عرض مشاركة واحدة
قديم 11-09-2007, 01:25 AM   #4 (permalink)
admin
المدير العام
 
الصورة الرمزية admin

 









admin غير متواجد حالياً
افتراضي

صلاح خلف وصوت القائد الصادق


بكر أبو بكر

بعض (القيادات) لها سحر، لها بريق، لها جاذبية، لها كاريزما لها شبه قدسية، لها تأثير يتجاوز الجماعة ليطال الجماهير. ومثل هذه القيادات قليلة جدا، وتخرج في حقيقة الأمر عن خصائص القائد العادية




لتدخل في باب (الزعيم) أو القيادة الكاريزمية أو المهابة. ولأن الزعماء من القادة قلة فإن التعرض لسير بعض منهم لا يعني بالضرورة الإقتداء بهم فيما هو خارج نطاق الملموس أو غير المقدور عليه، وإنما يمكن تفهم شخصياتهم في مجالات الجاذبية التي جعلت منهم منتهى أمل الآخرين أو محرك لأفئدة وعقول الجماهير أو من السهل على الناس أن يضحوا بالكثير من اجل هؤلاء أو من اجل ما يدعون له.

نطاق الزعامة فيه من السحر والتأثير على الجماهير الشيء الكثير ولأنه بمؤثرات جماعية فقد يكون التأثير سلبيا وقد يكون ايجابيا فزعيم مثل موسوليني قاد بلاده إلى الهاوية، ولكنه يبقى زعيما استطاع استنهاض أمة ودفعها إلى الهزيمة، وفي المقابل ظهر من القادة الزعماء في العصر الحديث غاندي، لينين، نهرو، مارتن لوثر، جمال عبد الناصر، تيتو، ديغول، ياسر عرفات، صلاح خلف.

لربما تحدث الكثيرون عن الكثير ممن ذكرنا من الشخصيات ولكن صلاح خلف (1933-1991) القائد الفذ والشخصية الكاريزمية والمفكر السياسي (العملاني=البراجماتي) الكبير والمسئول التنظيمي يعد نموذجا للزعامة كما يعد نموذجا للقيادة. فصلاح خلف المعتدل القامة غير طويلها،الأصلع الشعر المتين الجسد مع امتلاء لم يؤثر في مرونة حركته، ذو الشراهة في التدخين وشرب القهوة، العابس، الباسم، الصارم، الضحوك، المحافظ، التقدمي، الإنسان، الحريص، الأمين، السياسي المحنّك، الخطابي البارع، رجل الاستراتيجية والتكتيك، الحذق، المناور، المحاور، المداور عرفناه ونعتز بالتعلم منه. لم يكن صلاح خلف (أبو إياد) طويل القامة ولم يكن يتمتع بجسد رشيق ولم يكن ذو شعر كثيف ولم تدل تقاطيع وجهه أو جبهته على جمال أخاذ ومع كل ذلك كان ساحرا جذابا مثيرا للزوابع والعواصف حيثما حل وأينما رحل.

صلاح خلف القائد كان كتلة من الإيمان الصادق، والمشاعر الصادقة، والعقل الصادق، كان يتحرك بفعل هذا الصدق الظاهر في حركاته وسكناته وانقباضه وانبساطه، في عيونه وفي حركات يديه وفي تقطيب جبينه وفي طريقة إمساكه بالسيجارة وفي رنة صوته وفي طبقات صوته وفي طريقة خطابه عامة، في تعامله مع مرؤوسيه كوادره، كوادر التنظيم والجماهير. كانت الآلاف والملايين تشتاق لسماع صوته وللقائه والانصات لما يقول وكأنه يغني ويطرب أو يرتل فيشجي، لأنها وضعت فيه ثقة غير محدودة نبعت من اعتقادها بصدقه، وشعورها بصدقه الذي عبر عنه بكافة الأشكال معاملة ومحادثة، نفسيا وجسديا، فكرا وإيمانا... أعطى الناس صدقا فأعطوه ثقة، وأعطاهم فكر وأملا ومستقبلا فرسّموه قائدا وزعيما.

