عرض مشاركة واحدة
  #1 (permalink)  
قديم 04-27-2008, 02:57 AM
الصورة الرمزية دلوعة جوزي
دلوعة جوزي دلوعة جوزي غير متواجد حالياً
 

 









افتراضي الشاعر الدكتور عبد الرحمن بارود كلمات وأحاسيس تتفجر جهاداً ومقاومة





كم تعذّبت وأنا أبحث عن مادةٍ تكفي لكتابة مقال عن الدكتور عبد الرحمن بارود، وعانيت من شحّ أو عدم وجود المصادر التي تتكلّم عنه. كنت أسعى بدأب وأسير في طريق وعر ولا أجد في نهاية الطريق إلا معلومة صغيرة لا تسمن ولا تغني من جوع، والغريب أن هذه المعلومة -على صغرها- تعطي الباحث دفعة قويّة وتشعل في روح إصراره عزيمة تزيدها الصعوبات توهّجاً وسمّواً وألقاً، حتى منّ الله علينا بمقال موجزٍ كتبه الأستاذ إسماعيل الخالدي عن الشاعر، ومنه استقيت التواريخ وتفاصيل التحصيل العلمي، وبالإضافة إلى كمٍّ من معلوماتٍ ضنّت بها علينا مصادر تراجم الشعراء.

عبد الرحمن بارود ليس شاعراً عادياً، وأمامه يعجز قلمي أن يسوق ترجمة تحكي تراجم الشعراء الفحول، إنما عند الحديث عن بارود أجد أسئلة كثيرة كبيرة جدّاً تفتحها في وجهي رياح غاضبةٌ عاتبة عاتية، فأين هم رموز الحركة الإسلامية من الأدباء والشعراء؟ ولماذا غاب دورهم الريادي في قيادة الحركة الثقافية بشكل العام والأدبية بشكل خاص طيلة المدّة السابقة؟ هل أغفلهم الإعلام حقاً؟ أم إنهم زهدوا بدورهم حتى وصلوا إلى حدّ نسيهم الناس وغفلت عنهم الجماهير؟ وإلى متى هذه الحال؟

قد لا نكون في معرض نقاش قضيّة ضخمة بحجم قضية غياب أو تغييب الأديب الإسلامي عن الساحة الثقافية الفلسطينية على وجه الخصوص، ولكني أحببت الإشارة إلى هذا الأمر حتى أبدأ مادّتي بتثبيت فكرةٍ مهمة في أذهان أرباب الأقلام الملتزمة والصادقة، ومنهم شاعرنا، وهي أن المنابر الثقافية اشتاقت إليكم، بل عتبت عليكم، وأغضبها في كثيرٍ من الأحيان جفاؤكم وقسوةُ قلوبكم التي استطابت البعد عن مدارجها، ولو أن تلك المنابر نطقت بلسان الحال لجمّعت كل معاني العتب ووضعتها بين يدي الدكتور عبد الرحمن بارود.

ولد الشاعر الدكتور عبد الرحمن أحمد جبريل بارود عام 1937، في قرية من قرى غزّة تسمّى (بيت دراس) وهي إحدى قرى اللواء الجنوبي لفلسطين، تميّزت بكثرة المجاهدين ووفرة الشهداء الذين روّوا ترابها بزكي دمائهم.. في 16/3/1948 خاضت القرية معركة ضد الصهاينة تمكّن فيها أهل بيت دراس من صدّ العدو وردّه خائباً، وتكرّرت هذه البطولة في شهر أيار/مايو من العام نفسه مع فارق غير بسيط، إذ عاد الجيش يجرّ معه مئتين وأربعين جثّة لمئتين وأربعين قتيلاً صهيونياً، ثم شهدت هذه القرية في 21/5/1984 معركة سطّر فيها (البدارسة) سِفراً خالداً في ذاكرة الوطن، وقدّموا خلال هذه المعركة التي تحوّلت إلى مذبحة أكثر من مئتين وستين شهيداً، وبهذا الموجز الهامّ جدّاً عن قريته ستتضح للقارئ بعض من جوانب القامة الشعرية السامقة الثائرة التي يحملها بارود بين جنبيه.

