إن هذه الرسائل ما هي إلا ما تبقى من جملة ما كتبه الوالد لشريكة حياته والتى للأسف ضاع أغلبها إبان احتلال الكويت ... نحلق في آفاق أبي إياد الإنسان و نصل إلى أن جوهر قوته يكمن في إيمانه بقضيته وبأخلاقه العالية التي أعطته الرؤية الواضحة في ليل كالبحر متتابع الظلمة، ولهذا السبب كان يخافه أعداؤه حتى وهو في قبره لما يجسده من مثل وقيم. و بحكم المهام التي شغلها في حماية أمن الثورة، عرف أبو إياد بقوته وصرامته وصلابته، وقد يستغرب البعض أن هذه الصلابة كانت تخبئ أنهارا من الحب والحنان والدفء ... كان يحاول جاهدا أن يخفيها حتى لا تشغله عن هدفه ورسالته في الحياة.
كان الوفاء بالنسبة له أس الحياة وركيزته ... فلا حياة بلا وفاء ... وقد تمثل ذلك في مواقفه اليومية ... فقد كان سباقا لأن يوفي الشهيد حقه وذلك بإحياء ذكراه والاطمئنان على ذويه وبتأمين الحياة الكريمة لهم ... وما كان يمر عيد إلا ويبدؤه بزيارة مقابر الشهداء يتبعها بزيارة لأطفال الصمود ... وهم أطفال فقدوا أهليهم في معارك الثورة حيث يتناول طعام الغداء ويقضي بعض الوقت معهم ... كان وفيا لرفاق دربه وإن اختلفت الرؤى ... يقف مدافعا عنهم إن مسهم سوء ...
تتدافع الأفكار والذكريات كالنهر الهادر ... تريد أن ترسم كل ما هو جميل في هذا الرجل ... ويعجز القلم واللسان عن مسايرة تدفق القلب ويقفان حائرين ... فمهما كتبت ومهما قلت فلن أوفيه حقه ... إنما هي لمحات سريعة تراها عيون القلب فيتكشف لها إنسان صاحب رسالة ... أتمها وهو راض مطمئن ...
وأبو إياد أشبه بالزهرة التي يتداعى عليها النحل ... فهكذا كنا نحن أبناؤه ننهل منه ونُخرج من رحيقه رموزاً من القيم والمثل ... والقاسم المشترك التي تجتمع عليه الأسرة هو أن بذور الخير والعطاء التي غرسها فينا نمت - على الرغم من قلة اللقاءات – وقد أينعت حسن خلق ومحبة الناس والتزاما بمبادئ ... فقد كنا بالنسبة له أكثر من أبناء يشاورنا في الأمور العامة والقضايا السياسية ويصغي باهتمام ويفخر لمخالفته بعض مواقفه أو أرائه لأنه يرى فيها نبض الشارع.
ولكل منا ذكريات وعيون يرى بها الوالد ... فأختي إيمان تعيش فيها صلابته والتزامه بالمبدأ، فكم كان فخورا بموقفها الثابت في البقاء في عملها كطبيبة لخدمة أهلها في الكويت المحتلة حتى تتحرر ... أما جيهان فيسكنها بريق عينيه وما فيهما من عطف وحنان وحزن وأسى من شعور بالتقصير والذنب لمرض أصابها في طفولتها فحاولت جاهدة ... وقد نجحت ... أن تبدد الأسى وتزيل آثار الحزن بإرادتها المستمدة من ثقتها بالله ومحبته وشغفه بها ... أما في عيون علياء فهو الرجل المتواضع وخير الجليس ونعم المحاور الذي يشيع بمهارة فائقة جواً من خفة الظل يدهش له البعض ... أما الوالدة الغالية والأحبة إياد وزياد فقد حالت قلوبهم دون تسجيل شهادتهم وكفى بدموع القلب والعين شاهدا ًعلى ما يكنون من مشاعر وما تحمله عقولهم من مشاهد.
رحمك الله يا والدي في هذا اليوم وكل يوم ... ورحم الله شهداء فلسطين وكل من سار على دربكم من الأحياء حتى النصر والتحرير ... فلم يكن اختيار جيلك لشعار "ثورة حتى النصر" شعلة لانطلاقتكم إلا وعيا منكم وإيمانا بحتمية انتصار الحق مهما كلف من تضحيات ... فالنصر عزيز والعزة لا بد لها من دماء زكية تبدد ظلمة الاستبداد و الجبروت ... وهاهم أطفالنا وشبابنا في فلسطين الأبية يجسدون بطهرهم وشجاعتهم شعار الفتح ويذكرون من نسي من اخوتنا العرب بأنها ما زالت ثورة حتى النصر ...
منير صلاح خلف
صلاح خلف – أبوإياد – في سطور
· صلاح خلف "أبو إياد" من مواليد يافا 31/8/1933م. هاجر عام النكبة مع أهله إلى قطاع غزة حيث انهى دراسته الثانوية، ثم انتقل إلى القاهرة حيث حصل على الشهادة العالية لكلية اللغة العربية عام 1956م من الجامع الأزهر ومن ثم الشهادة العالمية مع الإجازة فى التدريس عام 1958م.
· أحد القادة الرموز الذين حملوا عبء القضية الفلسطينية، ومن القلة الشجاعة التى كان هدفها فك الشعب الفلسطيني من أسره وتحطيم مقولة شعب بلا وطن التى حاولت الغطرسة الصهيونية فرضها.
· شارك فى تأسيس وقيادة رابطة الطلاب الفلسطينين فى القاهرة وعمل مدرسا فى قطاع غزة فى مدرستى الزهراء للبنات ومن ثم فى مدرسة خالد بن الوليد للبنين.
· تزوج من ابنة عمته فى القاهرة فى 31/7/1959م وله ستة ابناء – إيمان، جيهان، إياد، زياد، علياء ومنير.
· شارك فى الكويت فى تأسيس حركة فتح لحين تفرغه عام 1967م حيث تولى مهام إنشاء ورئاسة أول جهاز أمنى للثورة الفلسطينية عرف بجهاز الرصد.
· شارك فى جميع معارك الثورة الفلسطينية ابتداء بالكرامة عام 1968م وانتهاء بحصار بيروت عام 1982م.
· لم يكن ذات يوم باحثا عن منصب، بل جاءت الزعامة منقادة اليه، ألهب حماس مستمعيه بالكلمة، فقادهم إلى المقاومة، تلك اللغة التى لم يفهم الغاصب غيرها، فجمع كل أسلحة الكفاح من أطرافها، لم تأخذه فى الحق لومة لائم، ولم تعزه الجرأة لقول الحقيقة فى وجه زعماء ووزراء وحتى رفاق.
· القاسم المشترك والمرجع لأبناء فتح والفصائل الفلسطينية والمحاور والموحد لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية والشخصية الوطنية الفلسطينية فى جميع مراحل العمل الوطنى الفلسطينى.
· أمسك بناصية الأحداث، تعامل معها بموضوعية، تحدث إلى الإسرائيلين، وتمنى لو أنه يجد لديهم لغة خطاب مشترك تقود إلى سلام متوازن، لكنه أدرك فى وقت مبكر عمق الهوة بين الفلسطينين وعقيدة "أرض الميعاد".
· ارتقى أبو إياد شهيدا يوم الأثنين 14 بناير 1991م برصاص غادر، بعد أن ترك إرثاً حافلاً بالنضال يجعله خلداً فى ذهن الفلسطينين الاحرار وخلف لنا كتاب "فلسطيني بلا هوية" وأناط بنا مهمة البحث عن هوية.
عرب 48