عرض مشاركة واحدة
  #1 (permalink)  
قديم 01-12-2008, 11:27 AM
الصورة الرمزية ناجي العلي
ناجي العلي ناجي العلي غير متواجد حالياً
 

 








افتراضي بالصدفة /ابراهيم طيار

بالصّدفةِ
كانَ لنا وطنٌ بالصّدفةِ ..
ولنا أهلُ..
ولنا أسماءْ
بالصّدفةِ..
كان العُرسُ..
وكان الأبُ والأمُ..
وكان الطفلُ..
وكانتْ قابلةٌ تستخرجُ من رحمٍ كالقبرِ..
قتيلاً..
ثم تَلفُّ عليهِ الأقمشةَ البيضاءْ
بالصّدفةِ يكبرُ هذا الطّفلُ..
يراهقُ..يعشقُ..يتزوّج..
يُنجبُ أبناءْ
ويعيشُ مجازاً..
كي يُقتل يوماً بالصّدفةِ..
ثم تُلفُّ عليه الأقمشةُ البيضاءْ

بالصّدفةِ...
نُولدُ بالآلافِ..
ونُقتلُ أيضاً بالآلافِ..
ونُعرض جثثُ المقتولين على الشّاشاتِ كأرقامً
خمسون قتيلٍ...
مئة قتيلٍ..
ألفُ قتيلٍ...
من يهتمُّ بما قد يحدثُ بالصّدفةِ
في هذا العالمِ من أشياءْ
ومن يهتمُّ بأرقامٍ...
تتناسلُ في نشرة أنباءْ
أو تُدفن في نشرةِ أنباءْ

بالصدفة نصحو كلَّ صباحٍ...
نتحسّس بأصابعنا نبضاتِ القلبِ..
ونحسدُ أنفسنا أنّا..
ما زلنا بالصّدفةِ أحياءْ
أو نزعمُ رغم مآتمنا..
أنّا أحياءْ

بالصّدفةِ..
كانتْ مدرسةٌ..ونشيد وطنيٌ..
وغناءْ
بالصّدفةِ يسقطُ صاروخٌ..
ويحيلُ الكلَّ إلى أشلاءْ

بالصّدفةِ ..
يُعلن بوشُ الحربَ
فتحترقُ الصّحراءْ
ويصيرُ دمُ العربيّ رخيصاً مثلَ الماءْ
وتصيرُ أنابيبُ البترولِ..
معالفَ لخيولِ الأعداءْ

بالصّدفةِ ..
تصلُ الدبّابات إلى بغدادَ..
وبالصّدفةِ تنجو صنعاءْ

بالصّدفةِ ..
في الوطن العربيّ إذا اجتمعَ الزعماءْ
لا أدري كيف -على حزني-..
أضحكُ وأقهقهُ باستهزاءْ
أقرأُ في الصحف بياناتٍ..
تتحدّثُ عن ندبٍ ورثاءْ
عن لطمٍ..
وعويلٍ ..وبكاءْ
أقرأ عن شجبٍ واستنكارٍ..
أبلغ من شعرِ الشّعراءْ
وأرى أوراقَ النعيّ..
يهجّيء أحرفها أحدُ الخطباءْ
كي يلقيها في حفل عَشاءْ
يتنفّسُ من بعد الصّعداءْ
ويودِّعُ جمعَ الصحفيين..
ليأخذَ فترةَ استرخاءْ
يرتاحُ بها من حربِ الشُّهرةِ والأضواءْ
وجهادِ الرقصِ على الكلماتِ
وذرفِ الدمعاتِ النجلاءْ
يا ناسُ ...
أمؤتمرٌ هذا..؟
أم بيتَ عزاءْ
أم إحدى حلقاتِ القرّاءْ


بالصّدفةِ ..
في الوطنِ العربيَ..
ينام النّاس فلا يصحونَ
من الإعياءْ
بالصّدفةِ ..
ندخلُ في زمن التّخديرِ..
وفي زمنِ الإغماءْ