على إثر المذبحة المروّعة هاجرت أسرة شاعرنا من بيت دراس إلى معسكر جباليا للاجئين الفلسطينيين في شمال قطاع غزّة وكان عبد الرحمن طفلاً في الحادية عشر من عمره.
دخل عبد الرحمن بارود مرحلة جهادية طويلة ومشرّفة، وأقصد هنا جهاده في التحصيل العلمي، فقد تلّقى تعليمه الابتدائي في مدرسة بيت دراس الابتدائية وأكمل بعد تشريده منها في مدرسة الإمام الشافعي ثمّ في مدرسة فلسطين الثانوية، وكان في كل المراحل الدراسية من أوائل الطلبة. ثمّ درّس في مدارس الأونروا عدّة شهور وذهب بعدها إلى مصر ليكمل دراسته الجامعية في جامعة القاهرة – كليّة الآداب بمنحة من وكالة الغوث الدوليّة وحصل على درجة الليسانس أو (البكالوريوس) في الأدب العربي بتقدير جيّد جداً مع مرتبة الشرف عام 1959. وكأفضل طالب شرفيّ في جامعة القاهرة بدأ شاعرنا وبمنحة من الجامعة دراسة الماجستير وحصل عليها بتقديرٍ ممتاز مع درجة الشرف الأولى في أواخر عام 1962. ثمّ بدأ بعد ذلك دراسة الدكتوراه في الأدب العربي وحصل عليها بتقدير ممتاز ومع درجة الشرف الأولى أيضاً عام 1972، ثمّ تعاقد للعمل في جامعة الملك عبد العزيز في مدينة جدّة السعودية، وكان ذلك في العام نفسه الذي حصل فيه على شهادة الدكتوراه وبقي فيها إلى أن تقاعد عام 2002.

شاعرنا الآن شيخ جليل وقور، كريم الخلق، رفيع الذوق، طيّب المعشر، لا يملّ الإنسان حديثه، وإن حدّثته أنت فلن تجد منه إلا حرصاً جمّاً على الاستماع إليك، ولن تلمس إلا اهتماماً بالغاً بكل كلمة تقولها، يكرم ضيفه ولا عجب في ذلك فأبوه الشيخ أحمد جبريل بارود كان معروفاً بكرمه، فعلى قلّة ذات يده كان لا يدخل بيته للأكل إلا مصطحباً معه أحد فقراء القرية ليطعمه مما أطعمه الله، وشاعرنا كأبيه يعظم وفادة الضيف، ولذلك صار بيته في جدّة معلماً ومقصداً لكلّ طالب خيرٍ وفضلٍ من الفلسطينيين والعرب والمسلمين.

نموذجات من شعره

لن نستطيع مهما أطلنا أن نجمع إلا نزراً يسيراً جدّاً من فيض عطائه الغزير، فبارود شاعر فحل مكثرٌ، وجلّ قصائده من المطولات، و لكنها ليست كأيّ مطولات، فكلما طالت القصيدة عند بارود تألقت أكثر، وشدّتك إليها أكثر، وأدخلتك في جوّها النفسي أكثر.

تأثر الدكتور بقضايا الأمة وعلى رأسها قضية فلسطين التي أعطاها الكثير، وآمن بأن الطريق الوحيد لاستعادة الوطن السليب لا يكون إلا بالعودة إلى الإسلام العظيم، وأعلن بارود تمسّكه بهذا الدين، وظهر ذلك في شعره جليّاً، واستمرّ على درب ذات الشوكة فلاقى ما لاقاه من الألم والعذاب ومصادرة الحريّة، واستنكر على اللاهثين وراء أكذوبة صهيونية أمريكية يقال لها زوراً (السلام):

يا حمام السلام! عُدْ يا حمامُ

لا يفُلُّ الحسامَ إلاّّّّ الحسامُ

في زمان الصقور صرتم حماماً!!

