يطالبون الفلسطينيين بضبط النفس. يطالبهم بذلك كل الجوقة الدولية مضافا إليها الجوقة العربية بعد انكشاف أحوالها بشكل كامل.
أي ضبط للنفس هو المقصود في ظل الحصار القاتل والتجويع ومنع الغذاء عن الاطفال والدواء عن المرضى؟! أي ضبط للنفس مطلوب في ظل المجازر الهمجية البشعة، التي تقوم بها عشرات الطائرات المتطورة بمئات الاطنان من القنابل، التي تحصد المئات من القتلى والمئات من الجرحى وهم في حالة خطيرة، في عدة ساعات فقط من بدء مجزرة الابادة الجماعية في غزة؟!
أي ضبط للنفس في ظل تواطؤ دولي وعربي بل اسلامي ضد شعب أعزل، لا يملك الا بضع مئات من صواريخ يدوية الصنع، يعبّر بها رمزيا، عن كرامته وكبريائه في اجواء الاستباحة الكاملة لوجوده ولإنسانيته؟!
أي ضبط للنفس يطلبه همج القرن الواحد والعشرين، بدءا من اسرائيل، والمتحضرين الاوروبيين، والاتباع العرب، بعد ان أسهموا منذ 48 في سلب وطن كان للفلسطينيين، وبعد ان شردوا شعبا في اصقاع الدنيا كلها، وبعد ان صمتوا عن مجازر كبرى قام بها الكيان المغتصب ضد شعب أعزل، يراد تجريده حتى من مقاومته المشروعة ضد احتلال بلده ووطنه وضد سلخه من تاريخه وهويته ووجوده؟! فلماذا يتواطأون لوقف حقه في المقاومة؟!
أي ضبط للنفس والقضية الفلسطينية تتراوح من نقطة الصفر الى نقطة الصفر منذ ستين عاما، من دون ان يحصل الشعب الفلسطيني على أبسط حقوقه العادلة؟!
* أي ضبط للنفس بعد ان بات هذا الشعب المغدور به، يتلقى الضربات تلو الضربات، ليس فقط من المحتل الصهيوني أو الامريكي الذي يقود الهمجية، في العالم بكل الاشكال، أو الأوروبي الذي يدعي التحضر والانسانية، وانما هو اليوم يتلقى الضربات من حكومات عربية، ومن سلطته الفلسطينية، وهي معاً، تتواطأ مع الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين الاحرار؟!
* لم تكتف الحكومات العربية بالتخلي عن القضية الفلسطينية، وهي القضية المركزية لكل العرب، وستبقى كذلك طالما هناك كيان صيهوني غاصب، وانما هي اليوم تسهم اسهاما مباشرا في تصفية تلك القضية، وتصفية مقاومتها، بعد ان تاجرت عشرات السنوات في هذه القضية.
* اليوم، ومع هذه الابادة الفاضحة في غزة، ليس لدى الفلسطينيين الا العودة لوحدتهم الوطنية كأول شرط.
وربما ليس لديهم بعد العودة الى وحدتهم الا تسجيل انتفاضتهم الثالثة في وجه كل الظلم الاسرائيلي والدولي والعربي، واخراج المتواطئين الفلسطينيين من الصورة الفلسطينية الشاملة.
وليس لدى الشعوب العربية والاسلامية الا الانتفاضة ضد التواطؤ العربي المكلل بالخزي والعار.
وليس لدى كل أحرار العالم، الا تسجيل الوقفة التي تثبت مناهضة الانسانية للهمجية في هذا العالم، لأنها هي المعركة الحقيقية لعالم القرن الواحد والعشرين، بعد ان تكبدت الانسانية في العالم أفدح الخسائر في أرواحها وقيمها وأخلاقياتها وانسانيتها.
* من الجنون والعبث والاستباحة لإنسانية كل انسان، ان يبقى الصمت ساريا، بعد هذا الذي جرى ويجري في فلسطين منذ ستين عاما.
وبإمكان الشعوب ان تعلن موقفها ووقفتها ضد كل العابثين بالمصير الانساني، وحيث غزة ملحمته الكبرى اليوم وضد كل المتواطئين حفاظا على كراسيهم الهزيلة.
* مهما فعل الكيان الصهيوني، فإن الشعوب العربية والاسلامية رافضة له حتى النخاع، ورافضة لأي حكومة تريد التطبيع معه على حساب ارادتها.
الشعب المصري يرفض ذلك منذ ما يقارب الاربعين عاما، بل يزداد كراهية وعداء للكيان الصهيوني، مثلما يرفض ذلك الشعب الاردني، ويرفض ذلك الشعب اللبناني، ويرفض ذلك الشعب الفلسطيني، وترفض معهم كل الشعوب العربية والاسلامية قاطبة.
علامَ إذاً تراهن الحكومات العربية أو الاسلامية؟!
أتراهن على امريكا وعلى اسرائيل لحمايتها؟!
هو رهان خاسر منذ كامب ديفيد، وسيبقى رهانا خاسرا، رغم بقية صكوك السلام الموقعة والفاشلة، وسيبقى رهانا خاسرا مع صحوة الشعوب العربية من غفوة طالت كثيرا.
وحتما فإن التاريخ لا ينسى لا الأحداث ولا المواقف، ولا جرائم الحرب، ولا مرتكبيها ولا المتواطئين في ارتكابها، وعمر الشعوب ممتد، فيما أعمار الجلادين والمتواطئين قصيرة مهما طالت، ولن ينالهم الا حذاء التاريخ الذي استمد منه (الزيدي) كثافة الرمز فيه.