كان صوت صلاح خلف الجهوري الصاخب ذو البحة المميزة جوهرة، وميزة هامة من ميزات شخصيته كما كان لدراسته العربية وإتقانها تأثيرا فيه أصيل، وكان لتطويره موهبتة هذه أن أصبحت من سمات شخصيته بالإضافة لكل ما ذكرناه من سمات جسدية ونفسية وروحية.

كان صوت صلاح يعلن الحقيقة، ويتحرك في ملعب الجماهير ويسجل أهدافا لم يبلغها احد من رجالات الثورة الفلسطينية. وكان (أبو إياد) مع قدرته الجماهيرية الجاذبة، مهاب الجانب يتحرك في ركابه فريق عمل احترمه فحفظ له هذه الفريق الود، وحفظ له الوفاء وسار على دربه في مجالات عمل مختلفة وان كان أبرزها في التنظيم وفي الأمن.

في المجالس الوطنية الفلسطينية وفي احتفالات انطلاقة الثورة بشكل أساسي كان يظهر (أبو إياد) بلباسه المتواضع الذي لم يخرج عن بنطال وقميص أو بلوزة أو سفاري مميزا متألقا، يعدد المخاطر ويشرح الظروف، ويرسم الخيارات، ويحلل الواقع، ويطرح الرؤى ويصر على المحاججة ويريح السامعين فيما يريدون لأنه أتقن فهم المراد من احتياجات الناس والكوادر، وكان يتحرك في حديثه وكلامه بعينيه الحادتين، بيديه، وبرأسه كأنه (مايسترو) يقود (اوركسترا) مشكلة من جمل وفقرات وعناوين، أو كأنه فدائي يغني لبندقيته ولفلسطين أو كأنه طبيب يرسم لمرضاه طريق الشفاء.

في أحد المهرجانات التي أقمناها لتخريج طلبة الجامعة من الفلسطينيين في قطر عربي رفضت قيادة هذا البلد أن يتم التخريج في الجامعة وفي اللحظات الأخيرة. وكان الأخ القائد صلاح خلف أبوإياد المدعو الرئيسي لتخريج كوكبة الطلبة والطالبات فحدثناه في ذلك الرفض ونحن في قمة الاستياء والحزن والاحباط، فلم يهتز ولم ينفعل وفهم المراد فقال بضرورة أن يتم الحفل مهما كلف الثمن وكان القرار أن يتم في مقر منظمة التحرير الفلسطينية. جاء الأخ صلاح خلف (أبوإياد) وفي ركابه جيش من صحفيي البلد فقام يصدح على المنبر ويعبر عن العنفوان الشبابي الدائم حيث قرع المسؤولين في البلد وقال لهم: إن كنتم استثقلتم احتضان حفل للخريجين في جامعتكم خوفا وانهزاما فإننا سنحتفل في جامعاتنا في الوطن بخريجيكم بعد التحرير. وأخذ يعدد مساؤىء الحكومات العربية ويشير بالإصبع إلى حكومة البلد، والصحفيين يسجلون كل ما يقول . لقد عبر عن أحاسيس الطلبة وإحباطهم وأملهم فدوت القاعة بالتصفيق، وكان في اليوم التالي في ضيافة رئاسة البلد يتلقى الاعتذار.

في نماذج القيادة أو الزعامة كان صلاح خلف الرجل القدوة والرجل الصادق ورجل الجماعة العنوان. وان كنا قد تحدثنا في مقال سابق عن عباءات القيادة ذات الألوان الخمسة فإن تخير العباءة منها بحسب الشخص والموقف والتفاعل بين هذه العوامل كان من سمات صلاح خلف أيضا الذي كان يرتدي مع التنظيم العباءة البيضاء غالبا، ويرتدي في إطار مسؤوليته المباشرة كقائد للأمن الموحد (أي أمن منظمة التحرير الفلسطينية) العباءة الحمراء وكان يرتدي من العباءات الأزرق والأصفر مما ذكرنا ما يتعامل فيه مع المناوئين أو المناكفين أو المعارضين، ولكنه كان يتدثر بالعباءة السوداء القاسية مع أعداء الثورة ومناوئيها وقاتلي كوادرها في كافة المواقع فكان النضال الدءوب، والشخص ذاته في ادوار وعباءات عدة.
  رد مع اقتباس
 


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287