كيف يحيا مع الصقور حمام؟

أيُّ عرسٍ هذا؟ تزفّون ماذا؟

ولماذا يطبّلُ الإعلام؟

ثكِلتْ أمّكم.. أليس لديكم

غير (عاش السلام) (يحيا السلام)؟!
سار عبد الرحمن بارود بقلمه مع الانتفاضة المباركة التي اشتعلت واشتدّ عودها يوماً بعد يوم، حتّى صارت أملاً لكل فلسطيني حرّ، بل لكل حرٍّ في هذا العالم، وأنهت انتفاضتنا عامها الأول وتعاظمت معها الآمال، وازداد التلهف في نفوس المخلصين الظامئة إلى فجرٍ جديدٍ تشرق فيه شمسنا التي طال غيابها:

عام مضى والتحدي في بدايته

والانتفاضة نار الله تلتهب

شبِّي إلى أن يفرَّ الليل محترقاً

ويُقبلَ الفجر في أعقابه يثب

شبِّي لظىً.. ودعي من يرطنون لنا

فصرعة العصر أن يستعجم العرب

نادى شاعرنا بأعلى صوته وأطلق صيحاته المدوّية علّها توقظ نفوس وقلوب وعقول أولي الأمر منّا. واستنكر عليهم بقاء السلاح في مخازن ليأكلَه الصدأ والهوان، فالقدس قدس العرب والمسلمين، والنصر الذي سيتحقق هو نصر لكل العرب والمسلمين، فهل يعقل أن تسكت قاذفات العرب وأسلحتهم في وقت تكلّم فيه الحجر الفلسطيني فأبان وأفصح وأفهم وأفحم؟!!

بَـيْنَ المُحيطينِ لِـيْ أَهْلٌ ذَوُوْ عَـدَدٍ

وَجِيْـرَةٌ عَـرَبٌ لا يَـمنعونَ قِـرَى

سَـمعتُ صَوتَ سِـلاحٍ فِي مَخازِنِكُمْ

يَبْـكيْ عَليَّ طَوالَ الليــلِ مُعْتَـذِرا

خَمسـونَ دَبَّـابـةً فِي الحي تَقصِفُنـا

كَمْ قَهْقَهَتْ إِذْ رَمَيْنا نَحْوَها الحَجَـرَا!

لَـوْ كُنتُ أَحْمِلُ صَاروخـاً عَلى كَتِفيْ

أَوْ أَرْبَجيهـاً كَفانِي وَجْهَهَـا القَـذِرَا

مَا للحـدودِ حَوالَيْنـا مُغَلَّقَـةً

لَمْ نَسـتَطعْ مَعها وِرْداً ولا صَـدَرا

أَطْلِقْ يَـدَيّ وَفُـكَّ الحَبْـلَ عَنْ عُنُـقِيْ

وَافْتَـح لِيَ البَابَ وانْظرْ بَعْدُ كَيْفَ تَرى

لَـوْ تَجْعَلُ السَّـدَّ يَا مَولايَ طَوْعَ يَدِيْ

أَلْفَيْتَ مِلْيونَ شَارونٍ قَدِ انْدَحَـرَا
أما الشهداء الأحياء الأبرار فقد شكّلوا مادّة رئيسة في أعمال بارود، غنّى الشهادة وتغنّى بها، وكتب للاستشهاديين حروفاً خالدة تشعّ صدقاً وعشقاً وتمسكاً بهذا النهج المبارك، فها هو يتكلّم بلسان حال ابن جنين البار الاستشهادي البطل سعيد الحوتري:

شُـدوا علـيّ حزامـيَ المحشـوَّ بالـمـوتِ الــزُؤام

زيـدوهُ عشـرَ قنـابـلٍ فالـيـومَ يــومُ الانتـقـام

أشوي بهِ في النارِ مَنْ بنَوا (الكنيستَ) مـن عظامـي

هذا الحِزامُ بهِ تضيء الشمـسُ فـي غَسَـقِ الظـلام

هذا جـوادي الفحـل.. أمسـحُ وجنتيـهِ مـنَ الغـرام

يحكي جهنّمَ حين يَصهَـلُ فـي القَطيـع.. بـلا لجـام

سَأظـلُ كابوسـاً لعزَ الديـن.. قُــدّ مــن الـرخـام

ومن منّا لا يحفظ الأبيات المؤثرة التي قالها الدكتور عبد الرحمن بارود في رثاء الاستشهادي البطل سعيد الحوتري، هي أبيات ثائرة أوقدها سعيد الحوتري في نفس شاعرنا فانسابت قصيداً ألهبت قلوب السامعين، وباشرت قلوبهم بخطاب شعري مؤثر أبدع بارود في إيراده مختاراً أقوى الألفاظ لأروع معاني الجهاد والثورة النابعة من تعاليم ديننا الحنيف:

لا أستقيـلُ ولا أقيـلُ.. أقـول مـا قــالَ الأســودُ

عَنـتِ الجبـاهُ لِعـزكَ العالـي.. ومَجّـدكَ الـوجـودُ

أنـا فـي كنانـةِ سيـدِ الثقليـن صــاروخٌ جـديـدُ

وعلـى الزنـادِ أصابعي فـإذا انطلقـتُ فـلا أعـودُ

لا يَنقُـصُ الأجَـلُ المسطـرُ فـي الكتـابِ ولا يـزيـدُ

أنـا مِـن بنـي القسّـامِ إنْ مـادَ الجِبـالُ فـلا أميـدُ
رثى بارودُ شيخَ شهداء فلسطين أحمد ياسين، وتجلّى رثاؤه في قصيده ضمّت أكثر من خمسة وثمانين بيتاً، في كلّ بيت منها قنبلة يفجّرها شاعرنا في وجوه الصهاينة الذين اغتالوا شيخاً قعيداً قارب السبعين من عمره، وكل بيتٍ أيضاً كان نهراً من البرد والسلام والبشرى على صدور قومٍ عشقوا الجهاد وبايعوا وباعوا أنفسهم لله جلّ في علاه:

أَزِفَ الرَّحيلُ أَخا الوغى فَتَرجَّلِ

واصعْد إلى قِمَمِ الرَّعيــلِ الأَوَّلِ

عبُد العزِيز أَخُوْكَ حَرَّابُ العِـدا

طَوْدٌ أَشَمُّ وهَضْبَةٌ من جَنْــدلِ

قَسّامُنا، فِيْنا يُرى، وصلاحُنا..

والشيخُ فرحان، وليثُ القَسْطــلِ

ذُرِّيّةٌ.. دُرِّيّةٌ.. بَدْريَّةٌ

يَحْلُوْ لَها -في اللهِ- طعْمُ الحَنْظَلِ

إلى أن يقول:

قَفَزَتْ حماسُ اليومَ أعْظَـمَ قفـزةٍ

بَرَكاتُ مَنْ أبوابُهُ لم تُقْفَــــلِ

صارت حماسَ المُسْلمينَ جميعِهِمْ

وغدا لَها في السَّاحِ أَعْظَمُ جَحْفَلِ

لو كُلُّ صُهْيونيَّةٍ عَلِمتْ بمـــا

سترى غداً هِيَ وابْنُها لمْ تَحْبَـلِ

شارونُ! غالٍ عندنا دَمُ أَحْمَـــدٍ

واللهُ عَنْ دمِ أَحْمَدٍ لمْ نغْفُـــلِ

أَبْشِرْ.. سَتَصْرَخُ: ليتَ أُمِّيْ لمْ تَلِدْ

مَلْعُوْنَةٌ (جانِيْتُ) أُمُّ (هِرِتْزلِ)




بقلم: محمد حسين منصور

التعديل الأخير تم بواسطة دلوعة جوزي ; 04-27-2008 الساعة 02:59 AM
التوقيع

إن قلب المرأة لا يتغير مع الزمنولا يتحول مع الفصول...
قلب المرأة ينازع طويلا ولكنه لا يموت...
قلب المرأة يشابه البرية التي يتخذها الإنسان ساحة لحروبه ومذابحه ...
فهو يقتلع أشجارها ويحرق أعشابها ويلطّخ صخورها بالدماء ويغرس تربتها بالعظام والجماجم ...
ولكنها تبقى هادئة ساكنة مطمئنة ويظل فيها الربيع ربيعاً والخريف خريفاً إلى نهاية الدهور ...

رد مع اقتباس
 


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287