بالصّدفةِ ..
نذبحُ باسم الشّرفِ مُراهقةً..
ونبيعُ الشّرفَ الأكبرَ في السّوقِ السّوداءْ

بالصّدفةِ ..
نعبدُ ربَّ البيتِ
وباسمِ الربِّ نَهدُّ البيتَ
وبالصّدفةِ ..
نؤمنُ بالدّينِ
وباسم الدّينِ..
نَسنُّ خناجرنا العمياءْ

بالصّدفةِ ..
في الوطن العربيّ..
إذا ما ظهرتْ راقصةٌ..
من بين حُطامِ منازلنا
ننسى أحزانِ مآتمنا
و-ننقّطها-بدمِ الشّهداءْ

بالصّدفةِ ..
ندخلُ غُرفَ النّومِ
لكي نختبرَ فحولتنا..
نتفاجأ..أنّ لنا أثداءْ

بالصّدفةِ ..
في الوطن العربيّ..
يحاصرُ أبرهة الحبشيّ الكعبةَ
يدخلُ هولاكو بغداداً
يزحفُ جيشٌ نحو الشّامِ
ويزحفُ جيشٌ نحو القدسِ
ونبقى نحنُ..
حفاةً في قلبِ الصّحراءْ
يتربّصُ منّا الذّبيانيُ بعبسيٍ..
يشحذُ خنجرهُ بالصوّانِ
ويركبُ ناقتهُ الورقاءْ
ويهبُّ ليكتبَ ملحمةً أخرى..
في داحسَ والغبراءْ

بالصّدفةِ...
والصّدفةُ صارتْ قدراً وقضاءْ
منْ يكفرُ بالصّدفةِ منّا..
زنديقٌ..
من أصحابِ الرّدةِ والأهواءْ
زنديقٌ..
من يرمي حجراً..
يتفجّرُ في الأرضِ الخرساءْ
زنديقٌ..
من يُطلقُ من غزّةَ صاروخاً
يسقطُ في نافذةِ الأعداءْ
زنديقٌ..
من لا يشحذُ كيسَ طحينٍ..
مِن شبّاكِ الأونروا
أو كيس دواءْ

زنديقٌ في وطن الحكماءْ..
من غامرَ بالصّدرِ المكشوفِ
فحطّمَ أضلاع العنقاءْ
زنديقٌ..
من يَخرجُ للحربِ
ليكشفَ عوراتِ الجبناءْ
زنديقٌ..
من ينتعلُ كرامةَ "إسرائيلٍ"
مثل حذاءْ

زنديقٌ..
إنّي زنديقٌ..
لي ربٌ..ولكم أربابٌ..
لي ديْنٌ..ولكم أديانٌ..
ولديّ كتابٌ أقرأهُ..
لم أقرأ فيهِ عن الصّدفةِ
وقَبولِ الأقدارِ العمياءْ
لم يأمرني ربيّ بالصّبرِ..
على السّكينِ تحزُّ عروقي مثل الشاءْ
لم يأمرني ربيّ أن أذبحَ قبلَ الحربِ
جميعَ الخيلِ
وأُسرج عندَ الحربِ..
حمارَ الاستجداءْ
لم يأمرني ربّي أن أدخلَ
في دائرةِ الاستغباءْ
لم يخلقني ربيّ كي أُعلف بالصّدفةِ
صبحاً ومساءْ
الصّدفة ليست فلسفتي..
الصّدفةُ فلسفةُ الجّبناءْ
الصّدفة تتخمني..
وأنا أشعر بالرغبةِ في الإقياءْ
أشعر بالرغبةِ...
في.... الإقياءْ
أشعر ...بالرغبةِ..
في...ا..ل...إ...ق...
ي....ا......ءْ......
.... .... ....
... .... ....
رد مع اقتباس
 


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287