الاقتصادي للرئيس عرفات، ودحلان.
أظهر الرئيس عرفات استياءه من الاجتماع، وأكد في محادثته مع المسئولين الفلسطينيين أنه سينسف الاتفاق مع الجانبين الأميركي والبريطاني إذا لم يلتزموا بما تم الاتفاق معهم، ففي أجواء اللقاءات والاتصالات هذه كانت إسرائيل تنفذ مجزرة جديدة في الخليل حيث استشهد صباح اليوم (8) فلسطينيين، ومنعت قوات الاحتلال من ادخال مواد التموين للمحاصرين في كميسة المهد في بيت لحم، وفي ذات الوقت تماطل الحكومة الإسرائيلية في فك الحصار عن الرئيس عرفات.
ومن الواضح أن الرئيس عرفات لم يعجب من اطالة الوقت في عمل اللجنة المشتركة الأميركية ـ البريطانية.
كان الرئيس عرفات تلقى اتصالا من ولي العهد السعودي الأمير عبد الله أكد فيه أن الأحد سيكون الانسحاب الإسرائيلي، وأن القضية قد حسمت، ولكن جاء الأحد والاثنين والقضية لم تحسم بل أن مباحثات الجانبين الفلسطيني والأميركي والبريطاني بدأت تدخل متاهات لم تكن موجودة أصلا. وخاصة تلك المتعلقة بإقامة المعتقلين الستة، فقد كان نص الاتفاق الذي أصر الرئيس عرفات عليه هو أن يقيم الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات والعميد فؤاد الشوبكي كل في شقة خاصة وليس داخل السجن.
عادت اللجنة الفلسطينية صباح اليوم الثلاثاء 30/4 للاجتماع مع الخبراء الأجانب، وكان هذا الصباح بالنسبة للمحاصرين متوترين، فوسائل الاعلام تعلن عن قرب فك الحصار عن مقر الرئيس عرفات، في الوقت الذي تتواجد فيه الدبابات داخل المقر بل تقوم بعمليات وضع المتاريس والسواتر، والجميع يكذب ما يشاع في وسائل الاعلام.
كانت اللجنة والخبراء ذهبوا إلى أريحا لتفقد السجن الذي سينقل إليه المعتقلون من أعضاء الشعبية وسعدات والشوبكى، وعادت اللجنة في المساء لتجتمع مرة أخرى مع وفد الخبراء، والجميع بانتظارنا سيتمخض عنه هذا الاجتماع، كمن متشوقا لمعرفة ما يجرى في الاجتماع، سألت المستشار نبيل أبو ردينة قال (الرئيس بانتظار اللجنة لإطلاعه على التفاصيل التي بحثت في الاجتماع).
ومن الواضح أن إطالة أمد الحصار على المقر تأتي في إطار حملة الانتقام الشخصية التي يمارسها شارون على الرئيس عرفات.
في هذا الأنتظار لما قد يحدث تمشيت مع العميد توفيق الطيراوي الذي أكد فشل حملة شارون بأبعادها السياسية وحتى العسكرية وأن كان شارون وصل حتى باب مقر الرئيس عرفات، ورغم ارتكابه للمجازر في المناطق الفلسطينية، أراد شارون شطب الرئيس عرفات، لكن الرئيس عاد قويا أكثر من ذي قبل، وكما قال الرئيس يلمع في الأزمات.
لكن العميد الطيراوي أكد أن هذه التجربة قد طرحت حقيقة على الطاولة ضرورة استخلاص العبر والنتائج على القيادة التي يجب ان تسارع باجراء جملة من التغيرات التي تؤكد استخلاص العبرة مما حدث.
في الساعة الثامنة من مساء الأربعاء 1/5 كانت تقف على بوابة المقر (8) سيارات شفرليت أميركية مصفحة، وبداخلها عدد كبير من الأمن الأميركي والبريطاني، دخل عدد من رجال الأمن الأميركي للطابق الأول من المبنى وأخذوا معهم المعتقلين، طبع قيدوا باليدين، باستثناء سعدات والشوبكى، ورافقهم حرس الرئيس إلى أريحا، ودع المعتقلون من قبل المحاصرين، وودعهم المعتقلون وهم يلوحون بأشارت النصر، الأمر الذي خلق عند البعض أجواء من الكآبة.
الجميع بدأ ينتظر انسحابا إسرائيليا، حيث بدأت هذه المؤشرات تتضح في ساعات الليل، فقد رفعت قوات الاحتلال التشويش عن الهواتف الجوالة، وبدأت عدد من آلياتها ودباباتها بالخروج من المقر، كنت في هذه اللحظات أقف على الجسر وبجانبي اللواء إسماعيل جبر نرصد تحركات قوات الاحتلال، سيما وأن انفجارا قويا وقع قبل قليل بالقرب منا، ومع ذلك بقينا نرقب حركة قوات الاحتلال، وفي غرفة مجاورة كان سعد اليتيم يغنى الزجل ويرقص الدبكة الشعبية وبعض المحاصرين يلتفون حوله يشاركونه الغناء بالتصفيق وترديد أغاني الدلعونة وأبو الزلف.
أمسكت جهاز اللاسلكي اتصلت بالمصور الصحفي جمال العار وري بادرت بسؤاله أين أنت الآن، قال لأقف الآن بالقرب قصر الحمرا بعد أن لاحقتنا قوات الاحتلال عندما اقتربنا من الطريق المؤدية إلى مقر الرئاسة (طلبت منه التقدم ولكن بحذر لأن قوات الاحتلال التي قامت بمطاردتكم شاهدتها قد خرجت، وعلق اللواء جبر بالقول عليه أن يحذر الطريق خوفا من وجود قنابل مفخخة طرقها الاحتلال، رد بقوله: سأمشى ذات الطريق التي سلكتها قوات الاحتلال، وبالفعل ما هي لحظات حتى شاهدنا مجموعة من الصحفيين تدخل مهبط الرئاسة وتتوجه إلى البوابة الداخلية لمقر الرئيس عرفات، حيينها صفق جميع من في المقر، توجهت مباشرة إلى مكتب الرئيس عرفات الذي كان غاضبا لأقصي درجة من خرق قوات الاحتلال لاتفاقها بأن تحل قضيتي مقر الرئيس وكنيسة المهد في وقت واحد).
خرج المحاصرون إلى باحات المقر وبدأوا في عناق بعضهم بعض، وما أن سمع أهالي المحاصرين بفك الحصار وانسحاب قوات الاحتلال حتى سارعوا بالوصول إلى المقر.
الحرية التي كتبت من جديد للمحاصرين كانت بالنسبة حياة جديدة، ولكن معظمهم عادوا إلى المقر الذي أبقى الرئيس عرفات فيه كامل الاستعدادات والجاهزية خوفا من هجوما إسرائيلي آخر وشيك.
وبقى الفلسطيني ينتقل من حصار إلى حصار دون تردد أو خوف أو وجل، فهو يعشق حريته ووطنه